التجريب في اللغة العربية من فعل جرب وهو الخروج بنتائج ما من خلال الدخول في مجاهل أمر غير معروف النتائج أو استخلاص شكل نهائي له، وفي النهاية قد تكون نتيجة هذا التجريب سلبية أو ايجابية ولهذا يمكن أن ينسحب هذا الكلام على المسرح مع مراقبة التصورات الناشئة عن استخدام التجريب في المسرح ، ولهذا نرى أن ثمة ملفات كثيرة فتحت على مائدة البحث والحوار في المسرح لها علاقة بمسرح الواقع ومسرح العبث وغيرها من المسارح الأخرى التي استطاع المبدعون في المسرح إيجاد تصورات لها ضمن هامش المسرح التجريبي ولكن إلى أي حد استطاع هذا المسرح إيجاد حلول فنية وفكرية ما للمسرح في العالم العربي، وإلى أي مدى استفاد العرب من حضور هذا المسرح بالتسمية الدقيقة له...؟
يؤكد الفنان القدير أسعد فضة أن هذا المسرح ازدهر في بداياته حينما تم معالجة الكثير من القضايا الفنية والفكرية من خلاله والتجريب ظل مفتوحا على كل المذاهب الفنية والاتجاهات بشكل عام وكان التجريب في المسرح والسينما والفن التشكيلي وغيرها من الفنون الأخرى ولكن عرف المسرح التجريب كتسمية مبكرا وربما إساءة استخدام هذه المفردة بشكل اتاح للجميع تقديم تصورات ركيكة أو مهزوزة لا علاقة لها بالفن المسرحي بشكل عام ، ولعل التجربة الاحترافية التي قدمها فضة مع سعد الله وفواز الساجر قد فتحت العيون مبكرا على هذا النوع الخاص من المسرح الحر الذي وصفه فضة بأنه كان حلا اسعافيا للخروج بالمسرح من القمقم الذي كان غارقا فيه وملمحا بأنه كان هناك ملامح تجريبية قبيل ولادة هذا المسمى التنظيري ولكن لم يكن على نطاق واسع، مشيدا بالجهود التي تحافظ على حضور هذا المسرح عبر بوابة القاهرة ومهرجانها السنوي.
بدوره لا يحبذ الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن أن يأخذ هذا النوع من المسرح أكثر من حجمه الطبيعي بل يجب ان يكون هناك فهما دقيقا له ، فالمسرح هو تجريب بكل حالاته ولا يوجد مبدع واحد يعمل في المسرح دون تجريب ودون الدخول في عمليات تجعل من عمله تجريبيا وجديدا ومبتكرا ولكن والحديث لعبد الرحمن هناك استسهال من قبل بعض الشباب أصحاب الخبرات المحدودة بأنهم يقدمون عملا تجريبيا فيعرضون لرؤى وتجارب لا علاقة لها بالمسرح تقوم على الغموض وعدم الفهم ، ناسفين الحكاية والإطار الذي بنوا من خلالها تجربتهم وهذا بحد رأيه ليس تجريبا بل تهديما.
ويرى المخرج السوري تامر العربيد من خلال التجارب المسرحية الكثيرة التي عمل عليها ومن خلالها كمخرج في المسرح السوري وعلى مدار عشرين عاما ان المسرح التجريبي هو مسرح قائم على فهم آلية التواصل مع المشاهد وجاء المسرح التجريبي ليغير نسبيا في معالم المسارح العربية ذات الصيغ التقليدية غير المتطورة أصلا.
وربما العروض التي قدمها العربيد حقق من خلالها ما يقال عنه مسرحا وتجريبيا مفتوحا على الآخر وعلى مفردات العرض المسرحي، ويؤكد العربيد أن المسرح الذي قدمه قد لا يرى فيه النقاد مسرحا تجريبيا ولكنه يراه تجريبيا خالصا بل مشغولا بعناية بحيث يستطيع المشاهد التواصل معه من منطق التجديد والتجريب في آن معا ويقترح العربيد أن يكون هناك توجهات لدى وزارات الثقافة العربية التعريف دائما بمعنى التجريب والتشجيع على الخوض في جوانب حياتية وواقعية من خلال المسرح ولعل المسرح هو وحده الأقدر دونا عن بقية الفنون في التعامل مع مفهوم التجريب وتحقيق حالة تواصل معه نظرا لعلاقته القوية والمباشرة مع كل الفنون السمعية والبصرية ، وألمح العربيد أن المسرح التونسي ربما استفاد من التجريب على خشبة فارغة بمساعدة تقنيات الإضاءة والتمثيل الراقي وفق محاكاة نبيلة للواقع.
وبالمقابل يرى الناقد البحريني يوسف الحمدان ان العرب قدمت نماذج مختلفة لمفهوم التجريب في المسرح، نافيا هذا المسمى عن بعضها وأحيانا عنها كلها، فالتجارب الفنية التجريبية لا تحتاج الى إنذار لتعلن عن نفسها ولعل التجريب أدخل المشاهد العربي في طلاسم جديدة في المسرح غير المعروف اوالمفهوم، والتجريب برأيه يطال النص والإخراج والأداء والسينوغرافيا ككتلة معمارية مهمة متكاملة في المسرح والمجرب ينبغي أن يكون قائدا للعلمية المسرحية وهو المخرج بالدرجة الأولى لأنه العين التي يستطيع من خلالها الدخول في منطق العمل الفني . ويؤكد حمدان أن هناك فهما مختلفا للتجريب بين مكان وآخر في العالم العربي، لافتا الى ان المسرح بجذوره الأولى ولد تجريبيا وأن كل عرض هو تجريبي شاء من شاء وأبى من أبى وهو لا يرى للتجريب المسرحي حضورا زاهيا في العالم العربي وذلك لاستخدامات غير موفقة ولقراءات متشعبة لهذا النوع من المسرح.
وأكد حمدان أن المسرح التجريبي كان له حضورا صاعقا في البداية ثم سرعان ما تلاشى هذا حينما فهم معناه وتجسدت أهدافه على الخشبة ليكون مسرحا عاديا فيه لمسات مختلفة على صعيد الشكل بالدرجة الأولى والمضمون ثانيا مؤكدات ان الدور الذي نهض به مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي لم يكن في معظم الأوقات بسوية المصطلح، بل ثمة دورات متأرجحة وقلقة في آن معا وان التجريب طال عدة مناهج حياتية ومسرحية ولكنه ظل متأرجحا مطالبا هذا المهرجان بتحديد هوية مباشرة له.
وفي ضوء ما عرضه بعض العاملين في المشهد المسرحي العربي لا يزال التجريب مجالا مفتوحا في المسرح ولا تزال الفرصة مواتية للخوض في أعمال جديدة وبقراءات فنية وفرية مفتوحة ولعل التجريب فعلا قد طال الجوانب الشكلية أكثر من الجوانب الفنية ولأجل هذا لم يتح له تحديد هوية فكرية له ذلك أن هناك مخرجين جدد دخلوا في مجال التجريب في حين ظل الكتاب أنفسهم يقومون بالفعل الإبداعي ذاته دون تغييرات تذكر.
مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي
مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي مهرجان سنوي تقيمه وزارة الثقافة في مصر منذ العام 2991 وبشكل سنوي في شهر سبتمبر ويرأسه الكاتب المسرحي الدكتور فوزي فهمي منذ تأسيسه تقريبا وتشارك فيه معظم الدول العربية بالإضافة إلى الدول الأجنبية ،وقد بلغت ذروة المشاركات فيه عام 0002 بمشاركة وصلت لخمس وستين دولة عالمية مشاركة في هذا اللقاء الذي يعتبر من أضخم اللقاءات المسرحية العربية.
