عندما تسأل وأنت قادم إلى مصر عن قلب القاهرة سيشيرون لك إلى ميدان «طلعت حرب» الذي يعد أجمل الميادين في مصر والمنطقة كلها، وعندما تقف وسط هذا الميدان العريق أمام تمثال «طلعت حرب» تبهرك البنايات العريقة وتستمتع بسحر عجيب وأنت تنظر إلى تلك المباني التي تقوم على طابع معماري متميز قال عنه خبراء الهندسة في كثير من المناسبات «إن هذه البنايات المتناسقة تقوم على مذاهب التصميم الأوروبية.
فهى مستقيمة تتقاطع من قلب الميدان الذي تشكله دائرة مثالية في التصميم»، حيث كان اهتمام الخديو إسماعيل بهذه المنطقة كبيرا؛ فجعل منها أجمل بقعة في وسط البلد بعد انتقاله من القلعة في وسط القاهرة الفاطمية ليحكم من قصر عابدين فأصبح وسط البلد وميدان طلعت حرب بصفة خاصة منطقة محببة للأجانب ورجال المال والاقتصاد، ومنذ ذلك الوقت ظلت المنطقة مركزاً للشركات والمحلات التجارية الحديثة والبنوك.
هذا الميدان الرائع ـ ميدان طلعت حرب ـ لم يتوقف جماله على الشكل فقط بل هو حلم كل زائر أو سائح لمصر أن يستأجر شقة له في هذا الميدان أو بالقرب منه للاستمتاع بتلك الإطلالة من شرفات البنايات الرائعة المطلة على الميدان والتي تجبر كل من يقف على إحداها الجلوس لساعات من التأمل ليستوعب هذا الجمال من كل جوانبه، وهذا ما جعل أجرة الشقة المطلة على الميدان ليوم واحد تصل إلى أكثر من 003 إلى 004 جنيه وبالنسبة للشقة القريبة من الميدان أو التي تقع في الشوارع المتفرعة أو الخلفية للميدان فتصل قيمة إيجارها من 002 إلى 052 جنيها في اليوم الواحد.
معالم بارزة
ومن أهم المعالم البارزة في ميدان طلعت حرب عمارة «جروبي» وهي عمارة تضم أعرق كافيتريا في مصر وهي «كافيتريا جروبي» التي تعد معلماً بارزاً وتاريخياً ومن بين جنباتها خرجت الثورات والتخطيط من المناضلين لمواجهة المستعمر الانجليزي، وهي في نفس الوقت لها تقاليد خاصة بها في تقديم خدماتها، حيث اشتهرت بتقديم الشاي والجاتوه عبر جرسونات يتجولون وسط الزبائن بملابسهم الكلاسيكية واللافت أن «كافيه جروبي» ظل موجوداً في أغلب أفلام الأبيض والأسود في السينما المصرية خلال الأربعينات والخمسينات وحتى الستينيات.
عمارة يعقوبيان
وعلى مقربة من الميدان، توجد عمارة يعقوبيان الشهيرة التي تم إنشاؤها عام 4391 عندما قام بتشييدها عميد العائلة الأرمنية «جاكوب يعقوبيان» وهي مميزة لأنها كانت تضم سكان من ديانات متعددة وعدد كبير من سكانها كانوا من الشخصيات الثرية وقد تم تجسيد هذه الشخصيات في أضخم إنتاج سينمائي في تاريخ مصر عن قصة الكاتب علاء الأسواني «عمارة يعقوبيان».
عمر أفندي
أما عمارة عمر أفندي التي تتوسط الميدان فهي عمارة مشهورة باعتبارها توجد في موقع مهم من الميدان وكذلك «عمارة صيدناوي» وأهم ما يميز هذه العمارة أن أغلب اللقاءات بين الناس الذين يتواعدون في ميدان طلعت حرب يلتقون إما أمام «عمارة صيدناوي» أو أمام «محلات جروبي» وأيضا هناك معلم مهم اشتهر به ميدان «طلعت حرب» هو «مكتبة مدبولي» التي تقع في قلب الميدان ويرتادها أعداد كبيرة من المصريين والعرب والأجانب بحثاً عن الكتب الحديثة خاصة أنها تمثل أهم دار نشر في مصر حالياً.
مقهى ريش
وفي ميدان طلعت حرب «مقهى ريش» الذي يعد من مقاهي المثقفين المصريين الكبار على رأسهم الكاتب والأديب نجيب محفوظ، وهناك عدد من دور الأحزاب مثل حزب الغد وحزب التجمع بالإضافة إلى «أتليه القاهرة» وكافيه «الجريون» الذي يجمع الفنانين والمثقفين والنادي اليوناني الذي يقع في الطابق الثاني في عمارة «جروبي»، بالإضافة إلى عدد من البنسيونات المصممة على طراز البنسيونات الأوروبية وأغلب مرتاديها من الأجانب وتتميز بأسعارها المعتدلة والعديد من هذه البنسيونات يديرها أجانب وهذا الواقع جعل هذا الميدان أكثر الميادين حضوراً على شاشة السينما والدراما المصرية على مدار تاريخها مستفيدة من وجود هذا الكم من المؤسسات والأماكن التي ترتبط بأحداث كثيرة تعيشها مصر.
طلعت حرب
طلعت باشا حرب هو مصري صميم ظل يحافظ على تقاليده الريفية برغم نضاله التاريخي من قلب العاصمة المصرية القاهرة.. فهو من محافظة الشرقية في مصر تخرج فى كلية الحقوق ويعتبر من أهم المفكرين المصريين في تلك المرحلة وعلامة بارزة في التاريخ المصري الحديث، تقلد مناصب كثيرة آخرها إدارة شركة كومومبو والشركة العقارية المصرية وعمل على تمصيرها ولم يتركها إلا وأغلب أسهمها في أيدي المصريين.
وكان طلعت حرب أحد أهم علماء الاقتصاد وكان أكثر اهتماما بالفقراء والضعفاء والمسحوقين أمام الوجود الأجنبي، وأول من نادى بتأسيس بنك للمصريين لم يكن ذلك من أجل حفظ أموالهم فقط بل ليكون مدخلا مهما لإدخال الصناعات المختلفة لمصر والحد من البطالة ونفذت الفكرة وتأسس البنك عام 0291 وخلال 81 عاما أصبح عدد فروع بنك مصر سبعة وثلاثين فرعاً واستطاع هذا البنك أن ينشئ أول مطبعة مصرية وشركة مصر للنقل البحري ومصر للنقل النهري ومصر للغزل والنسيج ومصر للملاحة البحرية ومصر للصباغة ومصر للمناجم والمحاجر ومصر لتصنيع الزيوت ومصر للمستحضرات الطبية ومصر للأغذية والألبان وأستوديو مصر ومصر للطيران وغيرها من المؤسسات، حيث كافح البنك السياسات الاستعمارية وقتها عندما كان الإنجليز يعملون على الاستيلاء على أراضي الفلاحين بعد الحجز عليهم وعملوا على حل مشاكلهم كل ذلك تم في وقت لم يزد على العشرين عاما من تأسيس البنك ورفض وقتها طلعت حرب أن يكون مديرا للبنك واكتفى بأن يكون العضو المنتدب ليتفرغ للتخطيط والعمل من أجل إنجاح هذا المشروع الوطني.
القاهرة - دار الإعلام العربية
