لم يعد مشهد انتشار زبائن المقاهي الحديثة في دمشق وهم يستخدمون حواسيبهم المحمولة حدثا يثير الانتباه، لأن هذا المشهد بات هو المألوف بعد سنوات من انطلاق مقاهي العولمة اثر الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي الذي بدأته سوريا منذ سنوات بانتظار انضمام الانفتاح السياسي إلى المشهد العام .

وبات هذا المشهد الذي يستقطب معظم جيل الشباب الجامعي، أو ما دون عمرهم بقليل وشريحة اجتماعية أخرى هي موظفو قطاع الشركات الكبيرة كالمصارف والتأمين او شركتي الهاتف النقال وبعض من شركات الميديا، وبالتأكيد العائدين من الاغتراب، ومعظم الدبلوماسيين الاجانب والعرب.

وتشير الإحصاءات شبه الرسمية إلى أن أكثر من 003 مقهى او سناك منتشرة في العاصمة تقوم بتوفير خدمة الـ wireless في شتى أنحاء المدينة، وقد باتت ملاذا لاستقطاب آلاف الزبائن يدفعون بالعملة السورية ثمنا لفنجان قهوة يوازي ما يدفعه أي مواطن في باريس أو روما أو أمستردام، التي تتمتع بدخول عالية لا تقارن بدخول السوريين.

ويبدو أن الشبيبة خاصة تجد ملاذا خاصا في تلك المقاهي، يخرجها من واقعها الذي تعيش فيه على مدار الساعة. ويقول سامر الاوس، طالب في السنة الثالثة في كلية الهندسة، أنه يشعر بإنسانيته في تلك المقاهي.

يقول سامر: اشعر بإنسانيتي كثيرا عندما ارتاد هذه المقاهي، لان كل شيء فيها يوحي بحرية الاختيار والحركة واحترام الآخر, اعتقد انه نوع من الوعي الحضاري، ثم إن هناك عدة خيارات منها من حيث ما تقدمه من مشروبات ومأكولات سريعة، وهي نظيفة جدا، وتسمح أجواؤها أن تكون صلة وصل بيني وبين العالم من خلال خدمة الانترنت، وبيني وبين عملي اذا كنت على اتصال دائم معه، فضلا عن أنها تحول المكان إلى مصدر للمعلومات وكأنه مكتبة.

ويرى سامر أن ذلك «جزء مهم من الحرية الشخصية»، مضيفا «لم يعد الامر كالسابق مجرد شاي وقهوة وزهور وروائح كريهة أو أوامر فرض من النادل العبوس».

بيد أن ثمة من لا يشاطر سامر وجهة نظره حول هذا الموضوع. ويرى البعض أن هذه المقاهي غالية بشكل غير منطقي، وقد أدت إلى ارتفاع كبير في أسعار كل السلع الأخرى. كما ينتقد البعض هذه المقاهي بسبب ما اسمته «حرية زائدة» للشباب فيها.

تقول سمر محمد إن هذه المقاهي جلبت لنا الغلاء والحرية الزائدة للشباب والشابات, وكثيرا ما وجدت كل اثنين منهم يتمدد بقرب الآخر على الاريكة ويشاهدان أفلاما او يعملان معا على جهاز كومبيوتر بحجة انهما متحضران.

وتضيف الشابة السورية التي تخرجت قبل عام من كلية اللغة العربية ووجدت عملا في احدى المدارس الخاصة والحديثة في دمشق: أنا لا اقول انها ليست مقاهي جيدة لكن علينا ان نستفيد من ايجابياتها مثل خدمة الانترنت او حرية التصرف بما لا يؤذي مشاعر الآخرين.

وقسم أحد الندل رواد المقاهي الحديثة إلى انواع تتشارك جميعها بالتوق إلى الحرية الفردية.

يقول مشهور عباس وهو نادل في مقهى كنوسبر السلسلة الالمانية العالمية التي افتتحت فرعا لها في دمشق أخيرا: الزبائن انواع، لكن معظمهم يتمتع بقاسم مشترك، هو البحث عن الحرية العامة او الخاصة كأسلوب للعيش او طريقة تفكير. انا اعرف ذلك من خلال علاقتي القوية مع الزبائن هم يتحدثون إلي وانا اسمع منهم دوما واسألهم من باب اللطف والاهتمام عن احوالهم وصحتهم فيبدؤون الحديث.. يريدون عالما خاصا بهم، أو ربما هي ساعات الجلسة المسترخية التي يريد المرء قول ما لديه كنوع من المنولوج الداخلي.

وتحجب السلطات السورية العديد من مواقع الانترنت فضلا عن ذلك مقرون بمراقبة لبعض البوابات الممنوعة أصلا وقد تعرض اصحابها للمساءلة او التوقيف العرفي احيانا.

ويوجد في سوريا عشرات مواقع الانترنت قلة منها متخصص في السياسة وبعضها في الاقتصاد أو المجتمع، وأخيرا أطلقت مواقع باللغة الانجليزية.

ويجد زوار دمشق من الأجانب والعرب ضالتهم في هذه المقاهي الجدية، كما يعتمدها الدبلوماسيون المعتمدون في سوريا، كمكان للقاء مع أقرانهم وتبادل الآراء، وتناول وجبات تذكرهم بوطنهم.

وينشر هؤلاء الدبلوماسيون في المقاهي المتمركزة في أحياء أبو رمانة والمالكي العريقة، ويتجهون أحيانا إلى حي المزة الراقي الحديث.

ويرى وسيم قات وهو مهندس تقني أن هذه المقاهي وفرت الاجواء المفتوحة التي تتيح له التعرف «إلى كثير من الصبايا في هذه المقاهي وهو الامر الذي لم يكن سابقا متاحا بهذه الطريقة للقاء بين الشباب والشابات, اعتقد انني افضلها ايضا لانها اماكن بلا جدران لكنها بالتأكيد غير متناسبة مع دخل المواطن السوري».

ويشرح الموسيقي السوري المعروف، معن خليفة، الذي يعتبر من ابرز عازفي وملحني اعمال الفرقة السمفونية السورية وجهة نظره حول الموضوع بقوله ان ما يميز الحياة الثقافية الفرنسية على سبيل المثال هو مفهوم المقهى، اعرف ذلك لأنني اقمت في فرنسا لسنوات قبل ان اعود الى دمشق، وتعرفت عن قرب الى مفهوم المقهى حيث إنها في صلب الحياة اليومية لكل فرنسي، والمقاهي انواع طبعا لذلك نجد أنه لكل مقهى خصوصيته التي تجذب زبائنه، واعتقد ان مقاهي العولمة التي سمح بها في السنوات الاخيرة في عموم سوريا إنما هي نتيجة تطور منطقي للمجتمع وتطور العلاقات فيه وآليات العمل والحياة اليومية، وأي تطور بطبيعة الحال والمنطق يحمل معه سلبياته و ايجابياته, فالمدن تختزن ذاكرتها في مقاهيها، ومقاهي العولمة اليوم نوع من الذاكرة المعاصرة وهي نوع من التماهي مع ثقافة العولمة التي تحوي كل الخصوصيات وتقبلها، ومن يبتعد عن العولمة اليوم يعزل نفسه .

ومما يؤكد صواب رأي كل الشعب السوري أن مقهى الروضة وسط العاصمة دمشق وهو مقهى شعبي معروف وعمره عقود عدة من الزمن، وله تاريخ وترتاده مختلف الشرائح الاجتماعية، اضطر أخيرا لتطوير خدماته واضاف ايضا خدمة الانترنت لزبائنه قبل فترة لم يكن احد يتجرأ على ان يتخيل ان مقهى الروضة سيوفر الانترنت بطريقة الـ wireless.

يقول موريس عائق، وهو صحفي من رواد المقاهي الحديثة: إن هذه المقاهي تذهب بنا بعيدا حتى من ناحية الكراسي والاثاث؛ فهي تحاول أن تؤمن كل الراحة لزبائنها، نجد فيها الاريكة الكبيرة وكأننا في منازلنا. اعتقد ان معظم الاصدقاء الذين اعرفهم والتقي بهم يشعرون بكثير من الراحة النفسية والحميمة في هذه المقاهي. ولكن موريس يشارك السوريين انتقادهم للارتفاع الكبير في الأسعار التي لا تناسب دخل الفرد العادي.

«د ب أ» - الحواس الخمس