أعلنت شركة «فورورد ميوزيك» التي أسسها عازف الغيتار والإيقاعات اللبناني غازي عبد الباقي قبل حوالي 10 سنوات، عن شراء النشر لثلاث عشرة أسطوانة من شركة إنكوغنيتو التي أقفلت أبوابها بداية العام 2010 . وأدت عملية نشر هذه الأسطوانات تحت اسم فورورد ميوزيك إلى إنتاج أكبر وأشمل مجموعة من الأسطوانات المتخصصة بموسيقى الشعوب في الشرق الأوسط.

وشملت هذه العملية أسطوانات من إنتاج شركة إنكوغنبتو ضمن سلسلة أصوات الشرق الجديدة لعدد من الفنانين مثل كنان العظمة ولينا شاماميان ورباعي طويس من سورية، وفرقة اسكندرلي وحازم شاهين من مصر. إضافة الى سلسلة تقاليد للموسيقى العربية الكلاسيكية شملت أعمالا للموسيقيين نداء أبو مراد وصلاح يموت من لبنان، وفرقة أصيل من مصر. وللمناسبة أجرى «الحواس الخمس» حديثا مع هذا الموسيقي الذي يغامر ويكافح من أجل إنتاج أعمال ذات قيمة فنية عالية، ونشرها عالمياً.

ابن الأربعين سنة الذي قضى طفولته ومراهقته في لعب الموسيقى كعازف إيقاع (درامز) متذوّقاً الجاز والروك والفانك، وعاشقاً للموسيقى اللاتينية، ترك الولايات المتحدة في بداية الألفية الثانية، بعد تخصّصه في الهندسة الصناعية، ليعود الى بيروت مسقط رأسه ويؤسس شركة إنتاج Forward music لتقديم موسيقى بديلة ومختلفة عن التجارية التي تغزو السوق.

خبرته في الموسيقى لم تأتِ من العدم، فهو دارس ومتمرّس في الموسيقى الغربية، ومطّلع شغوف على الموسيقى الشرقية. شارك في العزف مع فرق أجنبية وعربية، منها فرقة Bare necessity في أميركا التي خرّجت موسيقيين مشهورين مثل عازف الباص جون بنيتيز، وعازف الساكسوفون بوبي فرانشيسكيني، وعازف الناي بسام سابا. كما شارك مع الموسيقي اللبناني زياد الرحباني كعازف في بعض أعماله وحفلاته، في التسعينات ثم في العام 8002.

يتميّز عبد الباقي الذي أصدر هذا العام أسطوانة البلاغ الأخير، بعد خمس سنوات من العمل المتأني على أسطوانتي البلاغ رقم 1 (4002) والبلاغ رقم 2 (7002)، بثقافته الواسعة ليس على صعيد الموسيقى وحسب، بل على صعيد الأدب. فهو الى جانب تأليفه كلمات بعض أغنياته، بارع في اختيار قصائد فصيحة من الموروث العربي، ليُحوّلها الى أغنيات ذات إيقاع حديث. ومن الشعراء الذين رافقوه في سلسلة بلاغاته في الأسطوانات الثلاثة، طاغور والحلاج، الى جانب إيليا أبو ماضي وأحمد شوقي. وقد انتقده البعض لعدم انسجام هذا الشعر العربي الفصيح مع تلك الموسيقى الغربية المعاصرة. ولكن في الوقت ذاته تلقى موسيقاه الكوزموبوليتية رواجاً واستحساناً عند جمهور واسع يفقه بالموسيقى وأهوائها، في أوروبا والولايات المتحدة ومختلف الدول العربية. يقول عبد الباقي: العربية هي لغتي، ولا يمكنني التعبير إلا بها، مع العلم أنني أتقن الانجليزية والفرنسية. ولدي قناعة أن العربية الفصحى لا تهرّب الناس بل تحتاج الى من يُحرّرها لتكون أقرب الى أذننا.

يحمل عبد الباقي في طيات أعماله همّاً إنسانياً وشغفاً موسيقياً، وليس اختياره لقصائد طاغور إلا دليلاً على ذلك، أحبه كشاعر لأن أعماله تتناول موضوعات إنسانية عن الذات والنفس وبساطة الأمور، حسب ما يقول. كما له تجارب في كتابة أغان نجحت في نقل حالة إنسانية ما يعيشها أي مواطن مثله، إن كانت عاطفية أو سياسية أو اجتماعية. فهو يستقي كلمات أغنياته من حياته اليومية، على ما يُشير.

في أعماله مزج أو خلطة موسيقية بين الجاز والفانك والموسيقى اللاتينية على أنواعها، المطعّمة بنغمات وآلات شرقية. قد تكون هذه الخلطة غريبة أحياناً على الأذن، لكنها أسّست لأسلوب خاص به.

ولا يعتبر عبد الباقي أن موسيقاه، التي يصحّ وصفها بالكوزموبوليتية، آتية من العدم. فهي تُشبه الى حدّ ما مدينته الأبدية بيروت. ويقول في حديثه لـ«الحواس الخمس» إن موسيقاي هي شباك على حياتي في السنوات الأخيرة الغريبة المتميّزة بعدم الاستقرار الذي يعيشه البلد والناس بشكل عام . ويشرح أن هذا الخليط الواضح في موسيقاه مردّه أنني ابن رأس بيروت، ذلك المكان الفريد من نوعه لاحتوائه تنوّعا فكريا وثقافيا وطائفيا. وكل شخص في بيروت متأثر في ثقافات عدة . ويوضح عبد الباقي أن روح موسيقاه متأثرة بالهوية اللبنانية المنفتحة على كل الثقافات وغير المحدّدة والمتحرّكة. ويُضيف: أنا لست غربياً ولا شرقياً. فهويتي هجينة تتكوّن من كل الثقافات التي أثّرت بنا كلبنانيين.

لا يفكرّ عبد الباقي عندما يكتب نوتاته، بدمج أنواع موسيقية عدة في مقطوعة واحدة عن سابق إصرار وتصميم. أعمل كأي رسام بين يديه ألوان عدة. فالموسيقى هي لغتي الملوّنة والمتنوعة. ويُضيف: ليس الهدف من وراء أعمالي أن أصبح نجماً. فالموسيقى تعبير صادق عني، وأعزف وألحن وأغني ما أريد التعبير عنه. الموسيقى لغتي التي أعبر فيها عن الأفكار والأحاسيس والمواقف. أما عن أدائه الذي يأتي ضمن هذه الخلطة الغريبة والمميزة، فيؤكد: صوتي مرآة لشخصيتي. لا أطرح نفسي كمغنٍ لأتبع الأساليب الموسيقية الكلاسيكية. وجدت لصوتي أسلوب أداء خاص بي. لا أصطنع شيئاً لا يُشبهني. أجرّب أنماطا عدة في الاستوديو لأصل الى الصوت الذي يشُبهني.

ولكن ما قصة البلاغات التي أصدرها على دفعات ثلاث خلال خمس سنوات؟ شعرت في حاجة الى التعبير. وبما أنني موسيقي، قررت التعبير عن نفسي وعما يجول في خاطري بمقطوعات كتبتها. فبدأت التجربة مع أسطوانة البلاغ رقم 1 (4002) التي عنونتها كذلك لتجسد تجربتي الأولى في مرحلة أرى أنها كانت مرحلة التعلّم على قول الأشياء وتنفيذها.

ويضيف: ثم قرّرت استكمال التجربة على الخط نفسه، في أسطوانة البلاغ رقم 2 (7002) التي كانت مرحلة بداية لتبلور مشروعي الموسيقي أو مرحلة التقليع، ثم وصلنا الى نضوج المشروع أو التجربة في أسطوانة البلاغ الأخير التي أرى أن موسقتي توضّحت فيها وصار علمي تسلية وغناء أكثر منه بناء وتركيب لأسلوب ما.وتتألف الأسطوانة من 21 عملا بين أغنيات ومقطوعات موسيقية خالصة. كتب كلمات واحدة منها الموسيقي زياد سحاب، والأخريات من نتاج الشعراء الذين ذكرناهم سابقاً أحمد شوقي وطاغور، إضافة الى أغنيات من كلمات عبد الباقي نفسه، وكلها تحمل توقيعه لحناً وتوزيعاً. وتشارك في تنفيذ «البلاغ الأخير» مجموعة موسيقيّين أساسيين وضيوف، أبرزهم إضافةً إلى عبد الباقي (غيتار وغناء)، فؤاد عفرا (درامز)، طارق يمني (كيبورد)، جون مدني (باص)، رائد الخازن (غيتار)، خالد ياسين (إيقاعات)، إيلي خوري (بزق)، توم هورنيغ (ساكسوفون وفلوت)، توم يونغ (ترومبون)، أنطوان خليفة (كمان) .

ولا يعد عبد الباقي بأسطوانات شبيهة أو مختلفة، فلا أحد يتنبّأ بما سيكتب وسيُحلّن. لكنه مستمر في مقاومة الثقافة الموسيقية الاستهلاكية السائدة القائمة على طغيان النغمة الواحدة والرقصة الواحدة.

الأغنية العربية انقرضت

كثر الحديث في السنوات السابقة عن غياب الجملة الكلامية في الأغنية العربية، حتى الجيدة منها. لكن عبد الباقي يرى أنه لم يعد هناك شيء اسمه أغنية عربية في العشرين سنة الماضي. وإذا وجدت فيكون وضعها مذريا. لكن لا يخلو الأمر من استثناءات وأعمال جيدة ولو أنها قليلة. ولكن هذه القلة القليلة لا تأخذ حقها وليس لها دور. فالاستعراض والفن الاستهلاكي هو الطاغي على كل شيء. وينتقد عبد الباقي الكلمات السائدة، كونها تكتب بطريقة موزونة سخيفة، وغالبيتها كلاسيكية لا يوجد فيها أي نوع من التجديد أو المخاطرة، وتفتقد الى مواضيع حياتية مبتكرة. فالوزن هو الكلام.

Forward music مستمرة

على رغم أن إنتاج موسيقى بديلة ومحاربة السائد ليس بالعمل المربح، إلا أن شركة فورويرد ميوزك التي أسسها عبد الباقي عام 1002 لتكون مرآة للجو الموسيقي في حقبة معيّنة في بيروت، بعيداً من طغيان النمط الواحد، لاتزال مستمرة في النضال! فمنذ العام 4002 حتى اليوم أصدرت الشركة أكثر من 52 ألبوما موسيقيا بين الشرقي والغربي، منتشرة في مختلف البلاد العربية والأوروبية وبعض الولايات الأميركية. وها هي اليوم تشتري حقوق النشر من شركة أقفلت وكانت تعمل على المنوال نفسه، وهو دليل على نجاح هذه المغامرة التي يعتبرها عبد الباقي نمط حياة مثير، والمهم أن يستمر. اما جديد فورويرد ميوزك فخوضها تجربة الانتاج الموسيقي في الـهيب هوب والـراب والموسيقيى الإلكترو- بوب. وهنا يؤكد عبدالباقي أن الحصول على مواد فنية جديدة وإثراء قائمة الشركة يشكلان خطوة أولى في مشروع أكبر يعمل فريق متخصص على بلورته وتنفيذه. ويضيف: نحن الآن في خضم تأسيس قاعة مخصّصة للحفلات الموسيقية (concert hall) لتستوعب هؤلاء الفنانين وغيرهم الذين يعملون على موسيقى ذات قيمة فنية عالية ومختلفة عن السائد. وأفاد بأن هذه القاعة التي تبنى في شارع الحمرا لتكون فضاء مفتوحاً لهؤلاء الفنانين وللمستمعين، ستفتتح في أواسط العام 2011 .

بيروت- ياسمينة خازم