»إذا كنت تعاني من نوبات غضب شديدة أو عصبية أو توتر، فبادر بتكسير بعض الأطباق أو الأكواب الزجاجية، وعليك قذف كل ما تطوله يداك شرط الابتعاد عن إيذاء الآخرين، فهذا يجنبك ارتفاع نسبة الهرمون المسؤول عن الغضب إلى أربعة أو خمسة أضعاف أو أن تتأثر عضلة القلب خلال عدة دقائق ويحدث ما لا تحمد عقباه، أما إذا كنت تخشى على مطبخك من التكسير فغادر المكان بسرعة وعد بعد فترة لمناقشة تلك الأمور التي تسببت في عصبيتك«®®.
هذه ليست نصائحنا لكنها نصائح أجمع عليها المختصون في الطب النفسي بعد أن زادت معدلات الجرائم الناتجة عن الغضب والانفعال®.»الحواس الخمس« رصد قصصا مأساوية للغضب على لسان أشخاص يعانون العصبية والتوتر.
الغضب، كما يعرفه أطباء علم النفس، إحدى الوسائل التي يعبر خلالها الشخص عن عدم الرضا، ويأتي في كثير من الأحيان كنتيجة مباشرة للضغوط الحياتية، وقد يصل بالشخص أحيانا إلى حد الجريمة، حيث يبدأ الغضب بثورة خفيفة تصاحبها تغيرات فسيولوجية تختلف من شخص لآخر حسب استجابته للغضب، كما تختلف من شعب لآخر، وتختلف أيضاً طريقة التنفيس عن الغضب حسب درجته وشدته.
وبالرغم من الآثار السلبية التي يسببها الغضب إلا أن الأطباء يؤكدون أنه ظاهرة صحية تلازم النفس البشرية منذ القدم، ولكن تختلف درجاته ما بين الغضب المذموم الذي ينتهي بجريمة، والغضب المحمود الذي ينطفئ عند حد الاعتدال والاستقامة، لكنه في الحقيقة شعور خارج عن السيطرة يؤدي إلى أضرار شتى في الحياة الشخصية والعملية، وقد يتسبب في انهيار العلاقات الاجتماعية والأسرية.
آثار مدمرة
تتفاوت حالات الغضب بين شخص وآخر، حيث يؤكد سعيد.ع.م (مدرس) أنه شديد الانفعال والغضب، ولا يستطيع السيطرة على أعصابه عند تعرضه لأي موقف في المنزل أو خارجه مما أدى إلى تدمير علاقته مع مديره في العمل فضلا عن سوء حالته الصحية، حيث بدأ يشعر بارتعاش في اليدين بعد كل مناقشة حادة أو انفعال مما جعل زملاءه يصفونه بأنه مضطرب نفسيا ونصحوه بالذهاب إلى طبيب نفسي لكنه خشي أن يطلق عليه لقب »مريض نفسيا«.
وبالرغم من أن سعيد رفض الذهاب إلى طبيب نفسي فإن هناك بعض الأشخاص يعالجون بالفعل لدى أطباء نفسيين بسبب الانفعال الزائد لهم، فتقول سلمى.ع.ع (معيدة بإحدى الكليات العلمية):
لجأت إلى طبيب نفسي بعد أن لاحظت والدتي أنني سريعة الانفعال، وفي البداية كنت أظن أن هذه الحالة ناتجة عن الضغوط الشديدة التي أتعرض لها من أساتذتي لكنني حصلت على الماجستير، وظلت الحالة تزداد شيئا فشيئا، حتى إنني لم أعد أسيطر على أعصابي، فاضطررت إلى زيارة عيادة نفسية في سرية تامة، ونصحتني الطبيبة بعدة نصائح دون تناول أي أدوية من خلال 3 جلسات فقط، وبعدها أصبحت طبيعية تماما ولا أعاني من أي مشاكل، لكن أحيانا تنتابني بعض نوبات الغضب وأستطيع التحكم فيها والتعامل معها بذكاء.
كاد يدمرني
أما سهام.ف.ر التي تعمل مديرة لقطاع المشروعات بإحدى الشركات الخاصة فتقول: في بداية حياتي العملية لم أكن أعاني من أي مشاكل على الإطلاق، بل كنت أتصف بالهدوء، لكن بعد ترقيتي وإسناد بعض الوظائف الإضافية إليّ ومعاناتي من بعض المشاكل مع أبنائي أصبحت سريعة الغضب، وتطورت تلك الحالة إلى أنني أثور لأتفه الأشياء، ويمكن أن أهذي بكلمات يعتبرها البعض سقطة في حقي وأخشى أن أستشير طبيبا نفسيا؛ لأن ذلك يعتبر مخالفا للعرف في عائلة زوجي، فقررت بعد تفكير عميق الاستقالة من العمل الذي كاد يطيح بأسرتي.
خطوبة فاشلة
وتقول »نهاد. ر. ي« من الإسكندرية: سرعة انفعالي تسببت في فشل خطوبتي 3 مرات، فاضطررت بعد إلحاح من والدتي إلى زيارة الطبيب النفسي الذي أكد أنني أعاني من بعض المشاكل في أحد الهرمونات التي تتسبب في زيادة عصبيتي، ومنذ ذلك الوقت وأنا ألتزم بتعليمات الطبيب، وأتناول بعض المهدئات عند اللزوم، لكني فوجئت بزيادة وزني فأقلعت عنها وبدأت أمارس الرياضة وتمارين الاسترخاء.بينما تواجه عفاف.س.ف (صحفية) مأساة كبيرة مع زوجها سريع الغضب وتحكي عن ذلك قائلة:
»أعيش حياة زوجية تعيسة بسبب الانفعال المتكرر من زوجي، حيث يصل الغضب لذروته عند قيامه بمناقشة أي أمر من الأمور مع أبنائه، وتصل به الحالة إلى ارتجاف الجسم وفقد الاتزان وأحيانا يصاب بأزمة في التنفس، وقد حاولنا مرارا وتكرارا منعه من الانفعال والغضب، لكن اتضح أنه يبحث عن أي شيء يثير حفيظته ويجعله يلجأ إلى الشجار الذي أحال حياتنا إلى جحيم«.
ضغوط نفسية
وإذا كان الغضب من وجهة نظر البعض يرجع إلى الضغوط الحياتية والمشاكل المتراكمة، فإن علماء النفس لهم وجهة نظر أخرى، حيث يرى د.محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي، أن الإنسان بطبيعته يتأثر بما يجري حوله، ويتفاعل مع ما يشاهد أو يسمع من الآخرين، فيميل إلى الضحك والبكاء والحزن والغضب والكآبة أحيانا، والخروج عن طوره الذي ربما يجره إلى ما لا تحمد عقباه.
كان البعض يتصور أن الانفعال أو الغضب الشديد نابع فقط من الضغوط النفسية على الأشخاص، لكن أستاذ الطب النفسي يؤكد أن العلم الحديث كشف حدوث العديد من التغيرات داخل جسم الإنسان.
حيث تفرز الغدة الكظرية التي تقع فوق الكليتين نوعين من الهرمونات هما الأدرينالين والنور أدرينالين، ويكون إفرازهما استجابة لأي نوع من الانفعال أو الضغط النفسي كالخوف أو الغضب أو العصبية الشديدة أو نقص السكر فتزداد ضربات القلب من العضلة ويزداد استهلاكها للأوكسجين كما يزداد معها إفراز الهرمونات المسؤولة عن الغضب والانفعال.
خطوة للسيطرة على الغضب
ويؤكد أستاذ الطب النفسي أن الغضب المتكرر يصيب الفرد بمرض أو أكثر من الأمراض النفسية والعضوية أيضاً، حيث يتسبب في إصابة الفرد بقرحة المعدة وارتفاع ضغط الدم والذبحة الصدرية والقولون العصبي والصرع المزمن، لذلك توجد هناك 21 خطوة علمية لإدارة الغضب والسيطرة عليه، وإن كان أولاها الاعتراف بأن الغضب مشكلة لدى الشخص العصبي وأنه عقبة في طريق نجاحه وعلاقته بالآخرين، وثانيتها تسجيل كل المواقف العدائية وتحليلها.
وتتمثل الخطوة الثالثة في جعل المحيطين بهذا الشخص يعرفون بأنه يحاول التخلص من هذه المشكلة بحيث يقومون بتنبيهه للتراجع كلما أقدم على أي موقف يثيره مع تقمص شخصية الآخر الذي يحاول استثارته والضحك من الموقف الذي جعله يغضب وعدم جعل الأشياء التافهة تدعوه للقلق، وعدم التسرع في أخذ القرار في وقت العصبية مع العقلانية.
والأخذ في الاعتبار أن الوقت الذي يقضيه في الغضب يحرمه من جوانب السعادة والمحبة والمتعة، وفي النهاية مسامحة أي شخص حتى لو أساء إليه حتى يتحرر من موجة الغضب ويكتسب مهارة حل المشاكل.
يقودك للاكتئاب
إلى هنا يرى د. علي ليلة، أستاذ علم الاجتماع بآداب عين شمس، أن التحكم في الغضب والانفعال والسيطرة على النفس من الأمور المهمة التي تجعل الإنسان ناجحا في حياته®. لافتا أن الغضب لا يفرز إلا الضغينة والحقد.
وأوضح أن الدراسات الاجتماعية التي تناولت تلك الظاهرة خلصت إلى أن الغضب ضرورة لحماية النفس من عدوان العالم الخارجي، ولكن عندما يصبح الفرد سهل الاستثارة ويغضب لأتفه الأسباب تزداد حدة انفعالاته واضطراباته النفسية، ويعاني بعدها من التوتر المستمر، ويكون عرضة للكثير من الأمراض كالقلق المزمن وضعف التركيز والإعياء الذهني والاكتئاب وفقد القدرة على الاستمتاع بالحياة.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية
