يتعرض زوار الشوارع المتربة في المدن المغربية الكبرى مثل طنجة إلى موجة من الحر والضجيج واندفاع محموم لحركة التجارة في الدروب المزدحمة التي يقطع فيها الجزارون رقاب الدجاج أمام عينيك.
وتنبعث الروائح التي تهب قادمة من مئات من منصات بيع الأطعمة في الشوارع ومن باعة التوابل لتهاجم الحواس، مثلها في ذلك مثل القمامة المنتشرة في كل مكان، بينما تشق الحمير طريقها مندفعة على الطرق بنفس التناسق والانتظام الذي تبدو عليه الدراجات النارية.
ويمكن أن تصبح الطبيعة المشحونة بالنشاط والحركة والضوضاء في كثير من أنحاء المغرب عاملا مسببا للضغط والتوتر بعد فترة قليلة، غير أن مدينة شفشاون التي تقع في المنطقة الشمالية الغربية تتيح للسياح الفرصة لتجربة شيء مختلف، إلى جانب إعادة شحن بطارية طاقتهم لبضعة أيام.
وتقع مدينة شفشاون أو «الشاون» كما ينطقها غالبا أهل البلاد في قلب جبال الريف، وهي تتيح بديلا يتميز بجو من الاسترخاء مع ما تتمتع به من خليط بين التراث العربي والطابع الأندلسي.
ويمكن هنا التمتع بالهواء الجبلي النقي، كما يمكن مشاهدة الشوارع ومعظم مباني المدينة القديمة ذات الأسوار المطلية بطلاء أزرق لامع بلون السماء، وتقع في خلفية المدينة حافات جبلية خضراء تسودها أشجار الأرز والصنوبر والبلوط.
ويغلف سحر التاريخ قلب مدينة شفشاون حيث تقع ساحة وطاء الحمام الظليلة المرصوفة بالأحجار، حيث يلقي الرجال كبار السن الذين يرتدون الأزياء التقليدية النظرات على المقاهي والمطاعم المزدحمة بالرواد، بينما يقدم العمال فيها أطباقا من اللحوم المطهوة بالتوابل وطبقا من الخضراوات يعرف باسم «الطاجن» نسبة إلى وعاء الفخار الخاص الذي تطهى بداخله الوجبة.
ويتدفق الضوء الصافي من الجبال ليجعل الأسوار الحمراء لمبنى القصبة التاريخي والمسجد الأعظم تبدو أكثر روعة وجلالا، وشيد المسجد مؤسس المدينة علي بن موسى بن راشد العلمي عام 1471 لدى وصوله إلى المغرب قادما من الأندلس.
وتبدو للعيان عن بعد منارة المسجد ذات الزوايا والأضلاع الثمانية، بينما يبدو جناحا الجبل الذي يعلو فوق المدينة كقرني ماعز، واشتق اسم المدينة «شفشاون» من كلمة أمازيغية (لغة البربر) تعني «القرون».
ووصل إلى شفشاون كثير من المسلمين الذين خرجوا من الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر وتركوا عليها بصماتهم، حيث أبدعوا معمارها الفريد، وظلت شفشاون لعدة قرون مدينة مقدسة حيث كان يحظر دخول غير المسلمين إليها، ولكن هذا الحال تغير اعتبارا من عام 1920.
ويتجلى جمال المدينة بشكل خاص عند الأمسيات عندما يرفع المؤذن آذان الصلاة، وليست ثمة أية مشكلات أمام الزوار الذين يريدون البقاء في المدينة في أن يعثروا على غرفة بالفنادق الكثيرة.
ويبلغ سعر الإقامة لليلة واحدة في غرفة مزدوجة نظيفة تكسو الفسيفساء سقفها 150 درهما فقط؛ أي نحو 18 دولارا، وتتمتع جميع الفنادق تقريبا بوجود شرفة على السطح تتيح مناظر بانورامية للمنطقة إلى جانب منظر السماء المزدانة بالنجوم، وهو منظر لا يقدر بثمن، ويمكن للمسافرين من ذوي الميزانيات المحدودة أن يجدوا مكانا يقضون فيه الليل بالمدينة، على الأقل خلال فصل الصيف.
ويمكن شراء إفطار يتكون من شاي طازج بالنعناع ورغيف خبز فرنسي ومربى الحمضيات من أحد المقاهي التي تزدان بها ساحة وطاء الحمام السياحية بالمدينة القديمة، بينما يمكن في وقت لاحق القيام بجولة مستحقة خلال شوارع المدينة الضيقة والمنحدرة.
وبالسفر من مدينة شفشاون باتجاه الشمال يجد الزوار أنفسهم بسرعة وسط منطقة الجبال، وبعد السير على الأقدام لمدة نصف الساعة ينفتح المنظر مبديا الأسوار الزرقاء والبيضاء لمدينة شفشاون تحيط بها الخضرة، والتي تعد علاجا مؤكدا لراغبي قضاء العطلات الذين يعانون من التوتر وضغوط الحياة اليومية.



