اسم على مسمى مبنى «مصدر» التحفة المعمارية التراثية بجاذبية معاصرة مجموعة تصاميم مبهرة في مبني واحد تشكل «مصدر» الهام للطلبة المنتسبين للدراسة في هذا الصرح الفني الأكاديمي وهي ازدواجية إبداعية قلما تتوافر في صروح تعليمية في العالم.
حيث يستهل الطلاب أولى محاضراتهم التطبيقية والالهام الابداعي من هذا المبني، فضلاً عن الأجواء الأكاديمية من معامل حديثة وقاعات درس صديقة للبيئة تشجع على تلقي العلوم بشهية معرفية مفتوحة.حيث يقع معهد «مصدر» الذي جرى افتتاحه الرسمي مؤخراً ويعنى ببحوث الطاقة المتجددة والتنمية المستدامة في مدينة مصدر للطاقة على مفترق طرق قرب مدينة أبوظبي، ويستقطب المعهد الذي يدرس فيه طلبة الدراسات العليا لتحصيل الماجستير والدكتوراه المئات من العقول الفذة في مجالات الطاقة، حيث يبلغ طاقمه التدريسي الحالي 41 أستاذاً بدرجة بروفيسور من أفضل المتخصصين في مجالات العلوم والطاقة والهندسة في العالم.
ويحصل طلبة الدراسات في هذا المعهد على شهادة دولية مصدقة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الشريك الرسمي العلمي لمعهد مصدر، ويبلغ عدد الطلبة حالياً 170 طالباً من الإمارات و32 دولة عربية وأجنبية، ويشكل طلبة الإمارات من هذا العدد ما نسبته 20% من مجموع طلبة الدراسات العليا. ويسد المعهد حاجته من الطاقة الكهربائية بالكامل من خلال ألواح الطاقة الشمسية المنتشرة في أرجاء والسقف الخارجي للمبنى الذي صممه المهندس المعماري اللورد نورمان فوستر، وتم استخدام مزيج من الخرسانة الاسمنتية للمبنى بحيث تتسبب بأقل قدر ممكن من الانبعاثات الكربونية، كما جلبت الأخشاب المستخدمة في تشييد المبنى من غابات تجري إدارتها وفقاً لأرقى المعايير البيئية.
حيث تركز «مصدر» على استخدام مواد صديقة للبيئة وإعادة تدوير الفائض منها لتحقيق الفائدة القصوى، ويقدم المعهد بعد إنجاز المرحلة الثانية منه مستقبلاً خدماته الأكاديمية لما يزيد على 600 طالب في مرحلة الدراسات العليا.
إضافة إلى 9 مختبرات مفتوحة وفق أحدث المقاييس إضافة إلى 13 مختبراً مرتفع الأسقف، ويشتمل مبنى المعهد على مكتبات مجهزة بأحدث الإصدارات وبرك سباحة وناد رياضي ووسائل ترفيه ومبان سكنية للطلبة والطاقم التدريسي ويقع في منتصف المعهد ما يطلق عليه «برج الرياح» الذي يسخّر الرياح لاستخدام الطاقة ومعرفة المستهلك منها عبر إضاءة تتغير وفق حجم الاستهلاك.
ويجمع تصميم مبنى المعهد بين التكنولوجيا الحديثة في الهندسة المعمارية والمعمار الشرقي الإسلامي الذي تتخلله المزخرفات والبراجيل التراثية الإماراتية مع ألوان أقرب لطبيعة المكان.
صفحة 5 بعد المقدمة الافتتاحية مع صورة للورد نورمان فوستر مصمم المعهد- صورة من أحد أعماله المعمارية
المصمم نورمان فوستر عبقرية هندسة المستقبل
يعتبر مصمم معهد «مصدر» وأبرز مصممي المدينة المعماري البريطاني نورمان فوستر؛ من أشهر المهندسين المعماريين في العالم، وقد جمع في تصميمه الخاص ببناية المعهد بين ما بعد الحداثة المعمارية وتقنيات أسلوب «الهاي تك» أو التكنولوجيا الفائقة والأسلوب الكلاسيكي للعمارة العربية الإسلامية التي تناسب الذائقة الإماراتية الأصيلة.
ولم يكن استخدام المقرنصات والزخارف التراثية شكلياً في تصميم المعهد أو مجرد أن يكون ذائقة خارجية، بل أن كل جزء وقوس وزخرف من أركان وزوايا المبنى مصمم لغرض علمي يتصل باستخدام الطاقة المستدامة وتقليل انبعاث المواد الكربونية أو الملوثة للبيئة.
لقد بدأ اللورد نورمان فوستر حياته بصعوبة بالغة وتستحق هذه الحياة أن تتحول إلى رواية أو فيلم سينمائي لشخصية مثابرة شقت طريقها واستطاعت أن تنال مكانة مرموقة في تاريخ الجنس البشري، فلقد ولد فوستر في عائلة عمالية دون مستوى الوسط في مدينة مانشستر في إنجلترا عام 1935م، ولظروف مادية وعائلية صعبة ترك الدراسة بعمر 16 سنة ليتوجه للعمل في مكاتب الخزنة لبلدية المدينة، ثم التحق بالخدمة العسكرية عدة سنوات.
حيث ازدادت رغبته بإكمال دراسته وتحديداً في مجال الهندسة المعماري، فنال فرصته حين حاز الدبلوم في الهندسة من جامعة مانشستر عام 1961م، ليواصل دراسته في مجال الهندسة في واحدة من أعرق الجامعات الأميركية وهي جامعة «ييل» أنهى دراسته هناك وعاد لبريطانيا عام 1965م .
حيث أسس فريقاً هندسياً أطلق عليه «فريق 4» بمشاركة زوجته ويندي، وبعد انسحاب شركائه في هذا الفريق الهندسي عاد وأسس شركة هندسية عام 1967م بمشاركة زوجته وآخرون وهي الشركة التي ستستمر إلى يومنا هذا، حيث تعاون مع «بكمينستر فولر» بعدة مشاريع دولية لغاية عام 1983م.
ابتدع نورمان فوستر في فترة السبعينات من القرن الماضي أسلوباً جديداً في عالم الهندسة المعمارية يطلق عليه «الهاي تك» أو التكنولوجيا الفائقة التي انتفضت على الأساليب التقليدية في التصميم والمعمار وحاولت إيجاد حلول اشتركت فيها مدرسة الحداثة التي انطلقت بعد الحرب العالمية الثانية.
وكان تركيزه في بداية مشواره المهني يستند على إنجاز جوانب وتصاميم هيكلية تعتمد بالكلية على التكنولوجيا دون النظر إلى الجانب الفني، إلا أنه طوّر هذه المدرسة الأسلوبية في المعمار فجمع بين الفن الحديث في التصميم الخارجي والتشكيلات الهندسية الداخلية وبين التكنولوجيا الحديثة من حيث التنفيذ واستخدام مواد البناء، ويعتبر فوستر أحد رواد هذه المدرسة التي أحدثت جسراً زمانياً بين الحداثة وما بعد الحداثة في التصميم المعماري.
صمم فوستر وشارك بتصميم وتنفيذ مئات من المشاريع المعمارية حول العالم، وآخرها وليس أخيرها تصميم مدينة ومعهد «مصدر» فخر الإمارات، وسبقها بأشهر قليلة تصميم المنطقة التجارية والسياحية لشاطئ الراحة في أبوظبي، أما مشاريعه السابقة فهي منتشرة في أغلب مدن العالم، فلو جئنا إلى تصاميم الجسور وتنفيذها فسنجد لائحة تبدأ بجسر أسترا في العاصمة السويدية استكهولم الذي أنجزه عام 2005م .
وجسر الألفية في بريطانيا والجسر الرائع الأعجوبة في «ميلاو» بفرنسا الذي يعتبر من أطول وأعلى الجسور في العالم وجرى إنجازه وتنفيذه بفترة قياسية، وفي العاصمة السعودية الرياض ينتصب لفوستر برج الفيصلية وفي كازاخستان قاعة المؤتمرات المصممة على شكل هرم مخروطي وفي أسبانيا قاعة الفن في بلباو.
وفي أميركا متحف جوزلاين في أوهايو، وقد نال اللورد فوستر عدة جوائز عالمية في الهندسة المعمارية منها جائزة «آغا خان» الدولية عام 2007م، وجائزة أمير أستورياس للفنون التي تسلمها من ملك أسبانيا خوان كارلوس عام 2009م.
أمل الغافري أول أستاذة إماراتية في طاقم التدريس العالمي
يضم طاقم التدريس والأساتذة في معهد «مصدر» نخبة تتألف في الوقت الحالي من 41 أستاذاً بدرجة البروفيسور من أفضل أساتذة التخصصات من الجامعات المرموقة حول العالم.
وكما هي المرأة الإماراتية باتت تشكل فخراً في جميع مجالات الحياة في الاقتصاد والتجارة والفن والمجتمع؛ فإنها تقف اليوم على أعتاب انطلاقة جديدة في مجال العلم والمشاريع الأكاديمية، فلقد انضمت الدكتورة الإماراتية أمل الغافري إلى طاقم التدريس والبحوث في معهد «مصدر» كأول أستاذة إماراتية بدرجة أستاذ مساعد في هذا الصرح الحضاري المهم، «الحواس الخمس» التقى في جولته الدكتورة الغافري وكان هذا الحديث عن تجربتها:
حازت أمل الغافري الدكتوراه في تخصص هندسة علوم البناء من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة وهي ترى بأن أي إنجاز أكاديمي أو علمي ما كان ليتحقق في الإمارات لولا الرؤية الحكيمة للقيادة الرشيدة في البلاد.
وتقول في ذلك: «لقد أولت قيادة البلاد منذ انطلاق الاتحاد الذي نعيش أفراحه هذه الأيام؛ أكبر الاهتمام تجاه بناء الإنسان واعتباره الثروة الحقيقية لمستقبل الإمارات وحاضرها، ولئن افتخر بكوني أول إماراتية تنضم للهيئة التدريسية، فإني أفتخر قبل ذلك بكوني تخرجت من مدرسة «أم الإمارات» سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك التي تمثل الرمز الصادق لمسيرة المرأة في الإمارات».
تضيف الغافري: «أعتبر أن انضمامي لكادر التدريس في «مصدر» فرصة ذهبية لا من حيث مبدأ التدريس في مكان مرموق فقط، بل أن ذلك فرصة لي لمواصلة أبحاثي العلمية في مجال الاستخدام الأمثل للطاقة، فلقد وفر المعهد مجموعة من أحدث المختبرات العلمية في العالم.
كما وفر بيئة علمية غنية بالخبرات العلمية عبر طاقم الأساتذة، كما أن التجوال والتدريس في هذا المبنى بهذا الأسلوب الهندسي الفريد من نوعه عالمياً يوفر فرصة لاكتشاف أبنية المستقبل في مجال تدوير وتوفير الطاقة المستدامة، ولو أتيحت لي الفرصة للعيش والحياة في مدينة «مصدر» بعد إنجازها إن شاء الله؛ فسأكون سعيدة للغاية في مدينة خالية من التلوث وتعتمد المعايير العلمية والصحية للحياة».
و«نطمح لزيادة أعداد طلبة الدراسات العليا الإماراتيين، فلقد تم إطلاق عدة برامج علمية وأكاديمية في الجامعات لجذب العقول الإماراتية الشابة الواعدة، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا لا نستقطب هؤلاء الطلبة لكونهم إماراتيين فقط؛ بل لأننا نختارهم من نخبة وصفوة الصفوة من الطلبة الذين سيعتمد عليهم مستقبل البلاد.
وأعتقد أن مجال تطبيق بحوث الطاقة المتجددة المستدامة سيكون هو المستقبل الذي أراه وتنبأ به مئات من العلماء حول العالم، وبالنسبة للبحث العلمي الذي أجريه حالياً فهو يتصل بالتجارب على استخدام المواد العضوية وغير العضوية في الخلايا الشمسية لتقليل كلفة استخدام هذه الطاقة مستقبلاً، ويشاركني في هذا البحث فريق عمل من الأساتذة وطلبة الدراسات».
أبوظبي- محمد الأنصاري



