ليس معروفا على وجه الدقة متى ظهر مصطلح مسرح الطفل للمرة الأولى في العالم، فهل تزامن مثلا مع ولادة المسرح منذ كان قريبا من الأسطورة وأعياد الآلهة عند اليونانيين أم أنه انتشر في فترة العصور الوسطى .
حيث كان المسرح قريبا من الكنيسة وقد شهد عمليات مخاض طويلة لم تسفر عن ولادة سليمة لأبي الفنون ، أم ربما كان الوضع مثاليا في القرن السابع عشر.حيث عرف المسرح ولادة كاتب كبير بل كتاب كبار أثروا الحركة المسرحية في العالم فيما بعد من قبيل وليم شكسبير وبن جونسون ولاحقا موليير وراسين وكورنيه وغيرهم من الأسماء المهمة في عالم المسرح والمؤسسين لمدارس إبداعية حديثة ، لا ندري حقا إن تزامن مع كل هذه المراحل ما يمكن أن يقال عنه مسرح الطفل ولكن ما نعرفه أن الطفل اعتاد أن يرافق العائلة لكل تلك المناسبات المسرحية دون أن يكون هناك مسرح خاص به .
وما تؤكده الكثير من القراءات غير الرسمية في هذا السياق أن مسرح الطفل هو بدوره وصل متأخرا إلى العالم العربي، وبعضهم يقول انه وصل قبل مسرح الكبار من خلال خيال الظل .
ولم يتح له ان يكون بصمة مهمة في مجال الاختصاص في بداياته ولأن الاشكاليات لا تزال قائمة حول المصطح والفرق بين مسرح الطفل والمسرح المدرسي والدراسات الخاطئة التي تنسب لمسرح الطفل نلقي الضوء هنا عن مسرح الطفل في الوطن العربي وحول الجدوى والطرق الفاعلة في تقديم مشهد مسرحي جميل لطفل عربي .
مسرحيات الصغار قصص تقليدية ومهرجانات تجريبية
تشير الكثير من الدراسات المسرحية والإنسانية الى أن مسرح الطفل عرف في مختلف أنحاء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وصارت تقدم له عروض ومهرجانات مستمرة تحاكي واقع الحيوانات وما إلى ذلك من القصص البسيطة التي تقدم الخير والشر ضمن عالم الحكاية التقليدي .ولعل مسرح الطفل انتشر في ايطاليا دونا عن سواها في وقت مبكر من القرن العشرين مايشير إلى ان ثمة حضورا ما لهذا المسرح من جهة حضور المصطلح في الحياة المسرحية .
وتضيف الدراسات أن الكوميديا ديلارتي التي اشتهر بها المسرح الايطالي في النصف الأخير من القرن الثامن عشر قد قربت المسرح من عالم الطفل عندما كانت الكوميديا التي تحاكي الأنماط وتقارب عالم الواقع إلى عالم المسرح الكوميدي تحقق انتصارات مسرحية مهمة لدى العائلة الايطالية، حيث عرف هذا المسرح بأنه مسرح الكبار والصغار في آن معا .
وقد جعل هذا المسرح الطفل يقبل على مشاهدة هذا النوع من الأعمال ويضحك عليها وقد سرى اعتقاد أن الكوميديا ديلارتي لم تكن مخصصة للكبار فقط . وانتشر هذا المسرح لاحقا في كل أنحاء اوروبا وصار المسرح مجالا رحبا تتابعه العائلة في مواسم أعياد الميلاد.
ويحكى ان الروس اشتهروا في إنعاش مسرح الطفل وتخصيص مسارح في الحقبة الاشتراكية للأولاد وكانت حصة المسرح ضرورية في المنهاج الدراسي وكانت المسرحيات التي يقدمها أطفال مدربون من المدارس شكلا من أشكال التواصل بين الأسرة والمدرسة .
في الوطن العربي عرف في وقت مبكر مسرح خيال الظل بأنه مسرح العائلة ، ويعرف هذا المسرح ب»شخوص الخيال«، و» ظل الخيال «، و» طيف الخيال «، و» خيال الستار«، و» ذي الخيال « فن شعبي انتقل إلى العالم الإسلامي من »الصين« أو »الهند« عن طريق بلاد فارس واشتهر به العصر »المماليك« على وجه الخصوص.
و يعتمد هذا الفن على دمى من الجلود المجففة ذات الألوان المتباينة، تتراوح أطوالها بين ثلاثين وخمسين سنتيمتراً، ويتم تحريكها بعصا وراء ستار من القماش الأبيض المسلط عليه الضوء، مما يجعل ظلها هو الذي يبرز للمشاهدين. وكان محرك الدمى، وهو فنان محترف، يعرف باسم » مخايلي « أو » محرك الشخوص «.
عرف العرب خيال الظل للمرة الأولى في العصر العباسي وكان مجيئه إلى مصر في عصر الفاطميين في القرن الخامس الهجري، حسب ما تشير بعض المصادر والدراسات، طوال العصر الأيوبي والمملوكي كانت تمثيليات خيال الظل التي كانت تعرف في العصر المملوكي باسم »بابات«.
ومفردها »بابة« ، من أهم وسائل الترفيه وكانت تقبل الناس على مشاهدتها، ولا سيما الأطفال وكانت تعرض في مسارح مخصصة وفي المقاهي والاماكن العامة بل وحتى في حفلات الزواج والختان وغيرها من المناسبات. وكان يقبل على مشاهدتها الناس من جميع طبقات المجتمع. كانت التمثليات تناقش مواضيع سياسية وإجتماعية وتاريخية بطريقة فكاهية ساخرة.
وانتشار فكرة مسرح الطفل قادت لانتشار مهرجانات مسرح الطفل وربما هذا الانتشار العشوائي أو الارتجالي يرى فيه النقاد والدارسون الآن بأنه لم يكن ممنهجا ولأجل هذا لا يوجد ما يمكن تسميته الآن مسرح الطفل في الوطن العربي لأنه باختصار فن قائم على استراتيجيات مغلوطة .
ويرى الدكتور هيثم خواجة الكاتب والباحث في مسرح الطفل في العالم العربي أن مسرح الطفل لم يتح له أن يتبلور لأسباب كثيرة أهمها عدم التخصص والتجريب الذي صار صفة ملازمة للعروض المسرحية التي تقدم تحت لواء الطفل.
بالإضافة إلى أن الجو كان مؤهلا لدخول عناصر غير مؤهلة لمسرح الطفل وجعلها تلعب في الساحة بناء على غياب الخبرات ولعل الجانب الأبرز الذي جعل مسرح الطفل غائبا هو عدم دعم الجهات الرسمية والحكومية لمسرح الطفل والنظر إليه على أنه رفاهية لا طائل منها وفي النهاية غياب عين الناقد قد سهل من تمرير مشاريع كثيرة تقدم تحت لواء مسرح الطفل ومهرجانات مسرح الطفل .
ولفت الخواجة إلى أن المسرح المدرسي يختلف بموضوعاته عن مسرح الطفل ولا يختلف بفنياته متمنيا أن يكون هناك إدراج لمادة المسرح في كل المناهج العربية لأن حالة كهذه تفضي إلى ولادة مسرح خاص ومتميز للطفل .
أما المخرج عدنان سلوم المدير السابق لمسرح الطفل في سوريا فنفى أن يكون هناك ما سماه مسرح الطفل لعدم وجود هيكلة ومؤسسة متكاملة والتجارب الناجحة هي تجارب ذاتية فردية بالدرجة الأولى ولكنها ليست ضمن مشروع .
فهناك حسب ما قال مسرحيون عاملون ولكن ليس هناك مشروع منبها إلى تجارب مسرحية من قبل كتاب مبدعين كبار ولكنها ليست اختصاصية ولم تتطور ضمن منهج ما مثل تقديم الشاعر والكاتب الاسباني غارثيا لوركا عملا مسرحيا للأطفال وكذا الحال بالشاعر بيرم التونسي وغيرهما من بعض الكتاب ، ولكن هذا لم يؤسس لظاهرة او لتظاهرة نافيا عن المهرجانات المسرحية الموجهة للأطفال أن يكون لمعظمها هدف ما .
ويؤكد الدكتور حبيب غلوم أخيرا وهو مدير مهرجان الإمارات لمسرح الطفل أن المهرجانات المسرحية بشكل عام الموجهة لمسرح الطفل تغيب عنها الرؤيا وتكثر الاستخدامات التقليدية التي تجعل الممثلين يرتدون أقنعة الحيوانات ويميلون لتقديم قصص وحكايات عن عالم الخير والشر متمنيا لو كان هناك مراعاة للشرائح العمرية بين الأطفال أنفسهم فإبن الست سنوات يختلف بعوالمه وعادته عن عوالم ابن التسع وابن الثلاثة عشر عاما .
وبالتالي لا يجد الأطفال متعة واحدة بمشاهدة العروض المسرحية ذاتها التي يتابعونها مع بعضهم البعض وهذا يجعل من تحديد الأعمار على بروشور للعرض المسرحي ضرورة من أجل تفادي الوقوع في فخ التكرار وعدم الفهم .
ويؤكد غلوم ان مهرجان الإمارات مسرح الطفل الذي يعقد كل عام ، هو مهرجان محلي ويسعى بحال من الأحوال أن يتحول إلى مهرجان للعائلة العربية ولعله بموضوعاته التي يطرحها قد نجح في تقديم نفسه ضمن هذا التوجه ، لافتا إلى أن المهرجان قد حقق قفزات لجهة المشاركة.
وتعدد الموضوعات وغناها وتمكين الطفل من الدخول في عوالم فكرية وتقنية جديدة ولعل الدورات المقبلة حسب كلامه سيكون فيها خيارات متعددة لجهة النصوص والمخرجين وبما يضمن تنويعة مهمة له ، ولكنه أشار في الوقت نفسه الى أن المشكلة التي يعاني منها مسرح الطفل في العالم العربي هو وجود أشخاص غير مختصين بهذا العالم الرحب والاختصاصي والخطير .
دبي - جمال آدم

