بالرغم من اشتهار آلة «الهارب» عند الفراعنة حيث كان يتم توظيفها في الطقوس الدينية في المعابد، إلا أنها عرفت طريقها للشهرة الحقيقية عن طريق منال محيي الدين التي تظهر في كافة حفلاتها وهي تحتضن الهارب كأنه طفلها الوحيد فتنساب أصابعها على أوتاره فتصدر ألحانا أصيلة..
والهارب آلة تعتمد فكرتها على تجويف الخشب وتجفيفه نهائيا ثم تشد عليه الأوتار فتصدر رنينا، وهو ما أبدعت فيه العازفة المصرية التي دخلت أخيرا عالم الكاسيت مقدمة أول ألبوم يحتوي على أجمل ما قدمته خلال السنوات العشر الماضية، التقاها «الحواس الخمس» واستعرض معها مشوارها الفني مع تلك الآلة الفرعونية وهذا نص الحوار. من بين 100 آلة موسيقية اختارت منال «الهارب» للعزف عليها.. وعندما سألناها عن سر ذلك قالت: يعود هذا إلى جذوري الفنية فأسرتي لديها تذوق فني عال جداً يختلف عن كافة الأسر المصرية، حيث استطاع والدي الفنان محيي الدين حسن رائد فن الخزف في الوطن العربي أن ينمي فينا جميعاً روح الذوق الموسيقي.
ودفعني هذا لاختيار آلة الهارب بالذات بعدما لاحظت أنها آلة فردية وتشبه السمسمية إلى حد كبير لكن نغماتها تختلف تماماً فقررت أن أتعلم العزف عليها، ولم يكن هذا بالأمر السهل خاصة أنها آلة صعبة للغاية عكس باقي الآلات الموسيقية ورغم ذلك تولدت بيننا عاطفة قوية وبدأت أشعر معها بأنني أم تحتضن طفلتها الصغيرة .
موهبة غير عادية
وعن علاقتها بآلتها تقول : علاقتي بها بدأت وأنا طفلة لم يتجاوز عمري الـ 10 سنوات واستطعت خلال فترة قصيرة للغاية الوقوف على المسرح والعزف، وقبل أن أكمل المرحلة الثانوية التحقت بمعهد الكونسرفتوار فتعلمت هناك أصول الموسيقى وقرأت الكثير والكثير عن هذه الآلة التي شعرت معها بدفء غير عادي وألفة لم أشعر بها من قبل فانبهرت أستاذتي في العزف بطريقة عزفي مؤكدة أنني أعزف بطريقة يحاول كافة الموسيقيين اجتنابها والابتعاد عنها.
تحتاج الآلة الى موهبة غير عادية وسرعة في البديهة بحسب منال ، علاوة على إجادة التعامل مع الآلات الضخمة وفوق كل هذا وذاك أنها تحتاج إلى تدريب متواصل وقراءة يومية للنوتة الموسيقية عكس آلات أخرى التي من الممكن أن يقدم الملحن المقطوعة الموسيقية بأكملها دون أن ينظر في النوتة الموسيقية ويعتمد فقط علي السماع .
لكن الملاحظ في الوقت الحالي أن دراسة هذه الآلة بدأ يتضاعف في الوقت الحالي ، وفي بدايتي الفنية شعرت بنفس الصعوبة وقررت أن أدرس آلة مختلفة لكن شقيقي المايسترو شريف محيي الدين أقنعني بأنني سأكون منفردة في هذا اللون من العزف الذي يبتعد عنه الموسيقيون.
جمهور ذواق
وعمّا إذا كانت واجهتها عقبات عبر مشوارها الفني تقول : واجهت العديد من المشاكل والصعوبات لكنني تحليت بالصبر وكثفت من التدريب والقراءة وتحديت كافة الصعوبات حتى حققت الانتشار لهذه الآلة التي افتقدت لمكانتها منذ تخلي الكثيرين عن العزف عليها، فللهارب الآن جمهور ذواق ينقي مسامعه من الموسيقي الصاخبة خاصة مع انحدار الذوق والثقافة الموسيقية وما أتبعها من تراجع الموسيقى البصرية لصالح الموسيقى السمعية.
وتقصد منال بالموسيقى البصرية الفيديو كليب الذي أصبح الجميع يلتفون حوله بهدف المشاهدة فقط وليس بغرض الاستماع حتى أصبحت الثقافة البصرية تفوق الثقافة السمعية بكثير، فقد تسببت الموسيقى الهابطة والراقصات الروسيات كما تقول في جذب المشاهد إلى الكليبات التي تعتمد على العري والإسفاف والابتذال .
وعن أوجه الشبه والاختلاف بين الهارب و«القانون» ، تقول :الهارب آلة «نبرية » مثل القانون تماماً وعلى مدى السنوات الطويلة لانتشار الموسيقى والدراسات الموسيقية لم يقم أحد من الموسيقيين بكتابة أي مقطوعات خاصة بها حتى قرر الموسيقار فتحي سلامة كتابة أول مقطوعة لها بعنوان «نهاوند» ، وقد انبهر سلامه بهذه الآلة واستطاع أن يقوم بتعديل بعض موسيقي أغنياته وأعاد توزيعها من جديد حتى تناسب إمكانيات آلة ( الهارب ) .
نوتة خاصة
وأضافت : أعاد سلامة صياغة مقطوعة دعاء للموسيقار عمر خيرت وميس الريم لزيادة الرحباني والقمح الليلة لمحمد عبد الوهاب وعطشان ياصبايا وطلعت يا محلا نورها لسيد درويش وهى مقطوعات مازلت أقدمها في كافة حفلاتي سواء بالأوبرا أو خارج مصر.
مؤكدة على تواجد نوتة خاصة بآلة «الهارب»تحتوي على نوعي الموسيقي الشرقية والغربية،حيث يتم اختبار العمل الموسيقي الذي يمكن صياغته من خلال موسيقار على دراية كاملة بالتأليف الموسيقي ويتم بعدها عقد جلسات بين العازف والموسيقار للوصول إلى الشكل النهائي حيث يجيد كتابة هذا النوع من النوت الموسيقية رامز صبري ومحمد سعد باشا.
شهرة واسعة
الناي والأكورديون من الآلات الأساسية التي يجب أن تصاحب آلة الهارب في عزف المقطوعات الموسيقية كما تقول منال، أما في حالة الموسيقى الكلاسيكية فلا تحتاج إلي الناي والأكورديون لأنها مكتوبة بطريقة تسمح بإدخال الهارب عليها بدون أي تعديلات تذكر .
وعن المكانة التي وصلت إليها تلك الآلة على الساحة العالمية تقول :تحظي بشهرة واسعة ولا يقتصر وجودها على مصر فقط لكنها موجودة في عدة دول وتلقى انتشارا واسعاً في أمريكا لكن بشكل مختلف حيث لا يتم العزف عليها من خلال الأوركسترا بل تقدم منفردة في غرف العمليات الخاصة بجراحات القلب.
وذلك بعدما توصل أحد الخبراء إلى العلاقة الوطيدة بين الهارب وتنظيم ضربات القلب بسبب صوت الموسيقى النابع من الآلة، بجانب ذلك فهذه الآلة منتشرة بشكل كبير في الحفلات الكلاسيكية في جميع دول العالم خاصة إيطاليا وفرنسا والنمسا وبريطانيا وحضورها في الموسيقى الكلاسيكية يفوق حضورها في الشرقية .
حضور عالمي
ومن الصعوبات التي تواجه أي عازف يحاول العزف عليها ، تقول :أكبر مشكلة تواجه العازفين عدم وجود نوتة موسيقية لهذه الآلة إلا إذا كتبت خصيصاً لها، علاوة على ارتفاع ثمنها حيث يصل إلى 60 ألف جنيه وطريقة الجلوس تعد صعبة لمن يعانون من أي مشاكل في الظهر حيث يظل العازف يحتضنها عدة ساعات.
بعد خروج ألبومها الأول إلى النور منذ عام تحتاج منال الى4 سنوات على الأقل لإصدار ألبومها الثاني، لأن ذلك يحتاج منها كما تقول جهداً ووقتاً لاختيار أفضل الأغاني التي تصلح لإدخال الماريمبا عليها وحتى يتم إعادة صياغتها موسيقياً حتى تناسب آلة الهارب .
القاهرة - دار الاعلام العربية

