في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي لدورته الـ34 ، تم عرض فيلم «عام آخر ــــــــ ANOTHER YEAR» للمخرج مايك لي من إنتاج عام 2010 وبطولة جيم برودبينت، ليزلي مانفيل، روث شين وأوليفر مالتمان، ويعد تحفة سينمائية موضوعاً ورؤية وأداءً وصورة وحواراً وسيناريو، وذلك بشهادة كل من رآه من النقاد والسينمائيين في الدورة الأخيرة لمهرجان «كان»، كونه عملاً مفعماً بالمعاني الإنسانية والدعوة إلى التأمل.
وعلى الرغم من قلة عدد الحضور في صالة عرض المسرح الكبير بالأوبرا المصرية التي أقيم بها حفل الافتتاح، فلم يشاهده سوى 52 فرداً فقط لأن الجميع (سينمائيين وضيوف) فضلوا غذاء البطن (جالا العشاء بقصر محمد علي) على غذاء العقل والمشاعر للساحر والمفكر السينمائي مايك لي، وأقول مفكر لأنه يأخذ بيد المجتمع يغوص في فكر وأحاسيس إنسان اليوم يعيش معه لحظته، يخترقها، يتعمق في مشاعره حتى غير المعلنة للآخرين، يحلق بروحه حتى يواجه الواقع ويتمرد على ما يعكر مسيرة حياته البسيطة، وخلال 129 دقيقه ـــــــــ مدة الفيلم ــــــــ صنع من شخصيات العمل بانسيابية مذهلة وعجيبة بشر من لحم ودم نعايش تصرفاتها وردود أفعالها في ترقب لمصيرها.
ومن خلال أربعة فصول (الربيع والصيف والخريف والشتاء) تحاكي الفصول نفسها التي تمر بها حياة الإنسان، نرصد حكاية الزوج (توم) وزوجته (جيري) وجملة من الشخصيات التي تحيط بهم، والتفاصيل اليومية للحياة «العمل والموت والوحدة والعلاقات الإنسانية المتداخلة»، ولكنه توقف كثيراً عند موضوع الوحدة المخاض الأكبر في هذا العمل الممتع، الذي يدعونا أن ندخل إلى عوالمه منذ المشهد الأول وكأنه يقول لا تتحركوا من مقاعدكم فأنتم ترون أنفسكم، أنتم في الفيلم مشاهدون وممثلون ـــــ جزء منه ــــــ تأملوا الشخصيات لا يلتفت أحد إلى الذي يجلس بجواره فربما يكون أحد تلك الشخصيات أو ربما تكون أنت أحدهم.
في فيلم (عام آخر) نجد صورة الناس الطيبين متمثلة في زوجين يعيشان حياة زوجية سعيدة لا تخلو من مشكلات، الاثنان من منتصف العمر يعملان في وظائف ليست براقة ولكنها تكفي لتغطية حياة مستقرة والزوجان يحيطان أنفسهما بأصدقاء ومعارف أقل حظاً منهما ومع ذلك لا يعتدون بأنفسهم ولا يتصرفون بكياسة في بعض الأحيان.
يختار المخرج مايك لي لبطليه الرئيسيين اسم «توم» للزوج و«جيري» للزوجة، وعكس الشخصيات الكرتونية الشهيرة فهما ليسا دائماً في عراك ولكنهما أبداً لا ينفصلان ويخلص كل واحد منهما للآخر وإن كان في السر بعيداً عن العلانية، وتكثف الأحداث من خلالهما قيمة الحياة الزوجية والتلازم والإخلاص وإن تم علاج ذلك برصانة ورهافة شديدة من دون خطاب مباشر.
يعمل توم مهندساً جيولوجياً ويتلامس مع الناس في مؤسسات المجتمع، كما أنه يتواصل مع الأرض وطبقاتها التحتية وقد ساعده العمل على التجول والسفر حول العالم وتعمل الزوجة جيري مستشارة في مجال الصحة العامة ووظيفتها تجعلها على الدوام في مواجهة مع مشكلات الناس والنساء.
في بداية الفيلم تظهر جيري مع سيدة في منتصف العمر تعاني الاكتئاب تلعب دورها الممثلة اميلدا ستونستون، وهذه السيدة المكتئبة متزوجة من رجل سكير وتعيش على العقاقير ولا ترى فائدة في الحياة.
ثم يتمحور الفيلم بعد ذلك حول أصدقاء توم وجيري الذين يصلون إليهما حاملين مشكلاتهم معهم ويتعمق في أمورهم الحياتية، مثل شخصية ماري «ليزلي مانفيل» المرأة العاطفية التي تعيش وحيدة تضللها الخيالات وذلك بعد سلسلة من العلاقات الفاشلة وهي عادة ما تهبط علي منزل صديقتها لزيارتها، وأيضاً شخصية «كين» التي أداها «بيتر وايت» صديق الزوج السكير المدخن بشراهة، وهو بدين وأعزب ويعمل في وظيفة ليست طموحة وقد جاء لقضاء عطلة الأسبوع في فصل الصيف حتى يشارك أصدقاءه أوجاعه، وهو يجلس في الحديقة الخلفية يرتدي الـ«تي شيرت» ويشارك في عملية الشواء «الباربكيو» وشعاره في الحياة «قليل من التفكير كثير من الشرب».
ماري كذلك مدمنة كحول رغم إنكارها وترفض محاولات كين في التقرب منها رغم كونها ملائمة لشخصيته، وتحاول أن تدفع ابن توم وجيري واسمه جو إلى الاقتران بها مع أنه يصغرها بعشرين عاماً، وبهذه الشخصيات الواقعية غير الغريبة ولا الشاذة عن مجتمعها، تتحول بفضل الأداء التمثيلي الطبيعي غير المتكلف إلى شخصيات حية وطريفة ومؤثرة جداً في بعض المشاهد.
ويبدو الأمر في النهاية امتحاناً لصبر توم وجيري على أخطاء الأصدقاء، وهو امتحان غالباً ما ينجحان فيه، لكن جيري تفقد الصبر في لحظات نادرة وتوبخ ماري كاشفة لها حقيقة لا تقر بها الأخيرة، لاسيما بعدما يأتي الابن إلى البيت ومعه فتاة يقرر خطبتها والاقتران بها، ما يكاد يحطم آمال ماري التي كانت تمنت أن يكون الشاب من نصيبها.
فجأة يجتمع شمل الأسرة وتتلاقى موضوعات الفيلم في بؤرة تركيز تضم توم وجيري وابنهما جو وأخ الزوج الذي تموت زوجته ويهجره ابنه، إنهم يشكلون جزيرة تبعث على التفاؤل والرضا وسط العالم الحزين والمقموع لشخصيات كين وماري، والاثنان معزولان عن المحيط الأسري وهما يمثلان السكان النموذجيين للعالم الذي نعيش فيه، فهما من هؤلاء الذين تعايشوا وعانقوا الستينات من القرن الماضي وتشبعوا بروح ومزاج وتمرد هذه الفترة وقد صاروا الآن كباراً في السن ينتظرون تقلب فصول الحياة في «عام آخر».هذا الفيلم دهشنا كونه من دون حبكة أو حكاية مركزية، ومن دون نجوم أيضاً فهو حميمي شديد الخصوصية، ولا يفوته كذلك أن يكون جماهيرياً في الوقت نفسه، لكنه جماهيري على النمط الذي لا يتقنه سوى الانجليز، وهو أيضاً فيلم ذاتي بطريقة خفية مواربة، أي أنه يقول أشياء كثيرة لا يبدو عليه أنه يقولها، وهذا عادة دأب ذلك النوع من الأعمال التي تتمحور حول مناخ وشخصيات أكثر مما تتمحور حول مركزية موضوع معين.
القاهرة ــــــــــ أسامة عسل
