يعكف الكاتب عدنان عودة على كتابة مسلسله الجديد «أنا وصدام» الذي ينتظر أن يخرجه الفنان الليث حجو وتنتحه شركة الفردوس التي تمتلكها الفنانة لورا أبو أسعد.. ويعالج الكاتب عودة «حكاية شخصية سورية من مدينة البوكمال السورية الحدودية (ناصر العاني)، تجمعه علاقة ما مع الرئيس العراقي السابق صدام حسين إثر هربه إلى سوريا في العام 1959 بعد مشاركته آنذاك في محاولة الاغتيال الفاشلة لعبد الكريم قاسم...
وتبرز حكاية الرئيس صدام وتجربته في حكم العراق من البداية حتى سقوطه لتكون الإطار القدري (الزماني-المكاني) الذي عاشت أحداثه شخصيات المسلسل، وتفاعلت وانفعلت مع ما قام به من أفعال أثرت على حياة شخصية ناصر العاني كفرد، وعلى مجتمعات المنطقة بشكل عام...، وفق ما شرح الكاتب عودة الذي حاوره «الحواس الخمس» في اللقاء التالي.. العمل يبدأ من بداية الستينات وإلى أي فترة سيمتد من وقتنا الحالي، وما الذي ستقوم باستحضاره من تلك المرحلة بما فيها الأحداث السياسية الكبرى التي حدثت في هذه الفترة؟
الفترة الزمنية التي سيغطيها العمل، فإنها ستمتد من العام 1959 سنة هروب صدام حسين إلى سوريا، وحتى العام 2006 تاريخ إعدامه في بغداد، مروراً بالعديد من الأحداث الكبرى التي عصفت بالتاريخ المعاصر لقطري سوريا والعراق.
أما الحدث الأهم الذي سأستحضره، هو محاولة حزب البعث العراقي اغتيال عبد الكريم قاسم في العام 1959 بدعم من الجمهورية المتحدة بقيادة جمال عبد الناصر، ثم استلام حزب البعث للسلطة في كل من سوريا والعراق في العام 1963، غير أن الأهم من استحضار الأحداث الكبرى، هو استحضار المناخ الديمقراطي، حيث كان التفكير الأيديولوجي هو السائد، حيث تجد في العائلة الواحدة أخاً ينتمي لحزب البعث، وآخر ينتمي للحزب الشيوعي.
وثالث ينتمي لجماعة الاخوان المسلمين، وكل واحد من هؤلاء يسعى لقول رأيه في مناخ يتسم بالديمقراطية إلى حدٍ ما، وبالمقارنة بين هذه الفترة، والفترة التي نعيشها الآن، حيث عادت السيطرة للعصبية الطائفية والعشائرية من جديد، ما يجعل من الستينات زمناً جميلاً أو فردوساً مفقوداً، حيث يتضح بالمقارنة حال التراجع الفكري والسياسي الذي نعيشه الآن.
حكاية العمل اختمرت
هل تجدون أن الحكاية العراقية في مسلسلكم قد اختمرت، واكتملت فصولها وخيوطها لدرجة يمكن تناولها في مسلسل درامي؟
على اعتبار أنني كاتب درامي محترف، فانني أستطيع القول ان حكاية العمل اختمرت، وأنا الآن بصدد كتابة السيناريو والحوار للمسلسل، وذلك بعد أن انتهيت من مرحلة تحضير استمرت شهرين، قرأت فيها ما يلزم من مراجع عن سوريا والعراق، وعن حياة الرئيس صدام حسين تحديداً.
ومن وجهات نظر مختلفة، إضافة إلى الإطلاع على العديد من الوثائق، ومشاهدة العديد من الأفلام السينمائية المتعلّقة بهذا الموضوع، وفي النهاية كان لا بد من الاستعانة بخبراء مختصين بالشأن العراقي، لتوضيح ما هو غائب عني، وهذا ما ساعدني به الصديق الصحافي محمد عبد الرحيم، والمخرج المسرحي باسم قهار.
من خلال ما أنجزته في «أنا وصدام» ، ما الحدود التي تضعها لنفسك لسحب الوثيقة نحو المتخيل أو العكس؟
في ما أكتبه في «أنا وصدام»، يختلف الأمر عما قدّمته في فنجان الدم وأبواب الغيم، ذلك أنه في العملين السابقين كان للخيال مساحة أكبر، أما في «أنا وصدام»، فإن الجزء الأكبر محكوم بالالتزام بالوثيقة، وخصوصاً أن الأحداث التي يتناولها العمل معاصرة، وبالتالي فإن صانعيها والمشاركين فيها ما زالوا أحياء.
ومع ذلك فقد سعيت في بعض الأماكن لتطويع الوثيقة لصالح الدراما، فمثلاً ، قصة هرب صدام إلى سوريا في 1959 هي قصة معروفة، وهناك الكثير ممن كانوا شهوداً عليها، غير أنني في كتابتي لها في المسلسل، طوعتها للدراما ما يجعلها تختلف في بعض تفاصيلها عما حدث بالفعل، والقصد طبعاً هو إحداث حالة من التشويق في المسلسل، وهذا ما سأعتمده في الكثير من أحداثه.
في «أنا صدام» كما في مسلسلك «أبواب الغيم» تبحث في حكايات ليست بريئة عن اطار زمني ومكاني بعينه ، هل ذلك واحد من ملامح مشروع درامي ، تقديم دراما على حافة الوثيقة على نحو ندمج ما هو متخيل بما هو واقعي.
أعتقد أن الكتابة بشكلها العام، هي اتخاذ لموقف من العالم، وطرح للأسئلة، حول وجودنا وما يحيط بنا، ولذا فالكتابة الدرامية بالنسبة لي، هي إعادة لخلق العالم من حولي كما أفهمه..إنها عملية معقدة لتفكيك الحدث ، الزمان، المكان الذي نعيشه، ومن ثم إعادة تركيبه، في حكايات وحبكات وشخصيات ومقولات القصد منها مناقشة أسئلة حول أحداث راهنة.
ولهذا فالدراما التلفزيونية التي لا تجيب عن أسئلة الخبر الستة:-ماذا حدث-مع من حدث-متى حدث-أين حدث-كيف حدث-لماذا حدث؟..هي دراما تصلح لمشاهدي الكواكب الأخرى، لا لمشاهدي كوكبنا الأرضي.
وعلى هذا الأساس، فإن فنجان الدم وأبواب الغيم، وأخيراً أنا وصدام، هي أعمال تتحايل على الواقع عبر الدراما، للتمكن من تفكيكه، ومن ثم إعادة تركيبه مستندة على الوثيقة بجانب منها وعلى الخيال بجانب آخر.إنها لعبة المحاكاة التي تتيح لي إمكانية القول المؤثر، الذي لا تستطيع الوثيقة أن تقدمه لوحدها، ولا الخيال لوحده، ولذا لا بد من المزاوجة بين هذين العنصرين، لتتحقق ثنائية المتعة والفائدة في الأعمال التي أقدمها للتلفزيون.
الحكاية والحبكة
دائما يخشى في مثل هذه الاعمال من مساحة التنظير والخطابات السياسية ، هل أخذت بعين الاعتبار ذلك، وكيف تجاوزته؟
أنا من الكتاب الذين يخلصون للدراما، ولذا فإنني معني بالحكاية والحبكة ومنطق الشخصيات والتصعيد الدرامي، وإلى ما هنالك.
إنني ببساطة أحفظ عشرة آلاف بيت لأصبح شاعراً، غير أنني بمجرد المباشرة بكتابة الشعر علي أن أنسى الأبيات التي حفظت، وهذا ما فعلته..لقد قرأت ما ينوف على عشرين كتاباً مهماً عن العراق وسوريا، غير أني نسيت كل ذلك بمجرد أن باشرت بكتابة المشهد الأول..ذلك أن المهم بالنسبة لي هو الدراما ولا شيء آخر.
في «أبواب الغيم» تابعنا ملحمة بدوية..وكأننا نجد أنفسنا أما ملحمة أخرى في «أنا صدام»..هل في ذلك جزء من هواجسك بتقديم الأعمال الضخمة..وألا ترى أن هذا الهاجس مكانه الأنسب هو السينما .
أنا معني ككاتب بتحليل الظواهر، لا بقراءة النتائج، ولهذا فإني لا أميل لكتابة الأعمال التي تناقش الآن وفقط.
إنني أرى اليوم، هو البارحة وغداً في آن معاً، وأرى الفرد صورة للجماعة، والجماعة انعكاساً للفرد، إضافة أن الزمان وجه للمكان، والمكان مساحة للزمان، وبطبيعة الحال، فإن هذا جميعه، لا ينعكس إلا في النوع الملحمي، الذي تندرج فيه أعمالي..إني مشغول دائماً بأسئلة حول تاريخ منطقتنا وحاضرها ومستقبلها، وكذا شاغل يحتاج أعمالاً ضخمة تمتد بالشخصيات والأحداث عبر الزمان والمكان، بما يقدم صورة واسعة عن الحياة المعقدة التي نعيشها كعرب.
أما فيما يخص أن تكون هذه الأعمال للسينما، فهذا ما أتمنى أن يكون، لأن الكتابة الدرامية هي رواية بالصور، وما من مكان أفضل لتنفيذ هذه الصور وعرضها أكثر من السينما، غير أن هذا الأمر ليس متوفراً الآن في العالم العربي، ولهذا فلابد من استخدام القناة البديلة، ألا وهي التلفزيون.
مشاريع خاصة
الدراما السورية تحفل اليوم بالعديد من الكتاب المحترفين والجيدين، ولكل منهم مشروعه الخاص، وهذا ما يعطي هذه الدراما فسحة للتنوع وللتجدد، وما مشروعي الدرامي من فنجان الدم مروراً بأبواب الغيم وصولاً إلى أنا وصدام إلا رافد في نهر الدراما السورية، بما يغنيها، ويدفعها خطوة أخرى إلى الأمام.
أولويات الدراما السورية أن تقدم مواضيع متنوعة وراهنة، وأعتقد أن مسلسلي «أنا وصدام» يأتي في هذا السياق.
دمشق- ماهر منصور

