الموسيقار محمد سلطان .. أحد فرسان كتيبة التجديد والتنويع في تاريخ الموسيقى العربية، صاغ بألحانه الشخصية الغنائية لأصوات في قامة وقيمة أصالة ونادية مصطفى وهاني شاكر ومحمد الحلو ومن قبلهم الصوت الذي وصفه بأحلى الصفات في حواره مع « الحواس الخمس » صوت المطربة الراحلة فايزة أحمد التي ارتبطت معه بمشوار فني وعائلي ولاتزال صورها تطل على ضيوف الموسيقار محمد سلطان في المنزل الذي شهد ظهور أجمل الألحان الكلاسيكية والشعبية والقصائد والأغاني الطويلة وغيرها...في السطور التالية يتحدث سلطان عن مشواره مع الموسيقى ويكشف أسراره مع كبار المطربين العرب والسياسيين وغيرهم.. وهذا نص الحوار.
كيف جاءت البداية إلى عالم الاحتراف ؟
ربطتني علاقة قوية بالأستاذ محمد عبد الوهاب فمنذ بداياتي ومحاولاتي الأولى وهو يشجعني ويؤمن بموهبتي، وذات مرة كنت أعمل على تلحين أغنية تقول كلماتها «قلبي عليك ... روحي في أيديك» وأعجبه اللحن وكنا آنذاك بالإسكندرية وهي مدينتي التي نشأت بها، وفوجئت به يأخذني إلى مبنى الإذاعة هناك؛ لتسجيل الأغنية، فقلت له: ومن سيغني اللحن، فإذا به يقول: أنت أيضا ، ولم يكن أمامي سوى الانصياع للأستاذ فليس من المعقول أن أراجع على عبد الوهاب.
الموسيقار والرئيس
جمعتك أيضاً صلة متينة مع الرئيس الراحل أنور السادات ، كيف حدث ذلك ؟
بعد نصر أكتوبر 37 وفي عام 5791 تلقيت اتصالا هاتفياً من ديوان رئاسة الجمهورية وفهمت منه أن الرئيس السادات، ينتظر مقابلتي له في استراحته بالقناطر الخيرية..وعلى غير المتوقع وجدته يحفظ الكثير من ألحاني «وأخذ يدندن» بعضاً منها وأنا أصاحبه بالعزف على العود ثم قال لي: إنني أحترم كفاحك في مجال الفن مثلما كافحت أنا في العمل السياسي، فأنت بصوت فايزة أحمد، حققت نجاحا وانتشارا كبيرا في سوق الغناء أمام أساطير التلحين والغناء الذين يسيطرون على الساحة ...
ثم طلب مني السادات، عمل أوبريت يليق بعظمة انتصار أكتوبر وبالفعل قمت بتلحين أوبريت «مصر بلدنا » للشاعر حسين السيد وغناء فايزة أحمد مع هاني شاكر ومحمد ثروت ومحمود شكوكو واستعنت فيه بكورال ضخم وأركسترا كامل وحضره السادات، وصارت بيننا صداقة، فقد كان محباً للفن ويقدر أهله.
وماذا عن المناوشات التي كانت بينك وبين الموسيقار بليغ حمدي ؟
لا يمكن لأحد أن يشوه الصورة الجميلة لهذا العصر الذهبي، كان هناك تنافس وغيرة شديدة، كل واحد يريد أن يكون رقم 1 ولذلك ظهرت كل هذه الألحان الرائعة، وكان ذلك في صالح الموسيقى والجمهور الذي كان يستمتع بكل هذا الإبداع والتنوع والبحث الدءوب عن الجديد والمميز، وكل ما حدث مع بليغ أنه كان منفعلا بعض الشيء من أثر السهر وظل يردد أنه هو المجدد الوحيد في الموسيقى العربية وبعدها هدأت الأمور وكنا نتقابل بشكل عادي.
وعلى المستوى الشخصي، كانت تربطني علاقات صداقة مع كل الزملاء من بليغ والموجي والطويل وطبعاً عبد الوهاب وأيضاً فريد الأطرش وهو قامة كبيرة وبصمة في التلحين والغناء. ومن الشعراء محمد حمزة ومرسي جميل عزيز وفتحي قورة وسمير الطائر وعبد الوهاب محمد وعبد الرحمن الأبنودي، وأصوات مثل وردة ونجاة وسعاد محمد وشادية، وكان هناك وهج وبريق وصدق في هذا الزمن وكلها أشياء نفتقدها الآن بشدة.
وهل كان التمثيل شيئاً ثانوياً في حياتك ؟
بل لم يكن في بالي أصلاً، فأنا أعزف عودا من سن الثامنة وحياتي واهتمامي بالموسيقى ولكن الله يسبب الأسباب وله حكمة من ذلك، فقد كان لدخولي مجال السينما الفضل في معرفتي بفنانين كثيرين منهم فريد الأطرش وفايزة أحمد ..
ولكنك عملت في أكثر من 31 فيلماً ؟
هذا صحيح، ولكن معظمها بطولات جماعية، والذي اكتشفني للسينما هو المخرج يوسف شاهين بعد أن شاهدني في إحدى سباقات الخيل ورشحني لدور الأمير إسماعيل في فيلم الناصر «صلاح الدين» عام 3591، وفي نفس العام عملت فيلم عائلة «زيزي» مع سعاد حسني وأحمد رمزي وتوالت الأفلام مثل «دنيا البنات» ومن غير ميعاد وغيرها.
شخصية فايزة
وكيف كان لقاؤك مع فايزة أحمد ؟
كأننا كنا نسعى إلى بعضنا، هي تبحث عن ملحن تأتمنه على صوتها ويصنع لها شخصية غنائية تميزها عن باقي المطربات وكنت ولاأزال أرى في صوتها مميزات هامة، فلديها إحساس واضح وآسر بالمعاني ورقي وشياكة في الأداء وخامة صوتها نادرة الوجود، فيها ذكاء خارق، وصوت سليم وقوي ومهما قلت، لا أستطيع أن أعطيها حقها، ومع ذلك لم أحاول في ألحاني استعراض قدراتها الصوتية؛ لأن ذلك يأتي على حساب التعبير وبالتالي قبول الجمهور للأغنية في النهاية.
وماذا كانت أولى خطوات التعاون بينكما ؟
كانت فايزة في تلك الفترة تقدم أغاني عن الأب والأم والأخ مثل «بيت العز» و«يا حبيبي يا خويا» و«ست الحبايب» فحاولت أخرجها من هذا الإطار حتى لا تسجن نفسها فيه، وقدمنا مع بعض كل ألوان الغناء العربي من الموشحات إلى أغاني الفورم إلى الكلاسيكيات إلى الشعبي والأغاني القصيرة، فمثلاً كانت الأغاني ذات الطابع الشعبي رائجة في فترة الستينات والجميع يتسابق في تقديم هذا اللون حتى عبد الحليم خرج عن رومانسيته وغنى أدهم الشرقاوي «وعلى حسب وداد قلبي» وعندما غنت فايزة « أخذ حبيبي » انتزعت أعجاب الناس أو كسرت الدنيا، كما يقال الآن ولكن لم نتوقف عند ذلك وكأنها صدفة، فقدمنا «مال عليه مال» و«قاعد معايا».
مكتشف النجوم
هل أخذ التلحين لفايزة أحمد من التعاون مع آخرين ؟
ممكن أن يكون هذا الكلام صحيحاً إلى حد كبير ولكني قدمت ألحانا كثيرة لصباح وسعاد محمد منها الأغنية الشهيرة فيلاأوعدكلالا كما قدمت أصوات تملأ الساحة الآن، فمثلاً هاني شاكر حقق أولى خطوات نجاحه بأغاني «يا ريتك معايا» و«حكاية كل عاشق» و«سيبوني أحب» وأيضا أصالة بأغاني « سامحتك كثير ، ولا تصدق » وغيرها وعندما لحنت لنادية مصطفى أولى أغانيها « مسافات » سماها الناس « نادية مسافات » لأن الأغنية نجحت بشكل غير عادي .
ماذا تقول عن قضية بيع التراث الغنائي المصري ؟
إنه أمر محزن للغاية أن يتم تفريغ التلفزيون المصري من معظم الأعمال الراقية، هل هو إهمال أم سرقة، وهل فقدناها للأبد؟ مهما يكن، لا أجد عذراً لتلك النفوس الضعيفة، التي تبيع تاريخ مصر .
لك أراء عنيفة بعض الشيء في الغناء الموجود حالياً .
لا أحب فتح النار على جيل بأكمله ولكن أرى أن الفن كله في منحنى خطير وليس الغناء وحده، السينما والمسرح، هناك تدن فيما يقدم وصارت عبارات مثل « لا وحياة أمك » وغيرها تقال مليئة بالإيحاءات الجنسية وغيره، هل يعتقدون أنها الواقعية مثلا؟!.
ما الأصوات التي يحزنك عدم التلحين لها ؟
لأول مرة أقول: إن أغنية «ودارت الأيام» لأم كلثوم كانت معي كلماتها وقطعت شوطاً في تلحينها، والقصة، عندما كانت أم كلثوم تتحدث مع فايزة في التليفون وبخفة دمها المعروفة قالت لها: زوجك لن يلحن لي شيئاً، وكنت أتمنى ذلك ولكن كبريائي يمنعني من طلب ذلك منها ولكن الحلم لم يتحقق لأن الأستاذ عبد الوهاب كلمني وأخبرني عن الموضوع وأن الكلمات عنده، فآثرت الانسحاب وانتهى الموضوع وحاولنا مرة أخرى ولكن لم يكن هناك حظ أن ألحن لأم كلثوم .
القاهرة - دار الاعلام العربية
