رقصة التنورة واحدة من الرقصات الشعبية التي تلقى رواجا في المجتمع العربي، وبشكل خاص في حفلات الزفاف، حيث يلفت راقص التنورة الأنظار إليه بألوانه الزاهية ورقصاته التي يؤديها بحركات بالغة الصعوبة.
حكيم أول راقص تنورة في مصر، قادته المصادفة البحتة إلى التنورة، حينما وجد نفسه قاطنا في منطقة الدرب الأحمر بوسط القاهرة، وهي بطابعها مكان معروف باحتضانه العديد من الطقوس القديمة وأهمها الموالد والطرق الصوفية من جميع محافظات مصر. يقول حكيم: منذ أن ولدت وأنا في قلب هذه الأحداث وكنت أتأثر بها كثيرا وأحرص على حضورها متمعنا في سماع الأناشيد الدينية وحلقات الذكر الموجودة بجانب التركيز في الموسيقى المصاحبة لها، ومن هنا جاء حبي للموسيقى والذكر والأناشيد، فبدأت أتعلم العزف على جميع الإيقاعات الموجودة التي كانت تستخدم في الموالد لدرجة أن أصبحت ماهرا فيها وظللت أتنقل بين الموالد والحفلات والأفراح إلى أن عملت في فرقة أبو الغيط عام 4791 كعازف في الفرقة وكانت هذه هي وظيفتي في تلك الفترة.
لف التنورة
وحول بدايته مع التنورة، يستطرد: المصادفة لعبة دورا في ذلك، فذات مرة غاب راقص التنورة الموجود في الفرقة وكان ذلك عام 2891 فطلب مني مدير الفرقة أن أرقص تنورة «ألف تنورة»، وعلى الرغم من الخوف الذي تملكني كان لدى الشجاعة أن أقدم ذلك؛ لأنني كنت أركز كثيرا عند تقديم العرض وبالفعل قدمت الحفلة كعازف وراقص تنورة، وبعدها رشحت للعمل في فرقة رضا وأصبحت الراقص الأول للتنورة فيها، وأول راقص يدخل قطاع الفنون الشعبية التابع للفنون والثقافة وظللت أجود في عملى حتى أصبحت المدرب الأول للتنورة في فرقة رضا.
وحول المواصفات التي يجب أن يتحلى بها راقص التنورة، يقول: لابد أن يتميز بكاريزما القبول وأن يكون لافتا للأنظار لكي يمتع الجمهور في أقل وقت ممكن هذا بالإضافة إلى تمتعه بموهبة الاتزان أثناء لف التنورة، وهذه الصفة ليست موجودة عند كل الأشخاص، هذا بجانب المواصفات الأخرى التي يضيفها الراقص نفسه على رقصته وشكل تنورته وهذه المواصفات تعلمناها من ملوك اللف والدوران في هذه الرقصة الشعبية وهم من أبدعوا وعلموا هذه الأجيال أصول فن الرقص منهم الفنان بندق عويس، أنوس، عزام المصري، حسين منصور، وهاني أمين وهم أشهر راقصي تنورة في مصر ويحسب لهم أنهم حولوها من رقص صوفي إلى فن استعراضي له ألوانه وأذواقه.
رقص استعراضي
ويشير حكيم أن التنورة فن عرفه المصريون منذ العصر الفاطمي وكانت أكثر الأماكن المعروفة به قديما تكية الدراويش الموجودة بالقلعة، رفتا أن رقصة التنورة في بداياتها كانت أشبه بانتهاج ديني، وهناك أقاويل أنها تنتمي للطرق الصوفية ولكن بالإجماع لا تنتمي لهذه الطرق خصوصا في مصر؛ حيث أخذها المصريون من الجانب الاستعراضي وطوروا في شكلها وألوانها.
والتنورة في بداية ظهورها، كما يقول أشهر راقص لها، كانت عبارة عن تنورة بيضاء يرتدي صاحبها جلبابا أبيض ويرقص من نقطة ارتكاز بين الأرض والسماء رافعا يديه لأعلى بطريقة روحانية وكأنه يخاطب ربه عن طريق الرقص لكي يتواصل بينه وبين ربه، ولكن المصريين حولوها إلى رقص استعراضي بطرق مختلفة كثيرة على أنغام المزمار والدف والطبلة وغيرها.
وعن أسباب توجهه لصناعة التنورة وتطوير شكلها، قال: من فرط عشقي لهذه الرقصة الشعبية ظللت أفكر في تطويرها، وكانت البداية بصنع التنورة التي أرقص بها بنفسي ومع إعجاب زملائي بها طلبوا مني صناعة واحدة لهم ومن شخص لآخر تحول الموضوع من الهواية إلى الاحتراف وعندما كثر الطلب عليها فكرت في عمل ورشة متخصصة، حيث كنت أصممها بابتكار شديد وجودة عالية بحيث تجعل الراقص أثناء تأديته للعرض في حالة سعيدة، حيث تتحرك برشاقة في قالب شعبي جميل يجمع بين روعة الأداء وثراء الأزياء وسحر الإنشاد الذي يلفت أنظار الجميع سواء داخل مصر أو خارجها، وبذلك أصبحت أول من يصنع ويطور في شكل التنورة.
التنورة كصناعة
وعن فن التنورة كصناعة، يقول ملك اللف والدوران كما يطلقون عليه: طورت شكل التنورة التقليدي لتأخذ شكل الفانوس عند الرقص وبدأت أصنعها بعمل رسم هندسي له مساقط وأبعاد وزوايا؛ لكي تعطي الشكل المطلوب بتناسق واتزان وشكل هندسي رائع ثم أضفت لها الوشاح بأشكال وتطريزات هندسية، بالإضافة للدفوف مع الجلابية والشال والطاقية مع بعض الإكسسوارات وكل ذلك يسمى بـ«العدة» لراقص التنورة.
القطن هو الأساس في القماش المستخدم في صنع التنورة ولابد أن يكون طبقة رئيسية ويضاف إليه أقمشة أخرى مثل «الديسكو، اللامية، الستان، والفرنش ، الشيفون»، أما الرسومات فتكون من «الستان وخيوط السيرما» لكي تعطي الرونق واللون واللمعان المطلوب.
ألوان وأشكال
أما ألوان التنورة فكانت في البداية تنحاز للون الأبيض ثم دخل عليها الأسود باعتبارهما ملكا الألوان، لكن تم إضافة ألوان أخرى مثل الأخضر والأصفر والأحمر بالإضافة للرمادي والزيتي الداكن للتنورة الخاصة بالطرق الصوفية ويقول حكيم: كل هذه الألوان أضفناها للعرض الاستعراضي غير أننا صممنا لها أكثر من شكل فكانت ألوانها قوس قزح لكي تعطي ألوان الطيف بالدوران الثابت، ثم زودنا عليها عدة أشكال أخرى منها «العدة البلدي، الخيامية، الشغل المطرز، وغيرها من الأشكال الإسلامية والهندسية»، بالإضافة إلى ذلك هناك راقصون يطلبون رسمه معينة للتنورة بحيث تصمم لتعطى شكل أعلام البلاد عندما يلف راقص التنورة. وعلى الرغم من حرص أشهر راقص للتنورة في مصر على تعليم أولاده حتى التخرج من الجامعة، كان أكثر حرصا على أن يرث أبناؤه «مختار وهلال» هذه المهنة، لتصبح مهنتهم الوحيدة بعد أن قاموا بتطويرها، يقول الأب: أولادي يستخدمون الآن الرسوم الهندسية والماكينات وأساليب الطباعة الحديثة لتطوير المهنة وإدخال جميع عناصر التكنولوجيا عليها، لذلك لم تقتصر شهرة حكيم في صناعة التنورة على بلده مصر،بل تعدتها إلى دول عربية وعالمية أخرى، ففي عام 6002 طلبت منه قطر عمل 08تنورة في وقت وجيز جدا وتكرر الأمر مع أكثر من دولة أخرى، غير أن حكيم لم يكتف بذلك بل حصل من كوريا الشمالية على دبلومة في الأداء الفردي في رقص التنورة ودبلومة في التصميم.
القاهرة: دار الإعلام العربية
