بعيداً عن حسابات سوق السينما المعقدة وأجور النجوم وإيرادات شباك التذاكر الذي يخضع دائما لسطوة الكبار، اتجه صنَّاع السينما خلال الفترة الماضية إلى إنتاج أفلام ذات تكلفة بسيطة تعتمد في المقام الأول على الموضوع وليس نجوم العمل.
ورغم ما حملته التجربة من مخاطر كونها تعتمد على أبطال غير معروفين، فإن المفاجأة الأكبر هي حصد بعضها جوائز دولية وعربية في مهرجانات عالمية. وفى الوقت ذاته حققت إيرادات مقبولة في دور السينما عند عرضها، فهل آن الأوان لتعصف رياح التغيير بالسينما النمطية وترسم لها خريطة حقيقية تبعدها عن العلاج بالمسكنات الذي لم يسمن أو يغن من جوع طوال السنوات الماضية، وهل تستطيع تلك النوعية من الأفلام الصمود أمام شركات الإنتاج التي ما زالت تصر على إنتاج أفلام عالية التكاليف.وهل يُقبل الجمهور عليها ، أم يعتبرها من أفلام المقاولات التي غزت السينما في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي؟®. تساؤلات طرحها »الحواس الخمس« على مختصين عبر السطور التالية®.
قبل أشهر بدأت أنظار منتجي السينما المصرية، تتوجه نحو الأفلام ذات التكلفة البسيطة، وذلك بعد النجاح الكبير الذي حققه فيلم »عائلة ميكي« ومن بعده فيلم »بهير وسمير وشهير«، الأمر الذي دفع الشركة المنتجة للعملين وهى شركة »نيو سنشري« إلى البدء في التحضير لتصوير عدد من هذه الأفلام خلال الفترة المقبلة، وكانت البداية بفيلم »678« الذي يتوقع مخرجه محمد دياب حصده جوائز عديدة في المهرجانات الدولية.
وفي حين بدأت الشركة المتحدة تصوير عدة أفلام من هذه النوعية على غرار »حكاية بنت« لكندة علوش، و»إذاعة حب« لمنة شلبي، واقتربت من الانتهاء من تصوير فيلم »رد فعل«، أكد الفنان خالد أبوالنجا صاحب فيلم »ميكروفون« الذي حصد الجائزة الذهبية ب»مهرجان قرطاج السينمائي« في دورته الأخيرة أن النجاح الذي حققه الفيلم، رغم تكلفته البسيطة، كان حافزا كبيرا له لإنتاج عشرات الأفلام من هذه النوعية خلال الفترة المقبلة.
عودة الاتزان
وتعليقا على التوجهات الجديدة لصناع السينما، رأى الناقد الفني طارق الشناوي أن اتجاه نجوم السينما إلى العمل في الدراما أدى إلى ارتفاع أجورهم بشكل مبالغ فيه؛ لذلك كان لا بد من إيجاد حل سريع لإعادة الاتزان لسوق السينما من خلال زيادة كم الإنتاج الخاص بالأفلام ذات التكلفة المنخفضة للخروج من هذا المأزق®.
لكن النجاح الذي تحصده تلك النوعية من الأفلام، والأرباح التي يجنيها المنتجون من ورائها، علاوة على فتح منابر جديدة لوجوه شابة لم تجد فرصتها حتى الآن رغم الموهبة التي يتمتعون بها، كلها أمور مازالت غير ملموسة بقوة نتيجة سيطرة الكبار على السوق.
ومع هذا، أشار الشناوي إلى أن الوقت لايزال مبكرا للحكم على التجربة، فقد تكون مكسباً للسينما وقد تكون غماً عليها إذا لم يتقبل الجمهور هذه النوعية من الأفلام، لكنه توقع في الوقت نفسه وجود مكاسب أهمها إفراز وجوه سينمائية وكتّاب سيناريست ومخرجين جدد لديهم القدرة على طرح أفكار جديدة بعيدا عن النمطية التي تميزت بها السينما على مدى سنوات سابقة، كانت معظم الأفلام المعروضة خلالها عبارة عن سلسلة من الأعمال المكررة والمتشابهة في المضمون والهدف.
سينما المقاولات
بينما يرى الناقد الفني رفيق الصبان أن هذه التجربة إذا لم تستثمر جيداً وبطريقة صحيحة فإنها ستعيدنا إلى سينما المقاولات التي كانت تعتمد على الأكشن والموضوعات الضعيفة والتي من الممكن أن تجعل الجمهور ينصرف عن دور السينما، وبالتالي تهديد صناعة السينما بالفشل.
لكن الصبان اعتبر أن تلك النوعية من الأفلام جاءت في وقتها الصحيح؛ لكسر شوكة النجوم والمخرجين والمصورين بعد أن غالوا في أجورهم بشكل مبالغ فيه، وعلى أثره تكبدت شركات الإنتاج خسائر فادحة.
واعتبر الناقد الفني أن أرباح تلك الأفلام مضمونة إلى حد كبير، كما حدث في فيلم » بهير وسمير وشهير« الذي حقق 5 ملايين جنيه أرباحاً ولا يزال في العديد من دور العرض حتى الآن، فضلا عن أن المغامرة من إنتاج هذه الأفلام تكاد تكون محسوبة؛ بعدما أصبحت الفضائيات وسيلة جيدة لتسويق تلك الأفلام، لدرجة أن بعض هذه الشركات قررت بيع الأفلام للفضائيات قبل عرضها سينمائياً.
السينما الأميركية
أما المخرج علي إدريس فيرى أن جميع المؤشرات تؤكد أن هذه النوعية من الأفلام قادرة على إعادة الاتزان إلى السينما التي اهتزت على مدار 01 سنوات بسبب المبالغة في تكلفة صناعة الفيلم بصفة عامة، لكن تجربة البعض الذين جازفوا بإنتاج هذه النوعية من الأفلام وحققت نجاحا كبيراً مثل »ميكروفون« .
و»الطريق الدائري« و»الشوق« و»بيبو وبشير« جعلت المنتجين يطمئنون إلى هذه النوعية من الأفلام، والدليل على ذلك حالة الثراء التي تعيشها السينما الأميركية بعد إنتاج عدد هائل من الأفلام منخفضة التكلفة، رغم نصوصها الهابطة والأداء المتواضع من جانب بعض الممثلين والقصص المبالغ فيها، وبالرغم من ذلك حققت مكاسب كبيرة مما جعل منتجي الدراما ينسحبون من الشاشة التلفزيونية لغزو السينما.
وقال إدريس إن نجاح التجربة في مصر مضمون، خاصة أن السينما المصرية تمتلك غزارة في المواهب؛ لذلك سيكون أكثر المستفيدين من هذه المرحلة الوجوه الشابة وكل طوائف صناع الفيلم .
المسار الصحيح
إلى هنا اعتبر المنتج محمد السبكي أن تلك الانتفاضة على السينما القديمة هي أول إيجابياتها نحو التقدم والوصول للعالمية، بعد أن اتجهت السينما في كل دول العالم إلى إنتاج أفلام لا تعتمد على تكلفة ضخمة ليس اليوم أو أمس لكن قبل 10 سنوات بعد أن شعرت الشركات بتراجع أرباحها ثم تحقيق خسائر.
لذلك كان البديل الوحيد للخروج من هذا المأزق إيجاد سينما من نوع آخر تسير في اتجاه مختلف لكن جميع خطواتها محسوبة بدقة متناهية حتى تحافظ على هيبتها ولا تعود إلى أفلام المقاولات التي عانت منها معظم دول العالم في فترة من الفترات، حيث كانت معظم التجارب فردية في البداية، وسرعان ما انتشرت وأصبحت تنفذ على الملأ، وتحصد جوائز من أكبر المهرجانات العالمية بعد أن وقفت تلك الأفلام في وضع منافسة شرسة مع أفلام تكلفت عشرات الملايين من الدولارات.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

