يستمر فيلم «شتي يا دني» لبهيج حجيج في حصد الجوائز والتكريمات لإدارة مخرجه وأداء ابطاله. الفيلم الذي ساهم مهرجان أبوظبي السينمائي الدولي بتمويله ضمن منحة «سند»، تناول محورا مأزوما في تاريخ الحرب الأهلية اللبنانية، لم تنته تبعاته حتى اليوم.
وهو اختفاء عدد من الرجال والنساء الذين شاركوا بشكل أو بآخر، أو حتى لم يكن لهم أي ارتباط، بعمليات الحرب. ومع جوليا قصار وكارمن لبس، وقف حسان مراد، الذي يعرفه الجمهور اللبناني جيدا عبر المسرح، والعربي عبر الدراما، وراء كاميرا حجيج ليجسد دور رامز المخطوف العائد الى أسرته بعد أكثر من عقدين من الزمن بكثير من الألم والتشتت والبحث عن الذات والآخر.أدى مراد الدور بتركيبته النفسية المعقدة، واستحق عن هذا الأداء جائزة افضل ممثل من مهرجان بروكسل الدولي للأفلام المستقلة، كما يشارك في مهرجاني القاهرة ووهران عبر هذا الفيلم. معه كان هذا الحوار.
شخصية «رامز» تختزل الكثير من عبثية الحرب اللبنانية وتشتت المستقبل وضياع الهوية. كيف تمكنت من التقاط خيوطها، وهل ساعدتك خبرتك المسرحية في هذا المجال؟ المسرح مختلف عن السينما. حين أقرأ سيناريو لفيلم أتعامل معه كأنه «نيجاتيف»، أقوم بتظهيره شيئا فشيئا مستعينا بخزين شخصي يكون في داخلي محجوزاً في مكان ما نتيجة القراءات والخبرات والمشاهدات والتأملات الشخصية. أيضا أقوم بالبحث حين يتعلق الأمر بالشخصية المركبة، التي ترتبط بحيثيات تاريخية أو جيوسياسية، كما هو الأمر بالنسبة الى شخصية رامز، الأب العائد الى زوجته، وابنيه من عتمة المعتقل الذي احتجز فيه لأكثر من عقدين.
وهذا نمط من الشخصيات قد يوقعك في فخ التنميط وأداء «الكليشيه» حول العائد المصدوم أو المشتت، لكنني كنت حريصا على الابتعاد عن كل ما قدم حول هذه الانماط من قبل، وتقديم رامز برؤية جديدة، وقد استشعر الجمهور هذا الأمر. أي المشاهد كانت الأكثر إرهاقا في هذا المجال، أكاد أجزم أنها مشاهد نوبات الرهاب الشديد. بالفعل، ذلك المشهد الذي يركض فيه رامز خائفا في الشارع، ثم يلتجيء الى مدخل مبنى، ويصادف وجود زوجة أحد المخطوفين تسكن في الشقة. هذا الهروب يخلق سؤلا لدى المشاهد، فرامز يبدو كما لو أنه يعرف وجهته، مع أننا لا نشاهد ذلك في الفيلم من قبل، وكأن لا وعيه، أو وعيه، يقوده الى تلك المرأة. هذه لعبة مؤثرة، وقد استلزم المشهد مني حضورا نفسيا كبيرا.
انفعالاتك في الفيلم لم تبد عنيفة، عكس ما قد يتخيل المرء للوهلة الأولى بالنسبة إلى شخصية مخطوف يواجه فقدانه تاريخه وارتباطه بأولاده. تعتمد أكثر على إبراز الأحاسيس والأفكار عبر لغة العيون والإشارات..
بالطبع، فأنا حرصت على الابتعاد عن «الكليشيه» (النمط)، وأجد أن الاشتغال على التفاصيل، وتحديداً لغة الاشارات بالنسبة إلى الأصابع والعينين، ضروري لهكذا نوعية من الأدوار.
هل تعيد مشاهدك أكثر من مرة لتصل إلى درجة القناعة؟
لست من هواة هذا التقليد، أعتقد بأن المرة الأولى أو الثانية كأقصى حد كفيلة بإخراج الإحساس المطلوب. المشهد الأول للقطة يضعني دوما على السكة. أحب المرة الأولى دوما، وأشاهد على بلاتوه التسجيل ما صورت، بعكس عدد كبير من الفنانين الذين لا يهوون هذا الأمر.
ما حدود تعامل المخرج مع إدارتك كممثل، كيف تصرف معك بهيج حجيج؟
لا يمكن للممثل أن يرتجل بعيدا عن المخرج. هذا لا يعني ألا تكون لديه مساحة الارتجال وأن يتقيد بالمكتوب حرفيا، فكما ذكرت المكتوب «نيجاتيف» مطلوب تظهيره، لكن على هذا الارتجال أن يكون مضبوطا من قبل المخرج، ولا يخرج عن الحدود التي يضعها بوصفه ناظم العمل، والشاهد على صورته الكلية. بهيج مخرج متميز، ولديه أدواته، وهو يعرف كيف يترك مساحة لممثليه، ولا يدخل إلى جلودهم.
هناك دوما تحد يواجه صناع الأفلام الراغبين بالتطرق الى موضوعة الحرب الأهلية في لبنان، وهو إعادة نكيء الجراح، وفتح ملفات يرغب الجميع بغلقها، خاصة في لحظة سياسية متوترة. كيف تم النظر الى فيلم «شتي يا دني» ضمن هذه المعادلة؟
أوافقك الرأي تماما، لكن قضية المخطوفين تحديدا، تمس جميع اللبنانيين، بمختلف طوائفهم ومشاربهم. والمخطوف لا دين أو مذهباً حصرياً له. انها قضية وطنية، وعدم استرجاعها والتحدث عنها أمر غير صحي، فلا تزال العشرات من العائلات اللبنانية تنتظر حتى اليوم عودة مخطوفيها.
أعتقد بأن الفيلم مؤثر جدا، وسياق اللحظة التي تحدثت عنها، قد يكون ضروريا لإخراج هكذا عمل يذكر اللبنانيين بأن الجميع عانى من ويلات الحرب، ولذلك على الجميع أخذ الدروس والحيطة.
أفضل ممثل من بروكسل
حصل حسّان مراد على جائزة أفضل ممثل من مهرجان بروكسل الدولي للأفلام المستقلة عن دوره في فيلم «شتي يا دني» لبهيج حجيج. وكان الفيلم بدأ مشواره من مهرجان أبوظبي السينمائي في شهر سبتمبر الفائت عندما نال منحة لمراحل الإنتاج النهائية من صندوق «سند»، أعقبها عرضه العالمي الأول في الدورة الرابعة من المهرجان التي انعقدت بين 14 و23 أكتوبر ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة.
واكتملت حظوظ الفيلم في اليوم الأخير عندما أعلنت لجنة التحكيم برئاسة المخرج الأرجنتيني لويس بوينزو فوزه باللؤلؤة السوداء لأفضل فيلم من العالم العربي في المسابقة.
عُرض «شتي يا دني» في الدورة السابعة والثلاثين لمهرجان بروكسل الدولي للأفلام المستقلة (2 إلى 7 نوفمبر) في المسابقة الدولية إلى جانب عدد من الأفلام، من بينها المصري «إحكي يا شهرزاد» ليسري نصر الله، والمكسيكي «بدون شمال» (Northless) لريغوبرتو بيريزكانو، اللذين عُرضا في مسابقة مهرجان أبوظبي السينمائي في دورته الثالثة.
كلاكيت ثاني مرة: مخطوفون!
يجسّد حسّان مراد في «شتّي يا دني» دور «رامز» الذي خطف إبان الحرب اللبنانية، وانقطعت أخباره لنحو عشرين عاماً. تبدأ أحداث الفيلم مع عودته، وتسجّل يوميات اغترابه عن العائلة والمجتمع والوطن. وتُعتبر مقاربة المخرج بهيج حجيج في فيلمه الروائي الثاني (بعد « زنّار النّار» عام 2004) عودة ثانية إلى موضوع المخطوفين، الذي تناوله في فيلم وثائقي سابق له في عنوان «مخطوفون» (2004).
كما أن اختياره معالجة الفكرة من زاوية «العائد» تُعدّ تنويعة على موضوع حاضر بقوة في العيش اليومي للبنانيين، كما في الانعكاسات الفنية والثقافية والأدبية لأفراده، غالباً من زاوية «المنتظرين».
وشكّل «شتي يا دني» عودة من نوع آخر لحسان مراد الممثل المسرحي والتلفزيوني الغائب منذ فترة عن المشهد الفني. إلى جانبه، وقف عدد من الممثلين، في مقدمتهم جوليا قصّار وكارمن لبّس وإيلي متري وديامان بوعبّود.
حوار- إبراهيم توتونجي



