يختلف سن الزواج بين مجتمع وآخر وضمن المجتمع الواحد بين فترة زمنية وأخرى تبعاً للتحولات التي تطرأ على المجتمع ، والمعايير التي تتحكم فيه والقيم التي تهيمن عليه.

وتشير بعض الدراسات وملاحظات الوضع السائد أن معدل سن الزواج في لبنان يتراوح بين 29 و31 عاماً، وهو معرض للارتفاع في أوساط المدن والانخفاض في الأوساط الريفية ، حيث لا تزال الثقافة المحلية تفرض نفسها إلى حد كبير . وربما يكون التحول الذي أصاب المجتمع اللبناني على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ساهم إلى حدّ كبير في تأخير سن الزواج ، بالإضافة إلى انتشار التعليم بشكل واسع، وطول فترة الدراسة. ويعتبر البعض أن افتقار لبنان للأمن الإجتماعي والاهتزازات الأمنية التي يتعرض لها من وقت لآخر يسهمان إلى حد كبير في تأخير سن الزواج ، بالإضافة إلى التحول الذي أصاب القيم المادية وسيطرة الاقتصاد التفاخري.

وقال الدكتور رفيق الكرك أستاذ مادة الأنتروبولوجية في الجامعة اللبنانية إن ظاهرة تأخر عمر الزواج# في لبنان هي واقع مؤكد #بدأت منذ ستينات القرن الماضي ، حيث تأخر سن الزواج خلال جيل واحد (حوالي25 سنة) عند الذكور بمعدل 8 الى عشر سنوات ، وعند الإناث بمعدل ستة الى 8 سنوات خاصة في الأوساط المدينية .

وأضاف الكرك يعتبر التسارع باتجاه فردنة الاقتصاد العائلي سكنياً ، والذي يرتب العديد من الأعباء، من أهم العوامل التي تكبح الإقدام على الزواج ، بالإضافة إلى التمدرس الطويل أي الفترة التي يمضيها الإنسان على مقاعد الدراسة خاصة بالنسبة للشبان والشابات الذين يطمحون إلى مهن ليبرالية عالية (طبيب مهندس...) والتي لا يستطيعون الإنتهاء من فترة دراستها قبل عمر 30 أو 35 سنة.

ويرى البعض أن ظاهرة تأخر سن الزواج في لبنان هي ظاهرة مستجدة ، حيث كانت السن الملائمة للزواج هو 15 سنة للفتاة و18 سنة للشاب ، قبل منتصف القرن الماضي .

وأشار الكرك إلى «العوامل النفسية الاجتماعية العديدة المتعلقة بالوضع العام الأمني في لبنان ، التي تسبب ما يسمى بالإحباط ، والتي تدفع الشبان إلى الإعتقاد أن مشاريع المستقبل يجب البحث عنها خارج لبنان ، وتدفعهم إلى التردد في الإقدام على الزواج».

وأضاف يشكل الإستهلاك التفاخري ، أيضاً سبباً إضافياً يؤدي إلى تأخر سن الزواج ، وهو موجود في المجتمعات التي يشكو فيها الناس من عقد نقص متجزرة تجاه بعضهم البعض ، ويتحكم فيها البذخ التفاخري.

ويوجد في بيروت عدد كبير من الشقق الخالية، لكن أحداً لا يستطيع تملّكها أو استئجارها بسبب ارتفاع أسعارها بشكل جنوني . وقالت الباحثة الاجتماعية سهام فرح ربما تكون عملية التأخر في عمر الزواج هي نوع من أنواع الثورة على التربية والعادات والتقاليد في المجتمع الذكوري ، وبعض النسوة يتأخرن في الزواج بهدف الثورة على المألوف.

ويعتبر البعض أن تأخر سن الزواج في لبنان سببه مجموعة من التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي طرأت على حياة اللبنانيين، ويأتي في #مقدمتها انخراط المرأة في الحياة العصرية .

وأضافت فرح ان انفتاح المرأة وتعليمها وتحررها وانخراطها في الحياة العصرية منحها القدرة على فرض شروطها على الرجل ، الذي لا يزال إلى حد بعيد رجلاً شرقياً .

ورأت فرح أن عمر الزواج يختلف بين فئة إجتماعية وأخرى ، ويكون مبكراً والزامياً حسب العادات والتقاليد عند المسلمين من ذوي الدخل المحدود وهدفه الإنجاب المبكر ، بينما لدى المسلمين الميسورين والمسيحيين عامة يتأخر عمر الزواج ، حيث تسعى المرأة لتحقيق ذاتها وممارسة حقوقها الفكرية والثقافية على قدم المساواة مع الرجل، فتحصل على مراكز هامة في المجتمع تحقق من خلالها استقلالاً مادياً و معنوياً.

وتابعت لقد شكل انخراط المرأة في العمل ، وتحررها الاقتصادي ، سبباً مهماً في امتناعها عن الانخراط في مؤسسة الزواج في عمر مبكر حيث تفضل البقاء وحيدة على أن تتشارك الحياة مع رجل فرض عليها مشيرةً إلى أن المرأة تشغل أكثر من 50 المئة من المراكز الهامة في المجتمع اللبناني.

وقال الطالب الجامعي سرج قيصرليان لا أفكر في الزواج قبل سن الثامنة والعشرين أو الثلاثين ، حتى أتمكن من إنهاء دراستي وتأمين متطلبات الزواج التي هي كثيرة هذه الأيام .

ويلاحظ المراقبون ان العديد من العلاقات تبنى بهدف الزواج ولكن عدم توفر المنزل وقلة فرص العمل كما أن عدم تلائم المخصصات مع غلاء المعيشة يعطلّ العديد من مشاريع الزواج.

مسؤولية اجتماعية

تقول مساعدة طبيب الأسنان انطوانيت جرجس تزوجت عندما كان عمري 21 سنة ، وهو عمر مبكر بالنسبة لهذا العصر وأنا اليوم في سن الخامسة والعشرين ، ولكني أؤكد أن الزواج المتأخر أصبح ضرورة في زمننا هذا.

وتابعت في الماضي كانت الفتاة تتزوج في سن الرابعة عشرة، ولكن العائلة الموسعة التي كانت تشغل الوحدة السكنية ، كانت تتشارك عملية التنشئة وتأمين المعاش ، أما اليوم فالمسؤولية تقع على عاتق شخص واحد وهذا أمر متعب إذا تزوج الإنسان في عمر مبكر، فضلاً عن أنه لا غنى عن تحصيل الشهادات العلمية من أجل أن تكون لنا القدرة على المشاركة في الحياة العامة على الأقل.

وأضافت من خلال تجربتي ، أعتقد أن العمر الأنسب للزواج بالنسبة للفتاة هو بين الـ 27 والـ 28 سنة وبالنسبة للشاب بين الـ 34 والـ 35 سنة ، وهو العمر# الذي يصبح الإنسان فيه قادراً على تحمل المسؤولية .

ومهما اختلف سن الزواج ، يبقى هذا الميثاق بين الرجل والمرأة ، حاجة إنسانية واجتماعية باعتباره الفعل التأسيسي للعائلة# التي بدونها ينقرض الجنس البشري.

دراسة

تشير بعض الدراسات إلى أن التأخر في الزواج يؤدي إلى انتشار العلاقات الجنسية غير الشرعية واكتفاء بعض الشبان بهذه العلاقات ، والعزوف كليا عن الزواج ، فضلاً عن زيادة الفروق العمرية بين الأهل والأولاد.

ورأى الكرك أن #تأخر سن الزواج يؤدي إلى انخفاض الخصوبة ، وتحول المجتمع# إلى مجتمع هرم . وربما أدى الانفتاح والتغير الذي أصاب نمط الحياة في المجتمع اللبناني ، إلى بروز عادات جديدة فتحت المجال أمام تحرّر الفتيات اللواتي خرقن ما كان محرّماً من قبل، ليؤكدن أنهن لن يتزوجن ألا بعد التأكد من إمكانية نجاح مؤسسة الزواج ، وفي حال الفشل ، لا مانع من الانفصال .

بيروت (د ب أ) - الحواس الخمس