انطلقت الدورة الرابعة والثلاثون لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي على مدار 10 أيام بالقاهرة، والتي يشارك فيها نحو 450 فيلما تمثل 71 دولة، وسط العديد من التحديات.

فبينما كانت الآمال معقودة على الدورة الحالية في الارتقاء إلى منصة أرقى المهرجانات السينمائية ورغم التفاؤل الكبير الذي شاع في أوساط النقاد والمهتمين مع بداية الإعلان عن الخطوات الأساسية للمهرجان في دورته الحالية، إلا أن هؤلاء صدموا في ظل استمرار الكثير من العقبات التي لازمت المهرجان في كل دوراته السابقة وكادت أن تقسم ظهره كمهرجان له ثقله الإقليمي . وفي بلد تعد الأقدم والأشهر في مجال صناعة السينما، فنفس هذه العقبات تتجدد هذا العام بقوة وبشكل أكبر رغم الجهود الكبيرة التي بذلتها إدارة المهرجان باستقطاب أهم الأفلام العالمية والذي وصل عددها إلى 16 فيلما للمشاركة في المسابقة الدولية..

وما يدعو للحزن أيضا غياب الفيلم المصري المؤهل للمنافسة هذا العام؛ والذي قد يؤثر بشكل مباشر على الإقبال الجماهيري للمهرجان، فلم تجد إدارة المهرجان هذا العام سوى فيلم «الشوق» للفنانة المثيرة للجدل روبي ليمثل مصر في المسابقة الرسمية، وسط توقعات بأن يكتفي الفيلم بالمشاركة فقط دون أمل في الحصول على جوائز نظرا لقوة الأفلام المنافسة له.

أزمة دور العرض

ويأتي على رأس الأزمات التي يواجهها المهرجان هذا العام هي عدم وجود دور عرض كافية لعرض أفلام المهرجان، حيث تزامن توقيت المهرجان مع عرض كبار النجوم المصرية لأفلامهم في موسم عيد الأضحى المبارك والتي يستمر عرضها حتى منتصف ديسمبر القادم وهذه الأفلام تسيطر على كل دور العرض، وكثير من المنتجين الذين يعرضون أعمالهم في هذا الموسم يمتلكون أغلب دور العرض الموجودة في القاهرة.

وهذا الوضع وصفه أحد النقاد بأن إدارة المهرجان كأنها قد طبخت طبخة جميلة ورائعة ولكن ربما لا تجد من يتذوقها في إشارة إلى استقطاب المهرجان أفلاما عالمية كبيرة ومؤثرة يصعب عرضها في هذه الظروف.

وهذا ما دعا إدارة المهرجان للبحث عن بديل لحل هذه المعضلة، وسط احتمالات أن تلجأ إدارة المهرجان إلى قاعات دار الأوبرا المصرية التي تشهد حفلي الافتتاح والختام لعرض بعض هذه الأفلام وإن كانت قاعات الأوبرا قليلة لاستيعاب أفلام مهرجان كبير يعد الأكبر في المنطقة.

وكانت محاولات سابقة قد جرت مع عدد من المنتجين لسحب أفلامهم من دور العرض حتى نهاية المهرجان ثم إعادة عرضها، إلا أن المنتجين أكدوا بأن موسم عيد الأضحى يعد الموسم الأهم، خاصة في ظل الظروف التي تعرضت لها شركات الإنتاج هذا العام في الموسم الصيفي الذي تقاطعت معه أحداث أثرت سلبًا على نجاح الموسم وأولها كان كأس العالم ثم امتحانات المدارس ثم دخول شهر رمضان هذا العام في عمق الموسم الصيفي.

وقال المنتجون إنهم علقوا كل أمالهم على موسم عيد الأضحى المبارك وليس من الممكن سحب الأفلام بعد أسابيع من بداية عرضها؛ لأن رفع الأفلام عن دور العرض يعني ذبح الفيلم المعروض، خاصة أن أي فيلم يرفع عن دور العرض ويتم إعادة عرضه لن يجد القبول، وقد يعتقد البعض أن هناك أسبابا إنتاجية أو ضعف الفيلم أدى إلى رفعه أصلا وقد لا يصدقون أن ذلك بسبب المهرجان مما يسبب ضررا أدبيا وماديا للفيلم.

هجوم عنيف

ومن المعضلات الكبيرة التي تواجه الدورة الرابعة والثلاثين أيضا أن الدولة صاحبة المهرجان لم تجد فيلما مناسبا غير فيلم «الشوق»، يستطيع أن ينافس في هذا العرس السينمائي الكبير، وهذا يقودنا إلى تصريح للفنانة نيللي كريم لأحدى الصحف المصرية بأنها لا ترحب بعرض أي من أفلامها في مهرجان القاهرة السينمائي رغم أن هذا شأن الجهات الإنتاجية.

مشيرة إلى أن الأفلام المصرية عندما تدخل مسابقات المهرجان تواجه هجوما عنيفا مما يؤثر سلباً على مستقبل الفيلم تجاريا؛ وبالتالي يفتقد للمشاهدة التي تناسب حجم وأهمية الفيلم، في إشارة من نيللى كريم إلى ما حدث لفيلمها (آخر الدنيا) الذي واجه هجومًا شرسًا قبل عرضه جعل الكثيرين لا يشاهدونه.

مفاجآت

إلى هنا يتوقع النقاد والمهتمون أن يواجه المهرجان في ظل هذه الظروف مشكلات كثيرة في التنظيم والترتيبات التي تصاحب المهرجان أثناء انعقاده، خاصة في ظل المفاجآت العديدة التي واجهت المهرجان قبل انعقاده، وحمل الكثيرون إدارة المهرجان المسؤولية باعتبارها لم تقم بالتحضير لهذه الدورة وفق دراسة وافية ورؤية موضوعية وأن تضع في اعتبارها كل الحسابات تحسبا لمثل هذه الطوارئ والمشكلات المكررة والتي قد تطيح بكل الجهود التي قاموا بها.

وكذلك من الأزمات الملحة والمستمرة لهذا المهرجان هي الظروف المالية التي يتعرض لها كل عام وهذا العام على وجه التحديد رغم أن رئيس المهرجان عزت أبوعوف كان قد أعلن عن رفع ميزانية المهرجان إلى عشرة ملايين جنيه إلا أن كثيرا من النقاد اعتبروا هذا المبلغ متواضعا أمام حجم وتاريخ المهرجان.

دفاع

فيما دافع رئيس المهرجان د.عزت أبو عوف عن تحضيرات إدارة المهرجان والقيمة التي يمثلها مهرجان القاهرة السينمائي، مؤكدا أنه ما زال يحتفظ بتلك القيمة ويتميز بنجومه الذين يعتبرون العمود الفقري لأي مهرجان عربي آخر، وقال إن هذه الدورة تشهد اختلافا كبيرًا من حيث الشكل والمضمون وأرجع ذلك لتعدد الراعين للمهرجان بدلا مما كان سابقا فضلا عن زيادة ميزانية المهرجان.

وقال أبوعوف إن موسم عيد الأضحى المبارك قد أثر كثيرا على خططهم وبرنامجهم ولكنهم يسعون للبدائل المناسبة، مشيرا إلى أن هناك مشكلة أخرى لم ينتبه لها الكثيرون وهي تزامن انتخابات مجلس الشعب المصري مع بداية المهرجان، حيث أثر ذلك على المهرجان إعلاميا مما صعب المهمة في إيجاد تفاعل قوى مع الجمهور.

ويبدو أن رئيس مهرجان القاهرة السينمائي يواجه كثيرا من المعضلات والتحديات يحاول بعلاقاته وخبراته تجاوزها رغم الهجوم الذي يواجهه من الصحافة المصرية كل يوم والتي بررها أبو عوف بأنه ليس الوحيد الذي تعرض للهجوم، وقال:

كل الرؤساء الذين تعاقبوا على إدارة هذا المهرجان بدءا من سعد الدين وهبه وإلى الآن تعرضوا للهجوم من وسائل الإعلام، مشيرًا إلى أن مهاجمة المهرجان يعد كارثة ولا أحد يدرك ذلك.

الناقد عصام زكريا رأى أن مشكلة المهرجان الحقيقية تكمن في القائمين على تنظيمه، وأيضاً تتحمل الدولة بشكل غير مباشر مسئولية أخرى في مباشرة المهرجان.

مشيرا إلى أن رعاة المهرجان يتسببون أيضا في خروج المهرجان بشكل غير لائق، إلى جانب أن تبعية المهرجان لوزارة الثقافة جعلت رجال الأعمال يهربون من رعايته لإحساسهم أن وزارة الثقافة لديها حالة من التعالي والغرور في أن يكون المهرجان مسئولا مسئولية تامة وكاملة من رجال الأعمال.

ولذلك شعروا أن كل ما يقومون بدفعه من أموال لرعاية المهرجان لا يحصدون ربعه من وراء المهرجان؛ لأن الأموال التي يدفعها الراعي لا بد أن يأخذ في مقابلها دعاية لنفسه ودعاية لشركاته، وأيضا مكانة اجتماعية في مقابل رعايته للمهرجان.

أما بخصوص تفوق المهرجانات العربية، وعلى رأسها مهرجان دبي قال زكريا: لست من هواة المقارنة لكن الذي يعنيني بالدرجة الأولى هو مهرجان بلدي الذي لابد من إصلاح أخطائه وإظهاره بصورة حضارية مشرفة كي ينافس المهرجانات العالمية ليس فقط منافسة المهرجانات العربية وليدة اليوم.. وأعرب عن أمله في أن تكون جميع المهرجانات العربية في صورة مشرفة؛ كونها تقدم صورة حضارية للعرب في الخارج.

القاهرة - دار الإعلام العربية