سنوات مرت من عمر مهرجان دمشق السينمائي قبل أن يفوز فيلم عربي بجائزته الذهبية في دورته الثامنة عشرة التي أقيمت أخيرا ما بين 7-31 نوفمبر 0102، وقد بدا واضحاً أن تخلي مهرجان دمشق عن تخصصه بعرض أفلام السينما العربية والآسيوية وأميركا اللاتينية، وتوسعه ليعرض الفيلم الأوروبي أيضاً لم يكن لصالح الفيلم العربي، فانكفأ هذا الأخير عن المنافسة على الجائزة الذهبية، الأهم في المهرجان، الأمر الذي استدعى من إدارة المهرجان تخصيص جائزة خاصة لأفضل فيلم عربي، وقد رد مدير مهرجان دمشق محمد الأحمد سبب تخصيص جائزة للفيلم العربي «كي لا نظلمه إذ لا يستطيع أن ينافس الفيلم الأجنبي»، لافتاً إلى أننا «لا يمكن أن نقارن الأفلام العربية عموماً مع الأفلام الأجنبية، فلإرث الصناعة دوره الأساسي في ذلك». ومع فوز الفيلم الجزائري «الخارجون عن القانون» للمخرج رشيد بوشارب بجائزة الدورة الأخيرة من المهرجان عاد الفيلم العربي إلى واجهة المنافسة في المهرجان، ومعه عاد السؤال عن حال الفيلم العربي اليوم، وفيما إذا كان فوز الفيلم الجزائري بذهبية المهرجان دليل عودة العافية إلى الفيلم العربي أم أن فوزه كانت مجرد حالة خروج عن السرب وحسب.

تقهقر غير مفهوم إلى الوراء

الناقد محمد الأحمد، مدير مهرجان دمشق السينمائي، رأى أن «الفيلم العربي في ثمانينيات وتسعينيات القرن الفائت كان أفضل مما هو عليه الآن، وعلى الرغم من أن محاولات سينمائية تخرج من حين إلى آخر تكون فيها لمعة وتألق، إلا أن حال السينما العربية عموماً في تقهقر إلى الوراء..»، ولا يستطيع الناقد الأحمد، وفق ما يقول، تحديد سبب واضح لحالة التقهقر هذه، مشيراً إلى أنه «عادة ما يرتقي السينمائي مع تعدد أفلامه، لقد قدم فيليني أفلامه منذ الخمسينيات، وفيلما بعد آخر كان يرتقي حتى وصل إلى قمة المجد، وعندما تتابع مسيرة أي مخرج غربي ترى أن أصالته وموهبته تتعمق مع الأيام كلما خطا باتجاه فيلم آخر، أما السينمائي العربي عموماً فيكون أفضل أفلامه هو الفيلم الأول، وتنتهي حياته على تنويعات مستقاة من الفيلم الأول، حتى يكاد يكون فيلمه العاشر لا يختلف كثيراً عن فيلمه الأول، لنأخذ مثالاً في المغرب العربي المخرج النوري بوزيد لم يستطع أن يعمل شيئاً مهماً بعد فيلمه الأول، وكذلك المخرج رضا الباهلي، ولنقارن بين فيلمه «شمس الضباع» وفيلمه الأخير ثمة بون شاسع.. حتى المخرج يوسف شاهين وهو المبدع الكبير لنتابع أفلامه الأولى وننظر إلى أفلامه الأخيرة، يوجد عموماً حالة غير مشجعة وغير مفهومة، ولا يمكن تفسيرها.

ضعف الإنتاج العربي

الناقد ومعد البرامج السينمائية في الفضائية السورية منصور ديب، يحدد بداية حقيقتين يرى أنهما تعبران عن المشهد السينمائي العربي في هذه اللحظة، الحقيقة الأولى هي «ضعف الإنتاج العربي فالوطن العربي ينتج حوالي ستين فيلماً من أصل أكثر من ألف فيلم سينمائي ينتج عالمياً في العام، وتحصل مصر على الحصة الأكبر من هذا الإنتاج بحوالي 03 فيلماً سنوياً بينما تنتج المغرب حوالي عشرة أفلام وتتوزع الدول العربية في تونس والجزائر ولبنان وسوريا والخليج حديثاً الأفلام الباقية». والحقيقة الثانية هي «انصراف الجمهور عن حضور الأفلام العربية إلا في فترة المهرجانات ولجمهور محدد، ما عدا بعض الأفلام المصرية التي لاتزال تستطيع اجتذاب بعض الجمهور بسبب نجومية أبطالها وقدرة هذه السينما على صناعة أفلام ترفيهية سواء في مجال الكوميديا أو في أفلام الحركة، فضلاً عن تمتعها بميزة التوزيع خارج حدودها في الدول العربية الأخرى، بينما تفتقد الأفلام العربية غير المصرية متعة العرض التجاري لأكثر من فترة محدودة وهي في غالب الأحيان لا تغطي تكاليف الحملة الإعلانية»، ويرى الناقد ديب أن «هذه الحال قد لا تكون مستجدة تماماً على الواقع السينمائي لكن وصلت إلى درجة أسوأ في الفترة الحالية».

سينما لقضايا أكثر فردية

وحول موضوعات الأفلام العربية، يقول الناقد منصور ديب إنها تحولت بشكل كبير نحو قضايا أكثر فردية، ولم نعد نجد تيارات سينمائية كما حصل في فترة الثمانينيات من القرن الماضي مثلاً. حيث استطاع بعض السينمائيين صناعة الموجة الجديدة في السينما المصرية (محمد خان، عاطف الطيب، خيري بشارة،..) وكذلك ظهر في هذه الفترة بعض الأفلام السورية المهمة (حادثة النصف متر، أحلام المدينة، نجوم النهار، ليالي ابن آوى..) وكذلك ظهرت في تونس سينما مهمة على يد (النوري بوزيد، مفيدة التلاتلي، فريد بوغدير) والشيء نفسه في الجزائر والمغرب.. هذه الأفلام على الرغم من موضوعاتها السينمائية البعيدة عن الترفيه بشكل عام كانت تجد لها جمهوراً كبيراً قياساً لما يحدث حالياً.

ورغم هذه الصورة القاتمة، يرى الناقد ديب أنه «لا يمكن أن نتجاهل أن هناك قدرة عند السينمائي العربي على استعمال التقنيات الحديثة بشكل أفضل بكثير من سابقيه، وظهور مهرجانات سينمائية عديدة، وتوفر التقنيات بشكل أكبر، مما جعل تيسر تعبير السينمائي عن نفسه، لكننا أيضاً يمكننا أن نلاحظ أن هذه السينما فشلت في تشكيل تيار سينمائي يقدم صورة حقيقية عنا للمشهد السينمائي العالمي على عكس ما نجحت به سينما الجيران في تركيا وإيران ولهذا أسبابه التي تستحق منا دراسة متأنية ربما نجد أنها ترتبط بشكل مباشر بأزمة الثقافة والمثقف في العالم العربي».

قصور تقني وتكبيل فكري

حال الفيلم العربي تعبير عن أزمة والمثقف في العالم العربي.. نقطة يتفق الناقد السينمائي بشار ابراهيم فيها مع الناقد ديب، فبرأي الناقد ابراهيم فإنه لا يمكن فصل حال الفيلم السينمائي، باعتباره منتوجاً ثقافياً، عن مجمل حال الثقافة العربية.. بل لعل ليس من المبالغة، في شيء، القول إن في وضعيته الراهنة، تتجلى أبرز سمات الثقافة العربية، سواء على صعيد الفكر أو الرؤية أو السرد أو المعالجة.. أو بالنظر إلى الجوانب الفنية، والجوانب التقنية، ويؤكد الناقد إبراهيم أن الفيلم السينمائي العربي، يتلكأ على طريق التعبير، والقول، والبناء، والأداء، خصوصا أنه تمييزاً عن سائر المنتجات الثقافية الأخرى، يستلزم الفيلم اشتراطات فنية وتقنية، تنفر عن رغبة الفرد (الذاتية)، وتمتد إلى الواقع العام (الموضوعية). وإذا كان الفيلم السينمائي العربي، لا يزال مكبلاً على مستوى التفكير والرؤية والبناء (بناء الحكاية، وبناء الشخصية)، وعلى مستوى الخطوط الحمر، التي تحاصره من شتى الجوانب.. فإن إشكاليتيه الكبيرتين تتمثلان أولاً في الفقر البصري، الناجم عن كون الثقافة العربية أصلاً ثقافة شفاهية. وثانياً في المباشرة، والبعد الواحد، والتقاطب الحاد، بين نسق كامل من الثنائيات، الذي هو أيضاً من سمات الثقافة العربية.يزيد الطين بلّة، يستطرد الناقد إبراهيم، الانتباه إلى حقيقة القصور التقني الذي لا يزال سمة الواقع العربي، إذ على الرغم من توفر الإمكانيات المالية، المعقولة إلى حد ما، إلا أن التقنيات الحديثة ما زالت عنصراً وافداً وغريباً على الثقافة العربية، ولم تتحول بعد إلى عنصر فاعل في نمط التفكير.ويخلص الناقد ابراهيم إلى القول بأنه لا يزال ثمة مسافة هائلة بين الفيلم السينمائي العربي، عموماً، والأفلام السينمائية، حتى لدى شعوب، قريبة، نتقاسم معها الهواء، والماء، والمكان، والمطبخ.. خذ السينما الإيرانية، والسينما التركية، مثالاً متجسداً.. باختصار يمكن القول إن الفيلم السينمائي العربي ما زال فقير البصر، ضيق البصيرة.

نضوب الإبداع.. ولكن

الناقد والمخرج علي العقباني رأى أن ما تعانيه السينما العربية اليوم هو ما تعاني منه العديد من سينمات العالم والمتمثلة في الإنتاج وأسواق التوزيع وعزوف الجمهور عن السينما في ظل انتشار وسائل الملتيميديا السهلة والكثيرة في عالم اليوم.

وفيما يخص السينما العربية اليوم، قال المخرج عقباني: إضافة إلى معاناتها المشتركة مع سينمات العالم، فللسينما العربية إشكالاتها الإضافية الأخرى تتمثل في قلة الإنتاج وضعف السوق العربي إضافة إلى ما يعانيه المبدع السينمائي العربي من تضييق الخناق عليه في تناول العديد من المواضيع الاجتماعية الإشكالية الهامة وتضييق الحريات في تناولها، وكذلك ضغط الكثير من الجماعات الأصولية على كل صنوف الإبداع.ويلفت علي العقباني إلى الإشكالية الأهم التي تواجه العديد من الأفلام العربية اليوم وهي: النص السينمائي(السيناريو)، مشيراً إلى أن العديد من المخرجين العرب يعانون نضوب الإبداع والبحث عن صيغ سينمائية جديدة وبديلة عن السائد والكلاسيكي في السينما العربية، وأقصد هنا أنه في حال وجد النص الجيد فإن ثمة مشكلة في التناول، في اللغة السينمائية، اللقطة والكادر والأسلوب، فنجد الكثير من الأفلام وكأنها نسخ متكررة لأفلام ورؤى سبق وأن شاهدناها في الكثير من الأفلام.. يشذ عن هذه القاعدة عدد قليل من الأسماء التي لا زالت حاضرة في الساحة السينمائية العربية وكذلك العديد من المخرجين المهاجرين في الغرب.رغم كل ما يعانيه الفيلم العربي يرى الناقد العقباني أن الصورة ليست قاتمة تماماً، مشيراً إلى بروز ظاهرتين مهمتين في السينما العربية اليوم وتتمثل في ظهور كم كبير من الأفلام القصيرة والوثائقية في معظم الأقطار العربية، كذلك بدأ بالبروز عدد من الأسماء الجديدة الشابة والتي بدأت تعلن عن نفسها سواء في سوريا ومصر والخليج العربي وكذلك أقطار المغرب العربي.. لكنهم كذلك يقعون تحت ضغط سوق الإنتاج الذي لا يغامر كثيراً بأسماء جديدة.

إشكاليات قابلة للحل

يتفق النقاد السينمائيون على أن ثمة إشكاليات متعددة يعاني منها الفيلم العربي اليوم، وتبدو عبارة الناقد بشار ابراهيم في توصيف الفيلم السينمائي العربي بأنه لا يزال فقير البصر، ضيق البصيرة.. هي مختصر ما ذهب النقاد في شرح تفاصيله من إشكاليات تبدأ من السينمائي نفسه ولا تنتهي عند حدود التلقي وطبيعة المتلقي، وإن كنا لا نستطيع الحديث عن وصفة جاهزة لتجاوز فقر البصر وضيق البصيرة، إلا أننا نستطيع الجزم بأن كثيرا من الإشكاليات السابقة قابلة للحل، ولعل أولى خطوات تلك الحلول ما بدأت عدد من المهرجانات السينمائية العربية تضطلع به، كما هو حال سوق دبي السينمائي الذي حمل شعار من السيناريو إلى السينما داعماً كافة مكونات ومراحل صناعة الفيلم..أو صندوق (سند) في مهرجان أبوظبي لدعم صناعة الفيلم في العالم العربي في مرحلتي التطوير والإنتاج النهائية.

دمشق- ماهر منصور