على طريقة البناء في أفلام الكوارث، يرصد (تشرنوبل ـ تاريخ طبيعي)، الذي افتتح الدورة الثالثة من فعاليات »أصوات وثائقية« التي أقامتها هيئة دبي للثقافة والفنون نهاية الأسبوع الماضي، إحدى أسوأ الكوارث النووية في العالم وتأثيرها في الحيوانات والبيئة عبر سنوات طويلة تعدت 20 عاما من التلوث البيولوجي الذي أضر الحياة بأشكالها المتنوعة.

اعتمد الفيلم خلال مشاهده ما بين مناطق حظر دخول البشر إليها ومعامل الكليات في جامعتي تكساس الأميركية وماري كوري في باريس، على معلومات علمية أسهب فيها كثيرا، وقد تدفع بعرضه فقط على القنوات التلفزيونية المتخصصة، أو يحصر جمهوره في نوعية خاصة جدا، لكنه يسهم في اكتشافات جديدة داخل المنطقة التي تم فيها إجلاء 135 ألف شخص و53 ألف ماشية، وتشكل 03 كيلو مترا من الأماكن القريبة من المفاعل النووي المنكوب عام 1986 والواقع في الحدود بين أوكرانيا وروسيا البيضاء.وضمن منطقة الاستبعاد تلك، تدور أحداث الفيلم الذي يستعيد ما فعله الإشعاع المنبعث من المفاعل في ظهور طفرات وراثية أدت إلي عيوب خلقية على نطاق واسع تؤكد بشاعة التحول المرتقب.

لكن بعد عشرين عاما ومن خلال أدلة جمعت من الحيوانات والنباتات، يؤكد العالم الفرنسي أندرس موللر أن أثر الإشعاع قد اختفى وأن الحياة البرية عادت للازدهار من جديد.

وبطريقة الفلاش باك، تظهر لقطات عشرات الآلاف من الناس الذين فقدوا بيوتهم والتي تطل في معظم المشاهد مهجورة ومتضررة، حيث يخيم الصمت على الغابات وجميع الأماكن بما فيها مرجيحة الملاهي الكبيرة التي أصابها العطب والتآكل بسبب الصدأ، والأرض جرداء إلا من بعض الخشب الأسود الذي اختفى منه اللون الأخضر، بخلاف التقارير عن موتى التسمم الإشعاعي الحاد وما قيل عن الضرر الجيني على المدى الطويل للبشر.

وينجح الفيلم في تقليل خطورة الحادث نفسه، حيث يخترق 4 آلاف كيلومتر من المنطقة المعزولة، ليظهر حقيقة أن الأشجار والشجيرات بدأت تنبت من خلال الطرق والمباني، وأن الطبيعية بدأت تستعيد ما فقد في الأصل نتيجة الإشعاع، بل إن علماء الايكولوجيين في مختبر سلافيوتيتش يؤكدون في مشاهد زيادة الحيوانات الكبيرة التي كانت نادرة أو غير موجودة قبل وقوع الكارثة.

وتظهر مجموعات من الذئاب جعلت من الكلاب الضالة التي خلفها أصحابها وجبات سهله لها، ومع الإضاءة الطبيعية الخالية من سحب الغيوم تبدأ الطيور في الطيران مثل اللقلق الأسود والنسر ذو الذيل الأبيض الطويل، في حين نرى الفيلم يتغاضى تماما عن الأثر الحقيقي للنشاط البشري، سوى القليل جدا من أبحاث العلماء على تربة الأرض والنبات.

ويسترسل العلماء في تعداد هذه الطيور من خلال ثمانية مواقع داخل المنطقة المعزولة، ويسجل التعداد ظهور 75 من الأنواع المختلفة، التي يعود تفسيرها إلى ظهور الديدان والحشرات التي اختفت من قبل نتيجة التربة الملوثة، بل إن العلماء يكتشفون عودة طائر السنونو من جديد، وعددا من البويضات الخاصة به والتي لا تحمل أي مؤشر لطفرات مما كانت تحدث من قبل، وهو دليل إحصائي لاستقراء نتائج مثيرة للجدل حول الأضرار المحتملة لصحة الإنسان.

ويؤكد الفيلم في النهاية أن صناعة الشائعات المعتمدة على أسس الحكي بدلا من العلم، كانت سببا في بث الرعب في نفوس البشر، وإذا كانت الحقيقة على المدى الطويل قد بدأت في الوضوح حول التأثيرات النووية، فهل يمكن للعلم فعلا دفع الإنسان ليعيش حياته الطبيعية في هذه الأماكن؟، هذا ما لا يجيب عنه فيلم (تشرنوبل: تاريخ طبيعي)، ويترك ردود الأفعال للمشاهدين.

البيئة في الإمارات

ومن خلال عالم أفلام الكرتون، تتطرق المخرجة الإماراتية عبيرة حنيف إلى القضايا البيئية في الإمارات، وفي رسائل سريعة وقصيرة تضبط سلوكيات المراهقة التي تؤذي البيئة، مثل الإضرار بالمناخ نتيجة الاستخدام السيئ لركوب السيارات وانبعاث الغازات التي تسهم في زيادة نسبة الكربون بالجو، أو الإهمال في رمي القمامة داخل أماكنها بالشوارع والمتنزهات، وعدم الاهتمام بالمحميات الطبيعية ما يدفع إلى انقراض بعض الحيوانات.

نفايات الأرض الخراب

وجاء فيلم (الأرض الخراب) الذي عرض في أكثر من 50 مهرجانا سينمائيا عالميا ومنها »أبوظبي السينمائي« في دورته هذا العام، ومرشح للفوز بجائزة الأوسكار عن فئة الأفلام الوثائقية للعام 2011، ليسلط الضوء حول الفنان البرازيلي فيك مونيز المعروف باستخدامه مواد غير تقليدية مثل الطعام والنفايات في تشييد أعماله الفنية الهادفة إلى التوعية الاجتماعية.

حيث يلاحق الفيلم مونيز أثناء اشتغاله في »جارديم غراماتشو«، المنطقة الواقعة على أطراف مدينة ريو دي جينيرو والمعروفة بكونها أكبر مكب للنفايات في العالم، وهناك يتعاون مونيز مع بعض الأهالي الذين يكسبون عيشهم من جمع تلك النفايات الصالحة للتدوير لصنع أعمال فنية ملهمة.

ومونيز المولود في عائلة فقيرة في ساو باولو يدرك تماما معاناة مساعديه، كما يدرك أهمية الإبداع في رفع الروح المعنوية وفي الإسهام في تحول المجتمع، لذلك نراه في الفيلم يعامل مساعديه كما لو كانوا جزءا من العملية الإبداعية بما ينعكس على سلوكهم وحياتهم.

آراء حول الظاهرة

ثلاثة أعمال فقط، هي محور فعاليات (أصوات وثائقية)، جاءت لتنسجم مع توجهات حكومة دبي الرامية لمفاهيم الحياة الخضراء للمحافظة على البيئة لتنعم بها الأجيال المقبلة، مقدمة لخص من خلالها سعيد النابودة المدير العام بالإنابة في (هيئة دبي للثقافة والفنون)، هدف الحدث الذي ترك أصداء هامة ويتابع قائلا:

تسهم أفلام البيئة في نشر الوعي بضرورة اتباع أنظمة التطوير المستدام، وتشجيع المخرجين الشباب في الوقت ذاته على الخوض في مواضيع ترتبط بالمجتمع وتلقي الضوء على أهمية الحفاظ على البيئة الطبيعية.

ويشير الدكتور عبدالعزيز علي النعيمي، الملقب بالشيخ الأخضر لاهتمامه بالبيئة والحياة الخضراء، حاصل على ماجستير في علوم البيئة، إلى ضرورة الاهتمام بهذه النوعية من الأفلام وعرضها على نطاق واسع في المدارس والجامعات، لتعديل سلوك الأطفال والشباب تجاه أشياء كثيرة في مجتمعهم، ويضيف قائلا: كشفت الأبحاث أن متوسط الوعي البيئي في الإمارات وصل إلى 94%.

في حين وصلت نسبة السلوك البيئي إلى 44%، وهذا يؤكد أهمية تكاتف جهود كافة المؤسسات والأفراد لنشر الوعي تجاه البيئة من أجل تعديل السلوك بين فئات المجتمع المختلفة.

في حين أكدت ماهشيد زماني المدير التنفيذي للفعاليات أن قضية التلوث تليها القضايا المرتبطة بحركة المرور، ثم يأتي بعد ذلك موضوع النفايات وطرق التخلص منها، وتغير المناخ واستخدام الأكياس البلاستيكية، موضوعات مهمة يمكن التطرق إليها في أفلام محلية روائية أو وثائقية عن البيئة، ومع اهتمام صناع السينما بهذا المجال يمكن أن تزيد جماهيرية هذه الأعمال في صالات السينما، بدلا من أن تصبح قاصرة فقط على المهرجانات والاحتفالات الخاصة.

ويرى جون شاهين المدير المسؤول عن شركة (إيطاليا فيلم) أن عزوف رواد صالات السينما عن أفلام البيئة، يدفع إلى عدم الإقبال على توزيعها، رغم أن هناك أعمال تستخدم تقنية الأبعاد الثلاثية وترصد لها الميزانيات الكبيرة لأنها مكلفة، لكن مردود إيرادات بعضها يجعل الكثيرين يترددون في طرحها بالأسواق.

أما المخرجة نايلة الخاجة، فلا تجد سببا واضحا حول عزوف صناع السينما عن تنفيذ أفلام البيئة، وتقول: إذا كانت الدولة تهدف فعلا إلى ذلك، يجب أن يتخلص البعض من الكلام ويتفرغ للتنفيذ برصد ميزانيات تسمح بعمل أفلام تسهم في نشر الوعي البيئي، ويكون لها تأثير في المجتمع، بعيدا عن نمطية أشكال نشر المعلومات التي عفا عليها الزمن.

دبي ـ أسامة عسل