ما بين أصوات قرع الطبول والآلة الموسيقية المعروفة بالمزمار، والتي قد تتناغم معها خطوات الخيول في سيمفونية لا يفسرها إلا عازفو هذه النغمات، وآذان تلك الخيول، يلتف جموع من الناس لا تكف أفواههم عن إلقاء البسمات المصاحبة للهتاف في كثير من الأحيان على غرار «احنا معاك.. احنا وراءك.. ابن بلدنا».
ووقتها لا يشبع فضول معرفة السبب سوى ما تحمله أيادي تلك الجموع من لافتات أو شخص وسط كل ذلك يشارك هو الآخر بإلقاء البسمات مع إيماءة الرأس لتحية المارة،.وقد يكون حاملا لعصا تتمايل مع أنغام المزمار والطبول، وأحياناً أخرى تختفي أصوات الطبول والمزمار ليحل محلهما أصوات السيارات أو الدراجات النارية أو مكبرات الصوت «ميكروفونات» مع بقاء التفاف الناس حول ذلك الشخص المعروف بينهم ب«ابن الدائرة» أو سيادة النائب.
لم يكن ذلك سوى بعض مشاهد أجواء الدعاية الانتخابية التي شهدتها مصر على مدار الأيام الماضية لمرشحي مجلس الشعب «البرلمان»، حيث تبارى نحو 5 آلاف مرشح ومرشحة من الأحزاب المختلفة والمستقلين في ابتكار تقاليع طريفة لجذب أصوات الناخبين إليهم.. (الحواس الخمس) رصد هذه التقاليع والابتكارات. الأوراق المرفق بها البرامج الانتخابية والكتيبات واللافتات جميعها كانت الأدوات الأساسية للدعاية الانتخابية، ولكنها الآن اتخذت موقعها كأدوات ثانوية لا تكفي للفت الانتباه والوصول إلى الفئات العريضة من الشعب المصري في ظل منافسة وصفها غالبية المحللين والصحف المصرية اليومية بأنها الأشرس من نوعها مع تراجع ثقة المصريين في الانتخابات .
واشتداد الصراع بين الحزب الوطني كحزب حاكم وأحزاب المعارضة بشكل عام وجماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص.
لذا سعى جميع المرشحين سواء كان المرشح صغيرا أم كبيرا بمختلف الطرق لجذب المنتخبين إليهم فشهدت الدعاية الانتخابية الكثير من المستجدات التي تجاوزت الإبهار في الصور وتأليف الشعارات والملصقات الورقية.
الحنطور والمزمار البلدي
فوسط أهالي قرية «التين» التابعة لمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية /شمال القاهرة وعلى أنغام المزمار والطبل البلدي، جاء أمين أباظة وزير الزراعة المصري ومرشح الحزب الوطني عن هذه الدائرة ليكون أول الوزراء الذين رقصوا على الحصان وعلى هذه الأنغام من بين 9 وزراء، هم مرشحو الحزب الوطني، وذلك وسط ترديد الأهالي إحدى الأغاني الشعبية «اركب الحنطور واتحنطر» على حد وصف أحد المشاركين في المسيرة.
وهكذا أصبحت مسيرة الطبول والمزمار إحدى السمات الأساسية في الانتخابات، لتتوالى المسيرات مع وزير الإنتاج الحربي سيد مشعل في دائرة حلوان بهتاف الأهالي «هوبا، هوبا، هوبا.. مشعل تحت القبة» ورقص مشعل بالعصا وقام بإنشاد أسماء الله الحسنى عند التقائه بجماهير الدائرة.
وفي أحد شوارع منطقة المعهد الفني بشبرا، على أطراف العاصمة المصرية القاهرة، ولمدة ساعة قام يوسف بطرس غالي وزير المالية المصري وغريب سعد إسماعيل وشهرته «سوسته».
وهما مرشحان الحزب الوطني عن دائرة حلوان، بعقد لقاء شعبي وصاحب اللقاء الرقص والطبول والأحصنة مع أنغام «الدي جي» بأغنية تم تأليفها على أنغامه ورددها الأهالي الملتفون «الكبير كبير سوسته والوزير.. خدموا أهل شبرا الصغير والكبير... مبارك قال هاتوه ده شبعان من بيت أبوه... الباشا ابن الباشا بيقابل الناس ببشاشة... ده دمه خفيف وذوق وخلى أهل شبرا فوق.».
الدعاية بالطماطم
وخلافا لتقليعات الطبول والأحصنة، اتجه البعض الآخر في دعايته إلى استخدام المشاكل التي يعاني منها رجل الشارع في الفترة الأخيرة، خصوصا ارتفاع الأسعار وتأخر الزواج «العنوسة»، فكان للطماطم واسطوانات الغاز «الأنابيب» نصيب من الدعاية الانتخابية للمرشح عبد الغني جمال عن دائرة بولاق الدكرور الذي قام ببيع الطماطم بسعر منخفض يصل إلى ثلاثة جنيهات للكيلو الواحد في الوقت الذي تباع في الأسواق بعشرة جنيهات، وأمام المقر الانتخابي لمحسن صادق مرشح عن دائرة السنبلاوين بمحافظة الدقهلية وتحت شعار «محسن صادق يحارب الغلاء» تم بيع الطماطم بخمس جنيهات.
«بشرى لأهالي أشمون الكرام الدين لله والوطن للجميع، الحاج فايز بركات يضمن وصول الدعم لكل أسرة».. شعار ذكره موقع «الإسماعيلية الإلكتروني» رفعه المرشح فايز إبراهيم عن دائرة أشمون بمحافظة المنوفية وصاحب معرض لتجارة الكاوتشوك واضعا صورته على خلفية علم مصر لتلصق على اسطوانات الغاز مع ملاحظة تشير إلى دفع مبلغ 2 جنيه عن كل «أنبوبة» والتي يقدر ثمنها ب4جنيهات مساهمة منه في دفع نصف ثمنها لرغبته في ترشيح نفسه لانتخابات مجلس الشعب.
الزواج يقتحم الدعاية
وأمام مشكلة الزواج كان هناك وجهان لعملة واحدة وهي الدعاية الانتخابية، حيث قام أحد المرشحين ويدعى أسامة درويش بنشر لافتات وبأسفلها إعلان عن مكتب زواج للشباب مدون عليه عنوان المكتب وأرقام التليفونات الذي هو في مكان اللافتة ذاتها، في حين خصص مرشح آخر بمحافظة أسيوط، صعيد مصر، هو مؤمن الجزار ثلاث سيارات ملاكي لحفلات الزفاف دون مقابل وذلك بعد أن وضع عليها صورته.
الدعاية عبر وصلات الدش
وفي الدائرة ذاتها وعلى مدار ساعة يوميا وجد المرشح أحمد أبوعقرب أن أنسب وسيلة للدعاية هي الأطباق الفضائية «وصلات الدش»، حيث قام بعمل فيلم تسجيلي عنه وبرنامجه الانتخابي وبثه لوصوله إلى جميع منازل الدائرة.
وقد كان للطلاب بما يرتبطون به من أدوات مدرسية شأن لدى بعض المرشحين في محافظتي أسيوط وبورسعيد، حيث قام كل من عبد النبي متولي عثمان وسمير الهواري بتوزيع كشاكيل وكراسات وأدوات مدرسية مطبوع عليها أسماؤهم وصورهم دون مقابل على طلاب دائرتهما حتى وصل عدد ما وزعه نائب بورسعيد 25 ألف كشكول وكراسة، وفق ما نشرته بعض الصحف المصرية.
ولعل الهجوم اللاذع الذي لاقته مسيرات الطبول والمزامير جعل بعض المرشحين يتخذون من المسيرات أسلوبا مختلفا معتمدين فيه على إمكانيات المنطقة وطابع أهلها، ففي مدينة بنها بمحافظة القليوبية القريبة من القاهرة اعتمد شعبان الفقي على سيارات «السوزوكي» المنتشرة ولصق عليها صورة له من الخلف مقابل دفع مبلغ مالي للسائق، وهو الأمر الذي تكرر مع تلك السيارة الصغيرة المنتشرة في شوارع مصر الضيقة والمعروفة باسم «توك توك».
وهي أيضا لصق عليها صور المرشحين، بينما اعتمدت مسيرات أخرى لمرشحين بمحافظة الإسماعيلية على 50 دراجة نارية طافت أرجاء المدينة وضواحيها لمدة خمس ساعات.
مرشحون على المقاهي
وعلى الرغم من الأساليب الجديدة التي جاءت بها الدعاية الانتخابية، إلا أن ذلك لم يمنع من الاستعانة بالأساليب التقليدية مع إدخال بعض التعديلات فقد استمرت الزيارات التي يقوم بها بعض النواب لمنازل أهالي الدائرة ولكن تجاوز الأمر حدود المنازل إلى المرور في أماكن وجود الأهالي حتى على المقاهي.
حيث قامت ماجدة الغويش مرشحة حزب الوفد عن وسط المدينة وسلوى فراج مرشحة الحزب الوطني بالمرور على عدد من المقاهي، وهو كما وصفه أهالي المنطقة سابقة من نوعها.
«صوتك واصل» و«شباب في حب مصر» أسماء لحملات استخدمها كل من جماعة الإخوان المسلمين والحزب الوطني كأسلوب للدعاية الانتخابية، حيث بدأت الأولى بإقامة طلاب جماعة الإخوان المسلمين لمعارض في جميع الكليات وخارجه رافعين لافتات «قوم يا مصري...
بص يا سيدي يوم الأحد حاسم في تاريخ مصر فرصة مش هتتكرر»، وتم وضع قاعدة بيانات لكل الطلاب الذين لهم حق التصويت وعمل بطاقات انتخابية إرشادية مع عرض لملامح البرنامج الانتخابي للإخوان، بينما قامت الثانية بوقفة احتجاجية مضادة لوقفة شباب 6 أبريل، قام خلالها مرشحون بالدعوة إلى إعطاء الفرصة للشباب لقيادة مسيرة التنمية والإصلاح.
«بطة» رمضان و«عجل» العيد
ومع التفكير في ابتكار وسائل وأساليب جديدة للدعاية لا يمكن إغفال الوقت الذي يتم فيه ذلك فقد كان شهر رمضان وفترة عيد الفطر والأضحى أوقات رابحة للدعاية ليظهر نائب «بطة رمضان» الذي اشتهر بها محمد محمود منصور مرشح الحزب الوطني، ونائب «عجل العيد» ذلك اللقب الذي تنافس عليه الكثير وفقا لعدد العجول التي يذبحها ويوزعها على أهالي دائرته.
بينما اكتفى بعض المرشحين بإلقاء الكلمات عقب صلاة العيد مثل جمال أبو بكري مرشح الحزب الوطني أو استقبال التهاني بعد الصلاة وتوزيع البرنامج الانتخابي مثل سعد الكتاتني مرشح الإخوان المسلمين أو مجرد الحضور بين صفوف الأهالي مثلما فعل سامح فهمي مرشح الحزب الوطني عن دائرة مدينة نصر، حيث قام بأداء صلاة العيد بمسجد رابعة العدوية بين أهالي دائرته.
الدعاية بالدراجة
ولم يقتصر ابتكار أساليب جديدة للدعاية على مرشحي الأحزاب سواء الحاكم أو المعارضة لامتلاك الإمكانيات فقط بل أظهرت الدعاية الانتخابية فكرا جديدا للمستقلين فقد لجأ أحد المرشحين إلى استقلال دراجة طاف بها شوارع منطقة إمبابة بالقاهرة وبرر المرشح ذلك الفعل بأن شوارع المنطقة التي يسكن بها ضيقة .
وهو لا يملك سيارة لذا قرر شراء دراجة التي وجدت استحسان الأهالي ليبدأ في إقامة المؤتمرات في أسواق الخضار والمقاهي وغيرها مع العامة التي رغم ظهور هذه الأساليب الجديدة على الدعاية غير أن التردد عليها بشكل مباشر سيظل الأسلوب الذي لا غنى عنه لدى أي مرشح انتخابي؛ لأنها أماكن جموع الناس الذي يرغب في التفافهم حوله.
القاهرة: دار الإعلام العربية


