فهمي عمر®. أحد أبرز الأسماء التي أضاءت مسيرة الإذاعة المصرية على مدار 05 عاماً، قدم خلالها نموذجاً مشرفاً للإعلامي العاشق لمهنته، المبدع في برامجه، والمقدر لعقلية المستمع الذي ينتظره بجوار الراديو.

اشتهر بلقب »المذيع الصعيدي« وكان أول من فتح ميكروفون الإذاعة للرئيس الراحل أنور السادات ليلقي البيان الأول لثورة يوليو 2591، وخلال رئاسته للإذاعة تخرجت على يديه أجيال من الإذاعيين واستعادت الإذاعة الكثير من بريقها. »الحواس الخمس« التقاه ليحكي لنا الكثير من أسرار حياته ومواقفه الطريفة مع مشاهير السياسة والفن أمثال السادات وأم كلثوم وعبد الحليم حافظ. .وهذه التفاصيل.يقول عن البيان الأول لثورة يوليو باعتباره أول إعلامي يلتقي بقادتها: كان من حسن حظي أن أكون أول إعلامي يلتقي بالثورة المصرية، وقد حدث ذلك بالمصادفة، فحسب جدول العمل بقسم المذيعين كنت المذيع الذي ينفذ فترة الصباح من البرامج يوم الأربعاء من كل أسبوع والثورة بدأت فجر الثالث والعشرين من يوليو سنة 1952 الذي وافق يوم أربعاء.

وفي هذا اليوم كنت ذاهباً إلى الإذاعة بشارع الشريفين واسترعى انتباهي الحصار المفروض حول مقرها من رجال الجيش.

وعندما حاولت دخول الشارع استوقفني ضابط من القوات المسلحة برتبة ملازم ثان، ولما عرفته بنفسي رحب بي، وصعد معي سلالم المبنى إلى أن وصلت إلى استراحة المذيعين، حيث كان يجلس البكباشي »مقدم« أنور السادات، الذي عرفته على الفور وأدركت أن الضباط والجنود جاؤوا من أجل تحقيق الحلم الذي داعب خيالنا لسنوات طويلة، وقال لي السادات مبتسماً:

إن هناك تعديلاً على برامج الإذاعة وأنه سيقوم بإلقاء بيان خلال الميكروفون عقب بدء الإرسال مباشرة ولم أتردد لحظة واحدة في تلبية الطلب وقلت له إنني سأقول بعض الكلمات التي نحيي بها المستمعين وبالفعل دخل السادات الأستوديو وقلت الجملة التي لن أنساها وهي »سيداتي وآنساتي، أعلنت ساعة جامعة فؤاد الأول السابعة والنصف من صباح الأربعاء، وإليكم نشرة الأخبار التي نستهلها ببيان من القيادة العامة للقوات المسلحة يلقيه مندوب القيادة«، وبعد ذلك جاء صوت السادات ليعلن أول بيان للثورة.

وعن أهم المواقف الطريفة التي جمعته بالرئيس السادات يقول: كان الرئيس السادات عندما يلتقي بي في أي مناسبة كان يحتفي بي ويقول »أهلاً يا صعيدي«؛ لأنني اشتهرت في بداية عملي بالإذاعة بلقب المذيع الصعيدي، حتى التصق هذا اللقب بي على الدوام وكنت سعيداً به جداً، وأذكر أنني طوال فترة دراستي الجامعية بالإسكندرية ظللت متمسكاً بلهجتي الصعيدية.

وأذكر عن الرئيس السادات أنه في ليلة عرس ابنته من محمود عثمان ابن الراحل عثمان أحمد عثمان كنت أحد المدعوين في الفرح من قبل المهندس عثمان أحمد عثمان وكان السادات وعثمان يقفان بجوار بعضهما ليسلما على المدعوين وعندما لمحني الرئيس السادات صاح بملء فمه »تعال يا واد يا صعيدي«.

وسلم عليّ بحرارة وأردف يقول للمهندس عثمان »هو ده يا عثمان الولد اللي فتح لي الميكروفون يوم 23 يوليو«، وتبسط معي الرجل في الحديث وسألني عن حالي وأحوالي وكان ودوداً باسماً، لذلك ستظل لقاءاتي به حية في الذهن.

كوكب الشرق

علاقته الوثيقة بأم كلثوم، يتذكرها قائلاً: في أحد الأيام جاءت أم كلثوم إلى استوديو رقم 1 بمبنى الاستوديوهات لتستمع إلى تسجيل الحفل الغنائي الذي تقيمه في الخميس الأول من كل شهر وكانت تحرص على الحضور إلى الاستوديو لتجهيز بعض الأغاني لإذاعتها حسب رضاها.

وأذكر أنني دخلت الاستوديو لأبحث عن سماعة أذن خاصة بي كنت قد نسيتها في الاستوديو في اليوم السباق؛ وفوجئت بوجود أم كلثوم بالاستوديو، كانت لها هيبة وشموخ لا أستطيع أنا المذيع الحديث العهد بالإذاعة إلا أن أهتز أمامها وكان بجوارها ابن شقيقتها المهندس محمد دسوقي الذي كان يعمل في إدارة تشغيل استوديوهات الإذاعة وعندما شاهد ارتباكي هدأ من روعي وقام بتعريفي بأم كلثوم.

ويضيف مستطرداً عن تقديمه حفلاتها: كل مذيع من جيل الخمسينات وأنا منهم، كان يمني نفسه بتقديم حفل من حفلات كوكب الشرق أم كلثوم وكان كل منا يتساءل بينه وبين نفسه، متى يحين الوقت الذي يخطره فيه كبير المذيعين بأن الأمنية على وشك أن تتحقق؟ لكن ما الذي سيقوله الواحد منا بعد تقديم الرواد أمثال محمد فتحي وعبد الوهاب يوسف وحافظ عبد الوهاب لهذه الحفلات، فهؤلاء كانوا يتصفون بالكلام الجميل والأسلوب المشوق.

لذلك عندما أبلغني كبير المذيعين في نهاية شهر فبراير 4591 بأنني سأكون مذيع حفل أم كلثوم ليلة الخميس الأول من شهر مارس؛ كانت سعادتي غامرة وفي الوقت ذاته كان خوفي وفزعي كبيرين وظللت قرابة الأسبوعين قبل الحفل وأنا أعيش الحلم الممزوج بالخوف.

وعن كواليس ليلة الحفل يقول: كان الحفل بمسرح الأزبكية بوسط القاهرة وتوجهت إلى خلف المسرح، حيث كانت كوكب الشرق تستعد لبدء الحفل وأتذكر عندما دخلت عليها أنها استقبلتني بابتسامة عريضة، وقالت على الفور »أنا فاكره المذيع الصعيدي« وضحكت ضحكة عالية.

وربتت على كتفي مشجعة مما أدخل الطمأنينة إلى قلبي، كما أن جمهور الحفل الذي كان يسترق النظرات إلي وأنا أمام الميكروفون فضلاً عن الملايين التي تستمع إليّ عبر الراديو، كل ذلك هدأ من توتري حتى جاء موعد الحفل وانتقل الميكروفون من الاستوديو إلى مكان الحفل بمسرح الأزبكية وأخذت أقول ما حلا لي من القول على مدى خمس دقائق قبل أن يرفع الستار عن أم كلثوم.

وعندما بدأت دقات المسرح التقليدية الثلاث التي تسبق رفع الستار انطلق صوتي يقول »والآن أيها الستارة ترفع السادة عن أم كلثوم وفرقتها الموسيقية لتغني لنا« وكانت هذه هفوة طريفة ضحك منها زملائي الذين استمعوا إلي وقالوا »بتحصل مع أحسن المذيعين«.

مع عبد الحليم حافظ

صداقته بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ يقل عنها: لا أدعي أنني كنت على صداقة قوية بعبد الحليم ولا أزعم أنني كنت من بين من يسهرون في منزله أو أدعي كما يقول البعض أنني من أعز معارفه، فعلاقتي معه بدأت من خلال وجوده كعازف موسيقي في فرقة موسيقى الإذاعة، وكنت أشاهد شاباً ضئيل الحجم وسط مجموعة من العازفين أغلبهم من ضخام القامة فأشهد أنه كان له حضور يجعلنا نحن المذيعين نسلم عليه ونتجاذب معه أطراف الحديث.

كان اسمه عبد الحليم شبانة وله شقيق اسمه إسماعيل كان يغني في الأركان الإذاعية مثل ركن الريف والعمال، وكان عبد الحليم يجلس معنا في قسم استراحة المذيعين عقب الانتهاء من تسجيلات الفرقة الموسيقية محاولاً أن يثبت لنا بأنه يجيد الغناء وكان يغني أغنيته التي دخل بها امتحان الصوت »صافيني مرة«، وحينذاك كان الأستاذ حافظ عبد الوهاب يرأس قسم الموسيقي واستمع إليه ثم جمع له لجنة الموسيقى التي استمعت إليه وأجازت عبدالحليم، الذي أصبح اسمه عبد الحليم حافظ بعد أن أعطاه حافظ عبد الوهاب اسمه.

وأذكر أن شقة الراحل جلال معوض بشارع سليمان جوهر بحي الدقي قد شهدت أمسيات جميلة شاركنا فيها، وكثيراً ما صاحبني عبد الحليم ليشاهد المباريات وتعرف آنذاك على نجوم الكرة عصام بهيج ويكن حسين وعلاء الحامولي، وكانت له سهرات معنا في نادي الزمالك، حيث كنا نعتقد جميعاً أنه من مناصري نادي الزمالك لكن عندما اشتهر عبد الحليم وأصبح نجماً قال لي إنه أهلاوي صميم.

وأذكر أيضاً أنني كنت السبب في صداقة عبد الحليم ومجدي العمروسي؛ لأن مجدي كان زميل دراسة بكلية الحقوق، لذلك فأنا أضحك كثيراً عندما أسمع من أناس الآن أنهم هم السبب في هذه الصداقة.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية