عمرها القصير الذي لا يتجاوز عامين لا يقارن بحجم النجاح والصدى الجماهيري وتعلق الناس بها.. فرقة «بساطة» التي اختارت الطريق الصعب، السهل الممتنع تقدم كلمات رشيقة تمس أوجاع القطاع العريض من الجمهور.. هذه الكلمات تظنها من فرط سلاستها عادية.. ولكن ما أسهل أن تدرك أن تلك الجمل اللحنية لم تصافح أذنك من قبل، وأن هناك شيئا ما في هذه الفرقة تريد أن تزرعه في قلوب مستمعيها، وهي ناجحة في تلك المهمة في كل حفل تحييه في أماكن ثقافية شهيرة مثل ساقية الصاوي، الأزهر بارك، ساحة الهراوي، كما عبرت «بساطة» الحدود لتشارك في مهرجانات عالمية للفلكلور.
«الحواس الخمس» زار أحد عروض فرقة «بساطة» ورصد أحلامها ونجاحاتها، كيف تكونت وكيف يسير العمل بين أعضائها حتى تخرج الأغنية للناس.
كلمات دافئة
تكونت «بساطة» في أواخر 8002 عن طريق الصدفة، فعندما كان الفنان التشكيلي وعازف العود نبيل لحود يغني مع صديقه عازف الجيتار إيهاب عبد الواحد في إحدى قرى مدينة نويبع، جنوب سيناء، التف حولهما الناس، مطالبين بتكوين فرقة غنائية جديدة وبالفعل، لم يكذب الاثنان الخبر وأعلنا ميلاد فرقة «بساطة» لتنضم للفرقة ابنة نبيل لحود الطالبة بالمعهد العالي للموسيقى قسم أصوات وإيهاب سمير عازف تشيللو ومغن وأخوه أمير سمير عازف الكمان والذي تولى توزيع الألحان فيما بعد ومعهم مايكل فؤاد عازف القانون ورائد سيكا وهاني سيكا للإيقاعات.
وهكذا خرجت «بساطة» إلى العالم مع شعراء أمدوها بوهج الكلمات الدافئة التي مهدت طريق الفرقة لتأخذ مكانا عزيزا في قلوب الناس خلال فترة قصيرة، واتخذت «بساطة» لنفسها شعارين منذ البداية ورفعت لواءهما، هما: «مزيكا وغنا من هنا وهنغني للحب ولحاجات ثانية» وراح الفريق يلتزم بالشعارين ويحولهما إلى قيمتين هما الانتماء والاختلاف.. الانتماء لهذا الوطن ترابه وتاريخه ولغته ورموزه وثقافته الموسيقية والاختلاف عن السائد من أغان تجارية، أصابت الجمهور بالسقم والغثيان من الهجر والفراق إلى لغة التهديد والشتم.
شكل موسيقي
أما الشكل الموسيقي فقد شقت «بساطة» لنفسها طريقا فريدا وسط عشرات الفرق التي تعلي من شأن الآلات الغربية، فرغم الإغراق في حضن الآلات الشرقية من عود وقانون وإيقاعات إلى جانب الكمان الذي صبغ بالطعم الشرقي منذ سنوات طويلة نجد الجيتار الاسباني في يد إيهاب عبد الواحد يزيد من عنفوان وتدفق الألحان في توليفة عصرية، تنهل من أصول الموسيقى الشرقية ومقاماتها الغنية، وتطور من أساليبها وطرقها في عمل دؤوب بحثا عن جمل وصيغ وهرمونية تضيف أبعادا تزيد من ألق التجربة ودفئها.
بومبوناية
يقول إيهاب عبد الواحد: بعض أفراد الفريق يصل بهم الإجهاد في التمرين إلى حد البكاء، ونحن نلزم أنفسنا بقواعد صارمة، فالعازف الذي يأتي بعد موعد البروفة بربع ساعة، لا يسمح له بالمشاركة.. وأضاف: نحن نغني بهدف إرساء أو استعادة قيم مفقودة من مجتمعنا مثل احترام البنت في أغنية «بومبوناية» من ألحان إيهاب عبدالواحد وكلمات محمد سرحان، يقول فيها: «بومبوناية، كل الناس محتارة فيها، أوعى تغلط في الحكم عليها واضحة، مفيش حاجة تداريها إياك يوم تتسلى بيها»، ومن خلال هذه الأغنية نرفض النظرة الدونية للبنت ووضعها دوما محل شك وهي الأم والأخت والزوجة.
ويستطرد: منذ الرائد الموسيقار سيد درويش كانت هناك هذه الدعوة، عندما غنى «ده بأف مين اللي يألس على بنت مصر» وهذا يظهر مدى الردة والتخلف في وقتنا الحالي.
رباعيات الخيام
ويزيد إيهاب، قدمنا أخيرا أغنية من رباعيات الخيام التي لم تؤدها أم كلثوم من قبل وكان هدفنا اعادة هيبة اللغة العربية حتى وجدنا من يكتب «ألبي هداية» وهو يقصد «قلبي هدية» ووضعت لها لحنا معاصرا وسريعا وشيقا وضمنتها موالاً حتى تعود للأسماع طلاوة غناء القصائد لدى الشباب، كما أننا في «بساطة» نحترم رموز بلدنا ومن ساهموا في تشكيل وعينا ونحن صغار، فقدمنا أغنية لأشهر مذيعة أطفال، أبلة فضيلة، التي تربى على صوتها أجيال من أبناء هذا الوطن وشاركتنا بوجودها في إحدى حفلاتنا.
ويؤكد إيهاب أن النجاح الذي يراه الجميع الآن هو ثمرة التفاهم والإيمان بهدف نصبو إليه جميعا في الفرقة، دون أن ينظر كل عضو إلى شهرة خاصة أو غيرة فمثلا «ماريز» صاحبة صوت حلو وقوي وهي متمكنة من الغناء العربي ولكنها لا تفكر في ترك الفرقة، رغم أننا ما زلنا ندفع من جيوبنا من أجل استمرار وجودنا.
هموم المواطن
بينما تحدث نبيل لحود فأكد من أن أهم ما يميز «بساطة» أننا نتحدث عن المواطن وهمومه ونشتبك مع القضايا الملحة التي يعاني منها في حياته اليومية في الشارع والعمل، أحلام الشباب الراغبين في هجرة البلد ونحن في نفس الوقت نسعى للمستمع الذي يفكر فيما يسمعه ويحرك وجدانه ويثير خياله، فنحن لا نغني كلمات مرصوصة بلا معنى بل صور تحمل في طياتها رموزا وإسقاطات، ونرى في «بساطة» أنها دعوة للجدية بطريقة سلسة وبسيطة تصل لكل الناس، فنحن لا نخاطب فئة معينة أو جيلا أو أصحاب ثقافة معينة، نحن نغني لكل الناس ونفرح عندما نرى جمهورنا يمثل كل شرائح المجتمع.
ومع ذلك، يشدد لحود على أنهم لا يدللون الناس بل أحيانا يلجؤون إلى التوبيخ والنقد اللاذع؛ لإحياء قيم العمل والاجتهاد إلى الناس كما في أغنية «الأنتوخ» وفيها هجوم ضار على الإنسان الكسلان المستكين لقدره والذي فقد الرغبة في التغيير.
وهناك أغنية «المولد» التي صورناها بطريقة الفيديو كليب على نفقتنا الخاصة وعرضناها للجمهور الذي حضر حفلنا الأخير بساقية الصاوي، حيث اضطررنا إلى تقديم حفل إضافي بسبب نفاد التذاكر وتزاحم الجمهور، تقول الأغنية: «ركبت الصبح تاكسي، بكلم في نفسي إيه الناس دي كلها
ليه كل طلعة نهار
بجد مش هزار
بنشكي لبعض اللي أحنا فيه
مادام كثرت عيوبنا
وحالنا مش عاجبنا»
ويؤكد لحود أن الحفل الأخير مفرق طرق بالنسبة للفرقة وهذا النجاح يحملنا مسؤولية كبيرة تجاه هذا الجمهور الذي طوقنا بحبه وثقته، وكان حضور فنانين بحجم يسرا وتقديمها الحفل والمطرب القدير محمد الحلو وغنائه معنا في ختام الحفل «زوروني كل سنة مرة» وساما لنا من مطرب له تاريخ.
القاهرة ـــ دار الاعلام العربية
