يقوم عشاق الزجل اللبناني، الشعر الشعبي المحكي باللغة العامية الذي شهد كبوة لسنوات طويلة، بمبادرات لإحياء هذا الفن التراثي القديم الذي لم يتعرف إليه جيل بكامله ويجد صعوبة في تذوقه. ويقول زياد أبي شاكر الذي يعمل حاليا على اعداد أرشيف الكتروني ضخم للزجل اللبناني: «هذا فن ضائع ليس له أتباع بين الجيل الجديد»، مضيفا انه يسعى من خلال الارشيف الى «الحفاظ على هذا التراث الجميل».
والزجل فن شعبي من أشكال الشعر ينظم باللغة المحكية. ويقال ان شاعر الزجل «يقول» الزجل او «يغنيه»، لأن الزجل مرتبط بشكل عضوي بـ«المنبر» أو المسرح وبلحن إيقاعي معين. وكان الارتجال في الماضي سمته الأساسية.
ويرجع المؤرخون تاريخ الزجل اللبناني الى اكثر من 005 عام، ويقولون انه بدأ باللغة السريانية التي كان يستخدمها الرهبان المسيحيون في صلواتهم وكتاباتهم، قبل أن يتحول الى العربية باللهجة المحكية. وعرف الزجل فترة ازدهار كبير من الستينات حتى النصف الاول من الثمانينات، وهي فترة تكثفت فيها الحفلات الزجلية التي كان يصل عدد الحضور فيها احيانا الى اكثر من ثلاثين ألفاً، والحلقات المصورة للتلفزيون التي كانت تحظى بنسب مشاهدة مرتفعة.
إلا أن ظروف الحرب الاهلية (5791-0991) أثرت سلبا في تنظيم الحفلات، كما تراجع اهتمام التلفزيون بالزجل. وترافق ذلك مع تقدم شعراء الزجل الكبار في السن وغياب بعضهم.
ويجمع الخبراء والهواة على ان برنامج «اوف» الذي بدأ تلفزيون «او تي في» الخاص يبثه منذ اكثر من سنة، لعب دورا كبيرا في إنهاض الزجل من كبوته. والبرنامج عبارة عن مسابقة بين هواة الشعر الزجلي تتم على مراحل وتنتهي بتصفيات لاختيار الافضل.
ويقول شاعر الزجل الكبير موسى زغيب الذي يشرف على البرنامج: ان «جوقات الزجل القديمة شاخت، ومستوى الزجل هبط، وأنا قررت ان أفعل شيئا للزجل قبل ان أترك المنبر. لقد شكل هذا البرنامج ركيزة اساسية لاستنهاض الزجل».
وتخرج من برنامج «اوف» في السنة الاولى عشرة شعراء بمراتب مختلفة بدؤوا يشاركون في حفلات في سوريا ولبنان. وتجاوز عدد المشتركين في الدورة الحالية المئة، تم اختيار 63 منهم ليخوضوا المسابقة.
ويقول صاحب فكرة البرنامج جورج عون، المتخصص في الهندسة المعمارية والاستاذ الجامعي: «منذ كنت في السابعة من عمري، وأنا أستمع الى الزجل».
ويضيف: «كنت كلما شاهدت البرامج الفنية على التلفزيون، اقول في نفسي: هذا ليس تراثنا، وخطرت لي فكرة برنامج مواهب لشعراء الزجل الشباب التي لقيت تجاوبا».
وعلى الرغم من ان المشاركين في البرنامج هم في غالبيتهم من الشبان، وبينهم بضع فتيات، وهي ظاهرة نادرة في الزجل، الا ان نسبة الشباب دون سن الثلاثين الذين يهوون الزجل تبقى متدنية.
ويرى زياد ابي شاكر، المهندس البيئي الذي يقول انه أدمن الزجل منذ اهداه جده دفاً (آلة ايقاع ترافق الزجل) بلاستيكياً وهو في الخامسة، ان هذا الفن قد لا يصمد طويلا. لذلك يجهد في البحث عن كل تسجيل مهما كان نوعه لحفلة او قصيدة او حوار زجلي، فيقوم بنسخه إلكترونياً ويضيفه الى الارشيف الذي سيضعه «في متناول كل محبي الزجل».
كذلك يعمل ابي شاكر في مشروع لإصدار قرص مدمج يحتوي أشهر قصائد الشاعر جوزف الهاشم المعروف بزغلول الدامور بصوته، «مع اطار موسيقي محترم تستخدم فيه آلات البزق والعود والقانون».
وزغلول الدامور من اكبر شعراء الزجل في لبنان، وقد تجاوز الثمانين اليوم ولا يزال يشارك في حفلات بين الحين والآخر.
وتكون حفلة الزجل عادة على شكل مناظرة بين شاعرين تتخللها قصائد وموشحات تتناول اجمالاً المرأة او الوطن.
ولم تعد حفلات الزجل الشعبية الضخمة رائجة، ويتم احياء الحفلات في المطاعم او المهرجانات الصيفية في القرى.
ويحفل موقع «فيسبوك» الالكتروني بصفحات مخصصة للزجل، وانشأ عدد من عشاق هذا الفن الشعبي مواقع إلكترونية خاصة به ينشرون عليها قصائد قديمة ونبذات عن الشعراء الكبار وتسجيلات لحفلات.
وتكريما للزجل، اقتبس الفنان زاد ملتقى من كتاب منشور للشاعر الزجلي أسعد فغالي المعروف بـ«شحرور الوادي» وهو اول من أسس جوقة زجلية في لبنان وأطلق فكرة التباري في الزجل، مناظرته الشهيرة مع والده الذي كان كاهن رعية وشاعرا زجليا في الوقت نفسه. وتميز شعراء الزجل في الماضي بكثير من الجرأة، لاسيما في الغزل، وغالبا في الموضوعات الدينية.
ولا يقتصر الزجل على لبنان، بل هناك زجل مصري وسوري وفلسطيني وإردني، وزجل «نبطي» في الامارات والسعودية، لكن الزجل اللبناني هو الأكثر انتشاراً.
خدمة دنيا ـــ (أ ــ ف ــ ب)
