الكثيرون من الذين لم يقرؤوا التاريخ قد يرون شارع كلوت بك عاديا مثله مثل كل شوارع القاهرة، هذا الشارع الذي بناه الطبيب الفرنسي كلوت بك، وكان يطلق عليه قبلها شارع الأزبكية، والذي يبدأ من منطقة العتبة في وسط القاهرة، ويمتد حتى الغورية في ميدان رمسيس.
وقديما كان شارع كلوت بك أحد أهم أسواق الغلال والحبوب في مصر قبل الحملة الفرنسية، وبعد مجيء نابليون بونابرت اختار هذا الشارع محلا لإقامة جنوده نسبة لموقعه الاستراتيجي وقربه من ميدان رمسيس الذي يربط بين العاصمة المصرية وكل أحيائها وفي الوقت نفسه يعد مركزا لوسائل النقل المختلفة على مستوى الأحياء والمحافظات، وهو الأمر الذي يضمن لبونابرت استمرار الإمدادات الغذائية لجنوده. مشهد متناقض ويذكر المؤرخون أن شارع كلوت بك قد شهد بعد احتلال جنود الحملة الفرنسية له ظهور العديد من الحانات الصغيرة ودور اللهو وبيوت الدعارة المرخصة التي أصبحت وقتها مرتعا للجنود الفرنسيين ويرتادها أيضاً بعض صغار التجار على طول الشارع الذي يمتد حتى ميدان الأزبكية العتبة حاليا.
كما أسهم وجود قوات المستعمر الفرنسي في تلك الأماكن إلى حضور نشط في أوساط الوطنيين والفدائيين المصريين الذين استخدموا الحانات والملاهي للوصول إلى أهدافهم وقاموا بكثير من العمليات الفدائية والانتقامية بمساعدة المصريين العاملين في تلك الأماكن.
وذلك في الوقت الذي بدأت فيه حركة موازية بتأسيس دور نشر ومكتبات ومقاهٍ ثقافية لمواجهة ذلك الواقع الذي جعل من هذه المنطقة الحية بؤرة مخيفة.
ملتقى ثقافي
ظل شارع كلوت بك على هذا المشهد المتناقض، حتى جاء العام 1951 وتغير واقع وحال الشارع عندما صدر قرار منع الدعارة وبعدها حدث حريق القاهرة في يناير 1952 ليقضي على كل أماكن اللهو في هذا الشارع التجاري الهام.
وخلال الفترة التي تلت حريق القاهرة، شهد الشارع تحولات كبيرة، حيث أصبحت المنطقة كلها ومن ضمنها شارع كلوت بك ملتقى ثقافيا مهما بعد إنشاء العديد من دور النشر والمطابع وحتى مقاهيها كانت مسرحاً للقاءات المثقفين والمفكرين الكبار في مصر مما ساهم في إنشاء المؤسسات التعليمية والثقافية.
وكان امتداد الشارع الذي ينتهي في منطقة الفجالة ـ القريبة من ميدان رمسيس ـ قد حفل بالعديد من المقاهي الثقافية على رأسها مقهى الشيخ زكريا أحمد الذي كان يجمع كبار الأدباء المصريين وعلى رأسهم عميد الأدب العربي د.طه حسين والعقاد وغيرهما.
السودانيون يحتلون الشارع
وفي ظل هذا الازدهار، تم إنشاء العديد من الفنادق الصغيرة منخفضة الأسعار والتي كانت الأسعار وقتها لا تزيد على جنيهين كأجرة للغرفة في اليوم ويرتادها صغار الموظفين والعمال والقادمون من أقاليم مصر المختلفة، وصاحَب إنشاء الفنادق إنشاء عدد من محلات المأكولات والمشروبات مما أدى إلى ازدحام الشارع بالكثير من مرتاديه من المصريين والعرب على السواء.
وتشتهر فنادق كلوت بك والعتبة بوجود السودانيين فيها بكثافة كبيرة، حيث يشكلون نسبة 90% من عدد نزلاء هذه الفنادق يليهم الليبيون ثم أبناء الأقاليم، وعندما تمر بهذا الشارع وأنت تتحرك داخل ميدان العتبة تجد السودانيين نزلاء هذه الفنادق والباعة الجائلين من السودانيين أيضا يتجولون بهذه المنطقة بكثافة لتبادل الزيارات بينهم في فنادق العتبة وشارع كلوت بك ودائماً ما ينتهي بهم المقام أمام تمثال إبراهيم باشا بالقرب من الأوبرا القديمة.
موقع استراتيجي
ويقع شارع كلوت بك في وضع استراتيجي جغرافيا، حيث يبدأ من ميدان رمسيس وينتهي مع ميدان العتبة، وكذلك تجد أن ميدان العتبة الذي ينتهي به شارع كوت بك تتفرع منه أكبر ثلاث شوارع في المنطقة هي شارع عبد العزيز وشارع الأزهر وشارع الجيش.
كما يمتاز شارع كلوت بك ببنايات أثرية مهمة تقوم على طراز معماري أوروبي لها قيمة تراثية وأثرية تاريخية وإن كان بعض الأثريين أشاروا إلى أن عدم إعادة ترميم هذه البنايات بشكل علمي مؤسس قد يعرضها إلى الاندثار تدريجيا، خاصة بعد أن أصبحت ملامح هذه المباني غير جاذبة كما كانت من قبل.
ويرجع ذلك إلى الزحام المتواصل والنشاطات التجارية المكثفة ووجود هذه البنايات منذ عام 1873، حيث أفتتح الشارع الخديو إسماعيل وأطلق عليه اسم كلوت بك نسبة إلى الطبيب الذي جاء إلى مصر لإنشاء مدرسة للطب وقدم خدمات كثيرة في مجاله.
واللافت للنظر أن اللوكاندات القائمة حتى الآن في هذا الشارع لم تتغير ولم تزد أسعارها بما يتناسب مع العصر وذلك لعدم قيام المسؤولين عنها بتطويرها بالشكل المطلوب وذلك يرجع إلى أن أغلب النزلاء اعتادوا دفع أجرة هذه الفنادق في حدود إمكانياتهم وأغلبهم من البسطاء الذين لا يهتمون بالإقامة طويلا، خاصة تجار الشنطة السودانيين أو الصعايدة القادمين من مناطق الصعيد المختلفة لدوافع تجارية أو للعلاج وهؤلاء لا يقيمون في هذه الفنادق أكثر من أيام معدودة لقضاء أغراضهم والعودة من حيث أتوا.
وهناك تعاملات نادرة في هذه الفنادق خاصة أن أغلب زبائنها ارتبطوا بهذه الفنادق منذ سنوات طويلة ويمكنهم الإقامة لأي فترة يريدونها وإذا تعثروا في الدفع يعودون إلى بلادهم أو مناطقهم ويدفعون وقتما يعودون وكل ذلك بدون مكاتبات أو إيصالات كما هو معتاد في مثل هذه الحالات.
وشارع كلوت بك أشهر شوارع القاهرة الذي يمكنك أن تجد في محلاته المعدوم في السوق بسهولة من قطع غيار أو أدوات النجارة أو الحدادة أو السباكة وغيرها.
القاهرة: دار الإعلام العربية

