تعتبر لجان التحكيم في المهرجانات السينمائية (عين) تشاهد وتحلل وتقيم الأفلام، من خلال معايير وأسس خالية من أي شبهة أو مجاملة، وتمنح الجوائز لفروع مختلفة أهمها (الإخراج، التمثيل، السيناريو) والتي تدفع إلى المنافسة في الإبداع، ما يزيد من ثراء الساحة السينمائية بأعمال متميزة، تصنع للمهرجان قيمته وتعلي من شأن الفن السابع (صناعة وفنا وانجازا).

والمهرجانات السينمائية من خلال مسابقاتها وعروضها للأفلام في برامج تحت عناوين تناسب توجه كل دورة من فعالياتها، تساعد على إيجاد حلقة وصل وتواصل بين أصحاب العمل الفني والجمهور تستمر لأيام عدة، وتختتم بحفل يتم فيه توزيع الجوائز على أصحاب أفضل الأعمال المشاركة، وتبرر فيه لجان التحكيم (أحيانا) سبب فوز هذه الأعمال، وما الذي دفعها لإعطاء أفلام دون أخرى جائزتها الخاصة.

الأمر قد يبدو سهلا، لكن المعضلة تكمن في عدد الأفلام ومدة المهرجان التي تجعل أعضاء لجان التحكيم في كثير من الظروف يشاهدون ثلاثة أعمال في اليوم الواحد، بخلاف المناقشات التي تستمر لساعات كي تحسم الأسماء الفائزة في وقت صعب، يزيد من صعوبته ردود أفعال من لا يفوزون، لتبدأ رحلة التشكيك في النتيجة، وتتعقد المسألة أكثر عندما توضع علامات استفهام حول الأعضاء المشاركين في لجان التحكيم.

هذا طبعا لا يحدث في مهرجانات (كان وبرلين وتورنتو وحتى الأوسكار)، لكننا نرصد ما يحصل عندنا وفي مهرجاناتنا العربية، التي أصبحت مجالا خصبا للقيل والقال وأحاط بعضها المجاملات والمشاكل لانسحاب عدد من أعضاء لجان تحكيمها قبل إعلان النتيجة أو رفضهم لها بعد إعلانها (مثلما حدث في مهرجان دمشق هذا العام مع نجدة أنزور وساندرا نشأت)، أو حتى قبل أن يشارك في الحدث (ودليل ذلك ما أقدمت عليه سلاف فواخرجي في الدورة الأخيرة لمهرجان قرطاج وخروجها بلا عودة من حفل الافتتاح لأنها لم تجد لزوجها مقعدا بجوارها، أو اعتذار المخرج هاني أبو أسعد عن رئاسة تحكيم الفعاليات الثانية لمهرجان الدوحة تربيكا في اللحظات الأخيرة وإحلال الفنانة يسرا مكانه).

وعكس ما يحدث في البلدان المتقدمة والمهرجانات ذات السمعة الطيبة، لا تخضع بعض مهرجانات السينما في منطقتنا العربية للوائح تنظيمية وتحكمها العشوائية في اختيار لجان التحكيم، التي أصبح نادرا أن نشاهد فيها تنوعا وتركز فقط على عدد من المخرجين وكثير من نجوم السينما (بعضهم لا يرتقي رصيده الفني إلى درجة محكم)، وتفتقد إلى أصحاب الخبرة (المصور السينمائي والمونتير ومهندس الديكور والإضاءة ومبدع الموسيقى التصويرية ومؤثرات الصوت والصورة)، ويغيب عنها دائما نقاد السينما وكتاب السيناريو.

وبخلاف تكرار الوجوه والأسماء نفسها من مهرجان لآخر، تبقى معايير اختيار أعضاء لجان التحكيم في مهرجاناتنا السينمائية غير واضحة وتحتاج إلى لوائح وآلية تتيح ظهور عناصر تملك من التجربة والخبرة ما يفرز الصالح من الطالح.

وفي السطور التالية، يرصد (الحواس الخمس) هذه الظاهرة التي أصبحت تشكل «نارا من مستصغر الشرر» من خلال آراء مختلفة لعدد من أعضاء لجان تحكيم مهرجان القاهرة السينمائي في دورته 43، إلى جانب نقاد السينما وبعض المتخصصين والفنانين في تجاربهم مع المهرجانات السينمائية، ونسلط الضوء أيضا على سابقة نوعية لمهرجان الإعلام العربي في تحكيم الأعمال المشاركة في مسابقاته عن طريق الكمبيوتر وشبكة الإنترنت.

القاهرة ـــــ أسامة عسل