انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة فنية جديدة يطلق عليها أصحابها «عروض ستاند أب كوميدي»، وهي عروض مسرحية قصيرة تعتمد على الارتجال وقوة الملاحظة وسرعة البديهة، وتناقش مختلف القضايا بأسلوب فني مميز، والاطلاع على كل ما يحدث في العالم.
ويعد نمر أبو نصار أحد أبرز مقدمي عروض «ستاند أب كوميدي»، وهو لبناني الجنسية، جاب بعروضه العالم، كما بدأ أخيراً بتقديم عروضه في الشرق الأوسط، حيث شهدت عمان محطة انطلاقته الأولى، واختار دبي لتكون محطته الثانية ليجوب بعدها كلاً من أبوظبي والكويت ومسقط والمنامة والقاهرة. «الحواس الخمس» التقاه بدبي أثناء وجوده بالفيرجين ميغا ستور، ليحدثنا عن تجربته في دبي، وأسباب اختياره هذه النوعية من الكوميديا في السطور التالية.
بعد نجاح العرض الكوميدي الذي قدمه أبو نصار في عمان، والجماهيرية الكبيرة التي حصل عليها، جاء لدبي ليقدم عرضه المسرحي، الذي تميز من خلاله بمرونة في التعبير الحركي، والتلوين في الأداء الصوتي في التنقل من شخصية إلى أخرى، أثبت أبو نصار أنه يحمل كاريزما خاصة في لعب الكوميديا، والتمتع بقدرات رفيعة في الأداء الحركي. يفضل أبو نصار أن يناقش من خلال عروضه الموضوعات الاجتماعية، ويبتعد عن السياسة والدين والألفاظ البذيئة. وعند سؤاله عن مستوى الكوميديا العربية حاليا يقول: فقدت الكوميديا براءتها وعفويتها ودخلت في إطار الضحك على المشاهدين بدلا من إضحاكهم، وكل ذلك لأهداف مالية. مضيفا أن الكوميديا العربية في حال يرثى لها اليوم، ومساوئها أكثر بكثير من فوائدها، مشيرا إلى أن هذا الانهيار يقف وراءه مجموعة من القائمين عليها؛ بدءا بكتاب النصوص الذين لا يعرف احد من أين جاءتهم موهبة الكتابة، حيث صارت الكتابة للكوميديا مهنة الذين لا عمل لديهم، وصولا إلى المخرجين الذين يكررون مشاهد فاشلة دون اكتراث وانتهاء بالكثير من الفضائيات العربية التي لا يوجد هم لديها إلا الربح والاستمرار بالبث طوال اليوم، والضحية الوحيدة في كل هذا هو المشاهد الذي يضع ثقته في الفن ووظيفته الاجتماعية؛ فيجد نفسه بين فكي وحش متعدد الأطراف، حتى القنوات الكوميدية غالبيتها لا ترتقي بالمستوى المطلوب، إلا أن بعض الفنانين المصريين لا يزال لديهم الحس الكوميدي والقدرة على إضحاك الناس دون ابتذال.
غسل الهموم
يرى أبو نصار أن الضحك أسهل طريق للوصول إلى قلوب الناس، لأنهم في حاجة إلى غسل هموم حياتهم ومشكلاتهم اليومية، وقد شعر أبو نصار بأهمية «ستاند أب كوميدي» بعد الحرب على لبنان عام 6002 وما ترتب عليها من حزن دفين بقلوب الشعب اللبناني والعربي، وقتها قال لنفسه لماذا لا أبعد الناس عن السياسة، وأحاول أن أرسم البسمة على شفاههم من جديد. يقول الفلاسفة «الضحك أخطر رسالة إعلامية»؛ فهو يسهم في مقاومة الأوبئة السلوكية من الأجهزة الدفاعية التربوية والدينية للجيل والجمهور من العوام، ويفتح العقول للقبول والسلوك للتغيير؛ فالكوميديا تضع الخطأ والنشاز تحت عدستها المكبرة لكي تكشف للآخرين تلك العيوب.
وتحدث ابو نصار عن الحدود التي يضعها لنفسه قبل عرضه للجمهور، فالعرض يعتمد على نوعية الجمهور وثقافته وعاداته وتقاليده، حيث إنه حرص على القدوم لدبي قبل الحفل بثلاث أسابيع ليتعرف إلى طبيعة الناس ويقترب من تفكيرهم، ليختار نوعية الموضوعات التي سيقدمها أمامهم على المسرح. فكل عرض يقدمه يختلف من دولة لأخرى، لأن ما يضحك الجمهور في دولة ما، قد لا يضحك الجمهور في دولة أخرى.
وتحدث نمر عن كيفية ارتجاله للموضوعات التي يتطرق لها في عروضه الكوميدية، يقول: العروض تناقش في صيغة كوميدية محببة الكثير من الأمور الحياتية بعيدا عن جمود النصوص الدرامية؛ حيث إنه على المسرح يدير حوارا مع جمهوره، ويرتجل الكثير وفقا لطبيعة الجمهور وتجاوبه وتعليقاته على المواقف التي يتناولها. وأشار أبو نصار إلى أن الخدعة التي تنجح في جذب الجمهور للعرض وتشدهم إليه هي في الاتصال والتواصل معهم، وتقديم ما يحبذون وما لا يتوقعونه.
الفن الأصيل
وعن الاختلاف بين الجمهور العربي والأجنبي يقول أبو نصار: هناك اختلاف كبير، فقد عشت فترة طويلة في أميركا، وعرضت الكثير من العروض هناك، ولاحظت أن فكرة «ستاند أب كوميدي» جديدة على المجتمع العربي، إضافة إلى أن الجمهور هنا يفضل الغناء الذي تحول في السنوات الأخيرة لفن هابط، فالصوت الجميل لم يعد مقياسا لنجاح الفنان، والدليل على ذلك نجاح فنانات مثل هيفاء وهبي وغيرها، فالفن الأصيل في طريقه للانقراض، والمواهب الحقيقية لا نشاهدها على التلفاز، وإنما نقابلها مصادفة، وهم يقدمون فقرات غنائية وموسيقية في الفنادق أو نشاهدها على الإنترنت.
على الرغم من قناعة ورضا أبو نصار الكامل على مسيرته الفنية، إلا أنه يطمح في المشاركة في بطولة عمل مسرحي ضخم يوجه من خلاله رسائل هادفة للجمهور في إطار كوميدي، وأشار أبو نصار أنه بصدد التحضير لبرنامج جماهيري كبير سيتم عرضه على الإنترنت يقدم من خلاله «ستاند أب كوميدي»، إضافة إلى العديد من المواهب الحقيقة سواء في المجال الكوميدي أو الموسيقى أو الغنائي، ليتمكن المشاهد من التعرف إلى المواهب المدفونة التي ترتقي بذوقه.
دبي- عبادة إبراهيم
