لا ملاذ أمام السواد الأعظم من اللبنانيين ليلة رأس السنة إلاّ التلفزيون، لأن أسعار الحفلات في المطاعم تكوي جيوبهم، فقد وصل سعر بطاقة بعض المطربين إلى ألفي دولار، فيما الحد الأدنى للأجور 335 دولاراً فقط لا غير.




وأمام سلطان الريموت كونترول وامبراطورية المنجمين يتنقل اللبنانيون من محطة إلى أخرى باحثين عن حظهم في العام الجديد، حيث تتنافس الشاشات على استضافة المنجمين المشهورين الذين يسرّون للساهرين في بيوتهم ما تخبئه الكواكب لهم ويكشفون لهم طالعهم.

ومع أنواع المأكل والمشرب الموضوع على الطاولة يتابع اللبنانيون غالباً توقعات المنجمين، الذين لا يتركون الفرصة تمر من دون أن ينصحوا الناس بشراء كتبهم المتخصصة التي أعدوها لهذا العام، والتي تحظى مع كتب الطبخ بصفة «الأكثر مبيعاً».

وعلى الرغم من أن الكثيرين يستشهدون بالقول المأثور «كذب المنجمون ولو صدفوا»، فإنهم يصغون ولو بتستّر إلى ما يقوله المنجمون، لا بل يتابعون أبراجهم يومياً، حتى إن أحد الأشخاص طلب عدم ذكر اسمه قال: «إنه يقرأ ما كتبته إحدى عالمات التنجيم عن برجه بشكل يومي، ويتعامل مع ما يكون ملائماً له من الأبراج الأخرى».

وتعتبر رغبة الإنسان في المعرفة التنبؤية، أحد العوامل الرئيسية الدافعة للرصد الفلكي، في حين يعتقد المنجمون بأن تحركات الأجرام السماوية تؤثر مباشرة في الحياة الأرضية، أو أنها تتطابق مع الأحداث الإنسانية.

ويقول الدكتور سمير طنب، الذي عرّف نفسه بأنه مختص بعلم الفلك والبارابسيكولوجيا: ينبغي على من يرغب كتابة توقعات تخص المستقبل أن يكون من ذوي الاختصاص، أي من حملة شهادة الدكتوراه بعلم التنجيم، ولكن في الواقع لا يعدو الذين يكتبون مجلدات عن الأبراج في لبنان، كونهم مجموعة مترجمين ينقلون توقعات علماء التنجيم الغربيين إلى اللغة العربية ويبيعونها في الأسواق.

وأضاف طنب: إن تأثير البرج في الإنسان لا يتعدى الخمسة في المئة من الفعل الذي سيحصل، أما الباقي فيتعلق بإرادة الإنسان واجتهاده، فإذا اعتقد أحدهم بأن حظه جيد هذه السنة وامتنع عن السعي من أجل تحقيق النجاح فإنه سيحصد الفشل، وهنا تكمن خطورة كتابة الأبراج إذا كان أثرها في إرادة الإنسان وسعيه سلبياً.

وتابع: لا يوجد في لبنان علماء فلك، ويمكننا القول بطريقة ما إن كتابة الأبراج في لبنان تحولت إلى نوع من أنواع التجارة، حيث تكمن وراء كل منجم وسيلة إعلامية مرئية تدعمه وتسوق كتبه وتتقاسم معه الأرباح، ولا يعدو حث الناس على شراء كتب الأبراج عشية استقبال السنة الجديدة كونه تسويقاً تجاريا.

وقال طنب: يعاني علماء التنجيم من انخفاض نسبة مؤيديهم بسبب منافسة علماء النفس لهم، وكذلك رجال الدين الذين يسعون لإقناع الناس بعدم صوابية التنجيم.

وتعتبر كتب الأبراج هي الأكثر مبيعاً، خاصة في الفترة الواقعة بين عيدي الميلاد ورأس السنة .

وقالت سيلفي أيوب، مسؤولة المبيعات في مكتبة «حليم»؛ إحدى المكتبات الواقعة في منطقة جبل لبنان: يكثر الإقبال على شراء كتب الأبراج في الفترة الواقعة بين عيدي الميلاد ورأس السنة، خاصةً بعد إطلالة المنجمين على وسائل الإعلام المرئية.

وأضافت أيوب: «تباع هذه الكتب بكثرة بسبب رغبة الناس بكشف ما تخبئه لهم السنة الجديدة، أما الأوفر حظاً منها من ناحية السعر والكمية فهي تلك التي كتبها أشخاص مشهورون يعرفهم الناس في مجالات أخرى من خلال شاشات التلفزة».

ويعتبر البعض أن أثر الأبراج قد يكون سلبياً في بعض الناس، خاصة الذين يستسلمون لما تسطره كتب التنجيم ويمتنعون عن بذل أي جهد استناداً إلى لعبة الحظ، ويعتقد آخرون بأن أثر الأبراج يمكن أن يكون إيجابياً في حياة الناس، لأنها تسهم في رسم الحلم والأمل في نفوس أحبطتها الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي مر ويمر بها لبنان.

وقالت الدكتورة ناديا سماحة رئيسة قسم علم النفس في الجامعة اللبنانية: توقعات علماء التنجيم تشبه إلى حدّ ما الأحلام عند البعض، وينبغي ألا تتحول هذه الأحلام إلى دافع للتلكؤ والاتكال على الحظ الموعود، لأن الإنسان لا يستطيع تحقيق أي شيء دون استخدام فعل الإرادة الشخصية والمثابرة.

ولم يخل التنجيم من الانتقادات بسبب استخدام الأساليب التخمينية وليس التجريبية، ويرى البعض أن عقبات كبيرة تعترض إجراء البحوث العلمية في الفلك، بما في ذلك الافتقار إلى التمويل، وافتقار المنجمين لخلفيات علمية وإحصائية .

وأضافت سماحة: توقعات الأبراج قد تؤثر سلباً في ذوي الشخصيات الضعيفة بسبب طبيعة هؤلاء، وليس بسبب طبيعة علم التنجيم، ولكن لا توجد إحصاءات تدل بالأرقام على صحة توقعات المنجمين، وربما يفتقر هذا العلم إلى الدراسات الإحصائية.

وقالت سماحة: يحترم علماء النفس كافة العلوم، ومن بينها علم التنجيم، ولكن إذا حدث وتأثر البعض سلباً بتوقعات المنجمين يقوم علماء النفس بمعالجتهم وحملهم على العودة إلى أرض الواقع.

ويختلف علم التنجيم عن علم الفلك الذي بدأ بالانفصال التدريجي عن علم الفلك منذ عصر النهضة وحتى القرن الثامن عشر، وعلى الرغم من ذلك لا يزال البعض يخلط بين العلمين، وتطلق بعض وسائل الإعلام على المنجمين اسم علماء فلك.

وقالت المحامية شادية هيكل: يمكن تفسير ظاهرة اندفاع اللبنانيين لمعرفة ما يحمله المستقبل من أحداث، بأنه انطلاق من رغبة الإنسان في كشف المجهول ومحاولة السيطرة عليه.

وأضافت هيكل: قد يكون اهتمام اللبنانيين الزائد بالأبراج نافذة أمل يتطلعون من خلالها إلى تغيير ما يصيب الواقع الاقتصادي والسياسي والاجتماعي المأزوم.

وتابعت: ليس منطقياً تصنيف الناس بحسب الأبراج لأن عوامل عديدة تتداخل لتكوين ما يسمى «الشخصية البشرية»، والدليل على ذلك أن أشخاصًا ينتمون حسب المنجمين للأبراج ذاتها إلا أننا نلحظ اختلافاً كبيراً في سلوكهم وحظوظهم.

وإن كان لا يعلم بالغيب إلاّ علاّم الغيوب، فإن رغبة اللبنانيين في تحقيق التقدم والتطور باتجاه الأفضل تجعلهم يبحثون عن طالعهم ومستقبلهم، في ظل تكدّس المشاكل المادية والاقتصادية، علّ الله يفرجها في العام الجديد... إنها النفس البشرية على أي حال؛ يستوي فيها الرئيس الأميركي السابق رونالد ريجان الذي لم تفارقه عرّافته، وأي امرئ بسيط يقرأ برجه بشكل يومي.