على الرغم من مسيرتها التي لا تتعدى عامين، الا أن فرقة «ذا دانس كومباني» السنغافورية للرقص التعبيري المعاصر تمكنت من أن تحجز لها مكانة مرموقة في المشهد الفني السنغافوري، وحظيت بدعم من الجهات الحكومية التي باتت تنظر إليها على أنها إحدى مرايا الثقافة السنغافورية في الخارج، فقدمت عروضات في فرنسا وبولندا، قبل أن تحط في الإمارات الشهر الماضي، وتقدم على خشبة «مسرح دبي الاجتماعي» ثلاثة عروضات لعملها «أصوات قديمة»، الذي يبحث في مأزق الهوية في سنغافورة وأسئلة الجيل عن الماضي والمستقبل.

مع مخرج العرض والكوريغراف سوي بون كويك، الذي عمل في إسبانيا لخمس سنوات، قبل أن يعود إلى وطنه ويؤسس فرقته الخاصة، كان هذا الحوار مع «الحواس الخمس».

تقول إن المحرك الرئيسي الذي جعلك تقوم بتصميم لوحات عرضك هذا «أصوات قديمة» هو مأزق اللغة. هذا موضوع غير تقليدي بالنسبة إلى المواضيع التي تلهم الراقصين في العادة؟

- أوافقك الرأي، لكن الموضوع يرتبط بمسائل ثقافية ومجتمعية. هناك جيل شاب اليوم في سنغافورة لا يتكلم إلا اللغة الإنجليزية، بينما هناك جيل بكامله يتكلم لغة الهاينان (لغة شائعة في سنغافورة صينية الأصول). هذا يؤدي إلى انقطاع للتواصل بين الأجيال. لذلك أجد أن الموضوع مهم.

ولكن ما هي الشرارة الأولى التي دفعتك إلى إشعال هذه الفكرة على المسرح؟

- ربما يكون الأمر شخصياً إلى حد ما. فحوار مع أمي، اتضح لي بعده أننا نجد صعوبة في التواصل بسبب مأزق اللغة، جعلني أفكر في الأمر. ثم طورت هذا العرض الذي ترد فيه كثير من الصور التي استرجعتها من ذاكرتي عن الطفولة والأيام الأولى والبيوت التقليدية التي هجرها اليوم أصحابها، الذين يعيشون في المدن وسط إيقاع صاخب.

هل مشهد الأغنية التي تغنيها إحدى راقصاتك، وهي مستلقية على الأرض يعبر عن تلك الذاكرة الطفولية؟

- بالتأكيد، الجميع يسألني بعد العرض عن هذه الأغنية التي أدتها الراقصة، فيما زملاؤها يقومون بتعبيرات تتعلق بالماضي من وراء ستارة ثانية على الخشبة. هي تغني ببطء، ثم تتزايد حدة الغناء مع تزايد توترات الراقصين. لا نستمع إلى موسيقى هنا، لكن الكلمات وحدها فيها إيقاع. المعاني ربما تكون ساذجة بعض الشيء، فالأغنية تتحدث عن طفل يأتي إلى مدرسته في الصباح من دون طعام، وهو يأمل أن يجد شيئاً يأكل في مقصف المدرسة، لكنه لا يجد شيئاً مما يريد أن يأكله، فيعبر أنه جائع.

هل هناك جوع في سنغفافورة اليوم إلى استحضار الماضي، والبحث عن هوية باتت مفقودة في مدينة لها نظام معولم؟

- بالتأكيد، فالشباب يسأل عن هويته. وهو لا يريد أن يمضي في احداث حالة القطع مع ماضيه. كلما نسير قدماً، كلما ترتفع الرافعات وتكثر السيارات في الشوارع، يصير الالتفات إلى الماضي أمراً حتمياً. لقد جسدت هذا في العرض من خلال مشهد تمزيق الشباب لتلك اللفائف البيضاء، وركض كل منهم بأقصى سرعة مع قطعة الورق. لقد فتحوا صفحاتهم الجديدة الخاصة ومزقوا العلاقة مع الماضي.

كيف تصف مشهد الرقص المعاصر في سنغافورة؟

- لا تريد سنغافورة أن تتبع المشهد الغربي في الرقص، تريد أن تبحث عن هويتها الخاصة. لقد عرضنا «أصوات قديمة» بنسختين قبل الآن في سنغافورة والنسخة الثالثة في دبي. في كل مرة كنا نحصل على التعليقات ذاتها: «هذا عمل جيّد ونحتاجه بالتأكيد»، وهذا يسعدني.

هل تجد تشابهاً في القضايا التي تشغل سنغافورة ودبي اليوم باعتبارهما مدينتين أسستا شهرتهما على نموذج التجارة والخدمات؟

- أجد أن موضوع البحث عن الهوية مشترك. تتوقف للحظة وسط كل هذا الصخب وتسأل أين أنت وماذا تفعل وإلى أين تسير.

كيف تتعاطى مع راقصيك. أقصد، ما هو الأسلوب الذي يمكنك من الحصول على الأفضل من دواخلهم؟

- لا أبحث عن راقصين. ابحث عن فنانين راقصين. يجب أن يكون لديهم الحس الفني والدرامي الذي يتوافر لممثل المسرح، اضافة الى مهارات الرقص بالتأكيد. عرضي اليوم، مثلاً، فيه الكثير من المعاني الحساسة التي تتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل وصراع الأجيال والبحث عن الهوية، انها موضوعات عميقة لا يمكن التعبير عنها بنجاح، إذا لم تتوافر لك مقدرة نقلها بإحساس.

بعضهم يجدني قاسياً. أنا أطلب تدريبات كثيرة، في الرقص الفردي والجماعي على حد سواء. هذا قد يكون مرهقاً لكنهم يؤمنون بي وبمشروعنا.

عملت في إسبانيا في فرقة رقص واطلعت على التجربة الأوروبية. لماذا قررت العودة الى بلادك سنغافورة، وهل في مشهد الرقص المعاصر هناك ما يغري فعلاً على العودة؟

- ربما تكون ظروف الرقص المعاصر في أوروربا أفضل، لكن بعض الأعمال هناك بات يفتقد الى المعنى. الثقافة الآسيوية لا تزال تختزن الكثير مما لا يعرفه العالم؛ هي، ثقافة عذراء وغير مكتشفة. لذلك آثرت العودة، أردت أن أكون أقرب إلى أبناء جلدتي. أن أضع فني في خدمة ثقافتي. نحن أقدر على أن نعبر عن مفردات هذه الثقافة من الغربي. فالعرض الذي أقدمه اليوم، على سبيل المثال، بوسع راقصين أوروبيين أن يقدموه. لكن أعضاء فرقتي، وهم مرتبطون بأكثر من بلد آسيوي، يعرفون أن دورة التنفس على المسرح، على سبيل المثال، مرتبطة بطقوس آسيوية يجهلها الأجنبي. وبوسعك أن تضرب أمثلة كثيرة على هذا المنوال.

هناك توجه حديث في الرقص المعاصر يقضي بالمزج بين أنواع مختلفة من الرقص تتبع ثقافات متنوعة في عرض واحد. مؤخراً شاهدنا في الإمارات عرضاً للراقص البريطاني البنغالي أكرم خان في هذا السياق. هل تفكر بالأمر؟

- لا أحب أن أنفذ شيئاً لمجرد أنه التقليعة (تراند). ربما نحن نصنف على أننا كلاسيكيون بعض الشيء، لكنني أحب ما نفعله اليوم. هذا لا يعني أنني أنفر من تلك التجارب.

ولكن ما الذي يميّز التجربة الغربية تحديداً عن الآسيوية في هذا المجال؟

- الرقص المعاصر في آسيا يركز على العواطف وطرق إبدائها والتعبير عنها، بينما التجربة الأوروبية غارقة في الموسيقى والإيقاعات على حساب الجانب الشعوري. ربما يكون هذا أحد الأسباب الذي جعلني أقرر العودة إلى سنغافورة بعد خمس سنوات قضيتها في إسبانيا.

هناك تحد آخر يواجه الرقص المعاصر اليوم وهو استخدام «الملتيميديا»، أي عدم الاكتفاء بالرقص، بل مزج العرض بمقطوعات فيديو، وقد استخدمت ذلك في أكثر من مشهد من العرض. البعض ينظر إلى هذا الأمر على أنه ضرورة والبعض الآخر يجده نقطة ضعف، ما رأيك؟

- أجد أن الملتيميديا باتت ضرورية على المسرح، ولكنني لا أهوى الإفراط في استخدامها. يجب أن تكون مضبوطة وتخدم العرض ولا تشتت المشاهد أو تذهب به إلى عوالم أخرى غير عوالم الرقص التعبيري.

ما هي خطوتكم القادمة؟

- نقيم مهرجاناً للرقص في سنغافورة وسوف نقدم عروضات كثيرة في منتصف الشهر الجاري.

حوار- إبراهيم توتونجي