«اختر شريك حياتك من صفوة المجتمع لدينا - أطباء - ضباط - مهندسون - رجال أعمال - آنسات ومطلقات وأرامل لديهن سكن الزوجية، يمكنك اختيار شريك من خلال خط مكتبنا للزواج وخط الخاطبة الجديد، اتصل من أي محمول على (.......)».

إعلان قد تقرأه هنا أو هناك في الصحف أو المواصلات عن مكاتب الزواج التي ظهرت في الفترة الأخيرة مستغلة اندفاع الشباب والفتيات للتعرف على شريكهما في الحياة، ولكن هل توفيق «رأسين في الحلال» حسب التعبير المصري الدارج هو كل أغراض هذه المكاتب، أم بعضها يتحول إلى ستار لتحقيق أعمال أخرى تحت ستار الزواج؛ إذن فماذا تفعل مكاتب الزواج في الخفاء... ؟، قصص يرويها شباب وشابات ممن تعرضوا للنصب والاحتيال من خلال هذه المكاتب.

جواهرجي النساء

تقول «ك.م 23 سنة» ذهبت إلى أحد هذه المكاتب رغبة في الزواج وتكوين أسرة بعدما بلغت الثلاثين من عمري.. وتستطرد: ذهبت في الموعد الذي تم تحديده سابقاً واستقبلتني السكرتيرة، ثم أدخلتني إلى المدير، فقابلني وكأنه يعرفني معرفة شخصية، بدأ الحديث بسؤاله عن حالتي الاجتماعية، وسألني هل تعرفت على أحد؟، فأجبته بنعم ولم يحدث نصيب.

وانطلق في الحديث عن نفسه ومؤهلاته الدراسية، وأنه يعد «دبلومة» في الأزهر عن أنواع الزواج، مؤكداً أنه ينادي بتعدد الزوجات وأنه تزوج مرتين الأولى عن حب وفشلت، وأنه الآن متزوج زواجاً تقليدياً عن طريق مكتبه وأنجب طفلاً ولكنه غير سعيد، ويبحث عن امرأة أخرى ليقضي معها أوقاتاً سعيدة؛ لأن «امرأة واحدة لا تكفي».

تضيف الفتاة: زاد قلقي، خصوصاً بعد أن وصف نفسه بفخر شديد أنه «جواهرجي نساء»، وسأل، وهو يقدم لي سيجارة أسئلة خاصة، فقلت له كنت أتوقع أن تسألني عن قدراتي في الطهي أو تديني أو متطلباتي في شريك الحياة.. لكنه ابتسم، وواصل أسئلته: هل أنت عقلية متفتحة أم مثل باقي النساء؟، فقلت له متفتحة في حدود المحافظة على كرامتي، فعرض عليّ الزواج من ثري عربي لمدة 51 يوماً دون معرفة أهلي مقابل إيداع مبلغ باسمي بالبنك، وسألته: وما هو المبلغ؟ فأجاب «حددي المبلغ الذي تريدينه».

تواصل: بدأ مدير المكتب بتشغيل موسيقى هادئة وطلبني للرقص، فقلت له أنا لا أجيد الرقص وما علاقة كل هذا بطلب الزواج وعمل هذا المكتب؟ فعاد بمجرى الحديث إلى موضوع الزواج مرة أخرى.. وقال إن لديه عروضاً من أشخاص غير مصريين لكن هؤلاء لديهم مطالب واحتياجات قد لا تقبلينها بالإضافة إلى عروض زواج «بارت تايم» يوم أو يومين في الأسبوع من أزواج أغنياء، وهذا الزواج مقابل مبالغ مالية جيدة. وأضافت: صدمت مما عرضه عليّ، وانصرفت قائلة إن الزواج ليس من أجل المتعة فقط ونحن لسنا حيوانات وخرجت مسرعة وأنا أحمد الله على خلاصي من بين يديه.

زوج مختل عقلياً

حكاية أخرى ترويها هذه المرة ج.ع 28 سنة، بدأت قصتها في بداية عام 2008 عندما تقدمت إلى أحد هذه المكاتب رغبة في الحصول على شريك الحياة المناسب، عندما عرض عليها صاحب المكتب الزواج من ثري عربي سيوفر لها كل الإمكانيات التي تتمناها، ونظراً إلى رغبتها الشديدة وافقت على الزواج من كهل سعودي الجنسية عمره أكثر من 50 سنة.

وتتحدث قائلة: وافقت بعد إلحاح من عائلتي على إتمام الزواج، لكن بشرط أن أكمل عملي بعد إتمام الزواج نظراً إلى انشغاله الدائم، ووعدني بالحصول على عمل هناك، واستطردت: بالفعل سافرت معه، وعقد الزواج هناك على يد مأذون شرعي، وظللت عاماً ونصف العام اكتشفت فيها أنه مختل عقلياً، فكان يقوم بضربي ويطلب مني أن أخرج على ضيوفه بملابس المنزل، والأدهى أن والدته تعاملني كخادمة، وإذا اعترضت على شيء تضربني كطفلة، ووصل الأمر إلى أنهما ادعوا أنني سارقة لمبلغ من المال وأبلغوا الشرطة، التي ساقتني إلى القسم بملابس البيت، وفي ذلك الوقت قررت الهروب والنزول إلى مصر، وتضيف: كذبت عليه وقلت له إني سأذهب في زيارة لأهلي في مصر وأعود ثانية، وصدقني؛ لأنني كنت حاملاً، لكنني لم أعد، ابنتي الآن عمرها عام ونصف، رفعت عليه دعوى طلاق ونفقة لابنتي، خاصة بعد أن تزوج بأخرى.

الرجال أيضاً يُخدعون

يقول م.ع 33 سنة: رغبت في الزواج فنصحني أحد أصدقائي بالتوجه إلى مكتب زواج يعرفه، وبالفعل ذهبت للمكتب وشرحت للمسؤولين عنه الصفات التي أبحث عنها في الزوجة التي أرغب الارتباط بها؛ لأفاجأ بأنهم يقومون بتزويج الراغبين على طريقة الزواج العرفي، وحين حاولت الاعتراض في البداية، معللاً اعتراضي بأنها طريقة غير شرعية، إلا أنهم اقنعوني بأن هذه الطريقة كان أجدادنا في السابق يتزوجون بها، حيث لم يكونوا يلتزمون بالأوراق الرسمية قبل توفر السجلات والمحاكم الشرعية وغيرها، وأخذت تمدح لي إحدى المتقدمات للمكتب للزواج، لافتة إلى أنها تتمتع بجميع الصفات التي أنشدها في شريكة الحياة.

ولرغبتي الملحة في الزواج قمت على الفور بدفع التكاليف المطلوبة للمكتب وللعروس والتي بلغت 01 آلاف جنيه، إلا أن العروس اختفت عقب أسبوع واحد من الزواج من دون أثر، ليتضح لي لاحقاً أنها عملية نصب.

مكاتب الزواج.. اتجار بالبشر

يعلق د. إمام حسنين أستاذ القانون الجنائي بمركز البحوث الاجتماعية والجنائية: ظهرت فكرة مكاتب الزواج كنظام لتسهيل إجراءات الزواج بين العروسين، ولكن الأمر اختلف في الآونة الأخيرة واختلفت أغراض هذه المكاتب وانتقلت من مجرد مكتب يسعى إلى تسهيل إجراءات الزواج إلى ستار لإضفاء الشرعية على علاقات غير مقبولة، بالإضافة إلى تحول بعضها إلى شبكات للاتجار بالبشر بسفر الفتيات إلى دول أخرى تحت بند الزواج، والعمل هناك في أعمال غير أخلاقية.

ويضيف: من خلال الأوهام التي يقدمها صاحب المكتب إلى الفتاة بتحقيق حلمها في دولة أخرى، تفاجأ بعد سفرها باستغلالها في أعمال إجرامية تحت الضغط والظروف الصعبة التي تمر بها خلال الإقامة هناك.

ويستطرد أستاذ القانون الجنائي أنه حتى في حالة إتمام هذا الزواج، فإنه يؤدي في بعض الحالات إلى إجحاف الحقوق لأحد الطرفين والذي غالباً ما يكون المرأة، حيث لا يقدم لها أي ضمانات للحفاظ على حقوقها في ظل شغفها الشديد بالحصول على الزوج المناسب.

ويشير إلى أن الانترنت ساعد في انتشار تلك المكاتب على نطاق واسع حتى أصبحت إعلانات البحث عن شريك الحياة من أساسيات هذه المواقع، موضحاً خطورتها وضرورة العمل على وقفها في أقرب فرصة ممكنة.

ويتعجب قائلاً: في الحقيقة لا أتخيل تلك الإعلانات التي تنتشر في الصحف ووسائل المواصلات، لافتاً إلى ضرورة مساهمة الإعلام في المساهمة في تلك الحملة ومنع نشر مثل هذا النوع من الإعلانات ومواجهتها؛ لأن الراغبين في المتعة الحرام يجدون في هذه المكاتب منافذ لتحقيقها.

ضوابط غير موجودة

بينما تقول د. عزة كريم أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية إن مشكلة مكاتب الزواج تتمثل في أنها تتعامل مع احتياج الشباب للزواج نظراً إلى الظروف الاقتصادية المخيفة التي تواجههم الآن والتي أحسنت تلك المكاتب للأسف استغلالها كوسيلة للتربح دون وضع معايير معينة لإتمام هذا الزواج. وأضافت انه يتم ملء استمارة تعرض بعدها مجموعة من الصور الشخصية على العريس أو العروس لكي تختار من تراه مناسباً لها ويُحدَّد موعد لإجراء مقابلة تعارف بينهما بِحد أقصى خمس مقابلات، وإذا رغبت في مزيد من المقابلات يُدفع مبلغ جديد، وحينما يحدث اتفاق بين الطرفين تناقش جميع الأمور المتعلقة بالزواج في منزل العروس وهنا ينتهي دور المكتب، موضحة أنه من الصعب إقامة أسرة وبناء مجتمع بناء على استمارة يملؤها كل طرف وسعرها يصل إلى مئات الجنيهات ليصبح الأمر «عملية تجارية».

القاهرة - دار الإعلام العربية