من النادر أن يتجرأ أي مصمم ويعترف بأن الأولوية الآن أصبحت للجانب التسويقي - التجاري، لكن أحوالهم وما يقدمونه تؤكد ما لا ينطقون به، وهو ان الجانب الفني لم يعد يغني من جوع وليس هو من يمنحهم «البريستيج» الذي نعموا به سابقا من خلال الأزياء. وأي مصمم شاب اليوم لا يدخل برجا محصنا إلا إذا أتى بحقيبة يد «تكسر» السوق.

عندما أعلن المخضرم إيف سان لوران تقاعده قائلا ان حال الموضة لم يعد يرضي بعد أن أصبحت تعتمد على الاكسسوارات والعطور لكي تبقى وتستمر، لخص ما آلت إليه هذه الصناعة، وما تعانيه بعد أن غلب عليها الجانب التجاري. وإذا كان إيف سان لوران من المدرسة المثالية التي تؤمن بالجانب الإبداعي اولا وأخيرا حتى لو استدعى الأمر الابتعاد والتقاعد، فإن غيره ليس بمثل حظه وإمكاناته، مما اضطرهم إلى دخول المدرسة الواقعية مقنعين أنفسهم بأن الأمر ليس «بيعا» للفن أو المبادئ، بدليل أن الفنان أندي وورهول، الذي يعتبر قدوة للعديد منهم قال يوما: «عندما تصبح التجارة أكثر أهمية من الفن، فإن الفنان اللبيب هو من يدخل عالم التجارة».

كما أن الفنان إيف كلاين الذي احتفلت به باريس بعرض أعماله في مركز بومبيدو، وعندما سئل مرة ماذا سيكون رده فيما لو عرض عليه العمل مع شركة جنرال موتورز، أجاب قائلا: «ولم لا؟..إنها وظيفة ممتازة». وإذا كان كل من وورهول وكلاين صريحين مع أنفسهما ومع الآخرين، فإن العديد من المصممين قد لا تكون لهم الجرأة الكافية للإفصاح عن هذه الحقيقة، لكنهم اضطروا إلى ركوب هذه الموجة بسبب الضغوط التي باتت تفرضها عليهم المجموعات التي تملك الدور التي يعملون بها بعد ان لسعتهم حرارة المنافسة من طرف بعض المحلات المترامية في شوارع الموضة مثل «زارا» و«مانغو» و«توب شوب» وغيرها.

هذا التوجه التجاري، الذي قد تتضايق منه المرأة المخملية التي تريد التميز بكل ثمن، رحبت به المرأة ذات الإمكانات الأقل لأنه معقول «تصميميا»، وهو ما ترجم في كل عواصم الموضة العالمية، نيويورك، لندن، ميلانو وباريس، التي كان القاسم المشترك بينها الأزياء التي تروق للمرأة، والتي لا تحتاج إلى تغييرات حتى تلبسها. حتى لندن التي كانت منبع الإبداع وعاصمة الجنون الفني، نجح الجانب التسويقي بترويضها ووضعها وجها لوجه امام الواقع.

بل ومن كان يتصور ان جون غاليانو، مصمم دار كريستيان ديور، يمكن ان يتخلى عن إخراجه المسرحي الفانتازي وجنونه لصالح ازياء جد واقعية، إلى حد البؤس، أما الحقيقة التي لا يمكن إنكارها فتكمن في الوسط، اي بين ما قاله إيف سان لوران، بأن الوقت الآن هو زمن العطور ومنتجات التجميل والاكسسوارات، خصوصا الحقائب والاحذية، التي كانت البطل الحقيقي هذا الموسم والموسمين القادمين، بما فيها عروض مصممين يرقون إلى مراتب فنانين مثل ري كواكوبو مؤسسة ماركة «كوم دي غارسون» وجون بول غوتييه، وألكسندر ماكوين والثنائي فكتور اند رولف، وبين رأي أندي وورهول الواقعي.

ومن جانب آخر، يعود الفضل لمصمم لوي فيتون، مارك جايكوبس، الذى يجهر بهذه الفلسفة في كل عرض يقيمه. فإليه يعود الفضل في إنعاش سوق الحقائب وهو أكثر من يتقن هذه اللعبة منذ ان التحق بدار لوي فيتون منذ عشر سنوات. حينها لم يكن يجرؤ أي مصمم على إرسال عارضاته اللواتي يحملن حقائب يد، على اساس ان الأزياء يجب ان تتكلم وألا يكون لها شريك ينافسها، لكنه سبح ضد التيار وقدم مع كل زي حقيبة مختلفة ليحقق نجاحا ساحقا وليقلب كل الموازين. منذ ذلك الحين لم تعد العطور ومستحضرات التجميل وحدها الدجاج الذي يبيض ذهبا، بل أيضا الحقائب.

فمحلات لوي فيتون في شارع الشانزيليزيه دائما مزدحمة بزبونات يحلمن بحمل حقيبة تحمل نقوشات الدار، بل لا تستغربي إن استوقفتك امرأة آسيوية، من الصين بالذات، وطلبت منك شراء حقيبة لها، تدفع ثمنها طبعا، لأنه غير مسموح لها بشراء اكثر من ثلاث حقائب فقط من المحل وهناك ختم على جواز سفرها يخبر انها استوفت العدد المخصص لها.

وحسب ما قاله سيرج برانشويغ من دار سيلين فإن «الموضة هي بيع حلم على شكل حقيبة يد» حتى وإن كان سعر هذا الحلم يوازي أو يتعدى سعر سيارة. فأنت لا يمكن ان تزوري محلا هذه الأيام، أو تفتحي مجلة من المجلات البراقة من دون أن تداهمك صور حقائب يد بأسعار خيالية، فقط لأنها تحمل توقيع دار معروفة أو مصنوعة من خامة نادرة. ورغم استغراب العديد منا، وقناعة البعض بأن هذه الأسعار جنونية وغير معقولة، إلا أننا نجد أنفسنا من دون شعور، نحلم بها وندخر لشراء واحدة منها حتى وإن كلفتنا راتب شهر أو أكثر.

والغريب انه كلما كان سعرها عاليا اشتعل حلم اقتنائها، وكلما زاد سخاء المصممين بها في الأسواق، بدءا من دار بالنسياغا، إلى لوي فيتون وديور ومالبوري وبيربيري مرورا بشانيل وكلوي وفندي وبرادا وهلم جرا. وطبعا لا يمكن عدم التطرق إلى دار هيرميس، التي كانت أول من بدأ حمى الاسعار الجنونية بحقيبة «بركين»، وأول من بدأ تقليد لائحة الانتظار الطويلة للحصول على واحدة منها.

فالذكاء هو ان ترفع السعر بشكل صاروخي وتقلص الكمية المنتجة، للحفاظ على تميزها وقيمتها المادية والجمالية في الوقت ذاته، حتى تظل لصيقة بالنجمات والطبقات المخملية. حجتهم في هذا انها تصنع باليد من الألف إلى الياء، وبالتالي لا يمكن ان تصنع بكميات كبيرة. لكن ما ينطبق على (بولغارى) لا ينطبق على كل الحقائب الغالية التي نراها في الأسواق، والتي يقتصر الجانب «البشري» فيها على إكمال التفاصيل، وتعتمد في المقابل على اسم الدار وعلى الآلية الدعائية في المجلات، أو على نجمات حتى يكون التأثير اقوى، مع العلم انهن يحصلن عليها ويستعرضنها أيضا مجانا.

خلاصة الأمر انه مهما محاولة البعض إنكار قوة تاثير الموضة، فإنها باتت تمس حياتنا بشكل أو بآخر، فإذا لم تكن من خلال عروض الأزياء، فمن خلال برامج التلفزيون او الانترنت وشوارع الموضة والدعايات وغيرها. ولو لم تكن لها هذه القوة والتأثير، لما رأينا كل بلد يقيم أسبوعا للموضة، إلى حد أنه أصبح من الصعب ملاحقة هذه الفعاليات العالمية التي ما إن تبدأ في الهند حتى نراها في باكستان، وما إن تنتهي في موسكو حتى تبدأ في اليابان أو في أوكرانيا وهكذا، و«ربما يكون البلد الوحيد الذي لم تصله عدوى اسبوع الموضة هو القطب الشمالي» حسب قول جولي غيلهارت، مديرة قسم الموضة ببارنيز بنيويورك، والسر كله يتلخص في حقيبة يد!.