»القسوة الناعمة«. هكذا وصف النقاد الفيلم الوثائقي »جلد حي« الحائز على جائزة مهرجان أبوظبي السينمائي.
فالفيلم الذي يرصد قضية شديدة الإنسانية وتتعلق بعمل الأطفال في المدابغ- نرى نعومة قسوته من خلال تردد الأطفال على المولد، وممارسة طقوسهم في اللهو واللعب رغم عملهم في مهنة تسلبهم طفولتهم وتمنحهم الموت البطيء®.»الحواس الخمس« التقى كاتب ومخرج الفيلم فوزي صالح ليروي لنا عن فيلمه من وجهتي نظر؛ إحداهما خاصة به والأخرى خاصة بالطفل وذلك عبر بناء دائري، مستخدما طريقة سرد حكاية تحويها حكايات أخرى®. تفاصيل أكثر يضمها الحوار التالي®. بداية®. لماذا كانت تجربة الإخراج الأولى تسجيلية؟ لأنني حتى هذه اللحظة لا أريد عمل أفلام تجارية، فقد عملت مساعد مخرج في الأفلام والمسلسلات، لكنني كنت غير راض عن عملي مساعدا لديه طموح عمل أفلام مختلفة.
المهمشون والفقراء
ما نوعية هذه الأفلام التي ترغب في تقديمها؟
أريد عمل أفلام لها طابع مختلف في طريقة الحكاية والسرد، وفي التقنية البصرية المستخدمة، وأيضا في نوعية الأبطال؛ لأن معظم أفلامي»بلا أبطال«، حيث اعتمادي الأول ينصب على المهمشين والبسطاء والفقراء، وهذا بكل تأكيد يتنافى مع الأفلام الأخرى التي تجعل البطل هو المنتصر دائما، فهل هناك منتجون يقبلون هذه النوعية من الأفلام!.
هذا يقودنا للحديث عن »جلد حي« وكيفية توصلك لهذه الفكرة؟
أثناء عملي مع المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي باحثا ومساعدا في فيلمه التسجيلي »الأيادي الصغيرة« الذي كان يتحدث عن عمالة الأطفال في مصر، اقترحت عليه التصوير مع أطفال العاملين بالمدابغ، حيث تربطني بهم صداقات وعلاقات طيبة، وبعد معاينة المكان قال لي هذا فيلمك أنت، لابد أن تقوم بعمل فيلم عن هؤلاء، ولكن شرحت له صعوبة توفير تمويل لإنتاج فيلم كهذا، غير أنه ساعدني في الحصول على تمويل من خلال اتصالات شخصية.
على الرغم من صعوبة إيجاد منتجين يقبلون هذه النوعية من الأفلام فإنك توصلت إلى محمود حميدة، كيف؟
حقا؛ وجدنا صعوبة بالغة في البحث عن منتج لمدة عام، وبعد ذلك عرضت الفيلم على »محمود حميدة« صاحب شركة البطريق للإنتاج الفني، وأبدى تحمسا شديدا للفيلم، وساعدنا في الحصول على التصاريح والإجراءات القانونية والتمويلات الخارجية.
حدثنا عن كواليس الإعداد للفيلم.
استغرق الإعداد للفيلم قرابة خمسة أشهر، وحددت حاجة الفيلم لثلاث شخصيات تعمل في المهن الرئيسية داخل المدابغ وهي: العربجي وعامل المدبغة وعامل أبراج تجفيف الغراء، ولكننا لم نوفق في الحصول على طفل يعمل في هذه الأبراج، ولذلك غيرنا وجهتنا ليحكي الفيلم حكاية شخصيتين رئيسيتين بدلا من ثلاث.
ومن خلال البحث والإعداد وجدنا مهنا هامشية داخل المدابغ، كمهنة إصلاح المعدات المستخدمة في عملية الدباغة، ومهن تلي عملية الدباغة كرش الجلود، واصطدمنا بموافقة الأطفال على التصوير ومعارضة الأهل والعكس، ما أدى إلى عرقلة مسيرة التصوير؛ لأن قانون الطفل المصري يحتم علينا موافقة ولي أمره على التصوير.
تساؤل
ما الخلاصة التي خرجت بها من فيلمك؟
قررت الاستغناء عن المقابلات الشخصية المباشرة المواجهة للكاميرا، حيث يجلس الطفل مثلا ويتحدث للكاميرا مستعيضا عن ذلك بمحاورة شخصيات الفيلم أثناء ممارستهم العمل.
اتهم البعض فيلمك بأنه »يقلب علينا المواجع«، وكان ردك أن هناك حكمة وراء ذلك!
أجاب ضاحكا، لازم أقلب المواجع؛ لأن هذا سيدفع المشاهد إلى التفكير، وبالتالي يدفعه إلى السؤال، والسؤال سيدفعه إلى الفعل، ومن الممكن للفعل أن يغير الواقع أو يهرب منه، فدوري كمخرج هو دفع المشاهد إلى ذلك.
ألم تتخوف من اتهامك بتشويه سمعة بلادك في الخارج؟
هناك ثقافات سائدة عند البعض بأن هناك بعض الأفلام التي تشوه سمعة المجتمع المصري، وبالتالي الحط من شأنهم، ولكن من خلال أفلامي أستطيع التغلب على هذه الأفكار، وأثبت أن هناك هدفا أسمى سأسعى إليه.
إلى أي حد تعتقد أنك أوصلت الفكرة للمشاهد بشكل واضح؟
أنا راضٍ عن الفيلم بنسبة 06%؛ لأنه لا يوجد عمل متكامل بنسبة 001%.
هل يقودك نجاح »جلد حي« إلى العمل في الأفلام الروائية؟
هذا تفكير خاطئ؛ لأن المخرج كالفنان التشكيلي الذي يعبر عن تفكير في موضوع ما بلوحة مرسومة بالألوان المائية على الورق أو بألوان الزيت على الخشب فدائما تختلف أدواته، فأنا هكذا لديّ بعض الوسائط ولابد من توظيفها جيدا حسب الإمكانات.
برأيك®. أيهما أكثر تطوراً الفيلم التسجيلي قديماً أم الآن؟
أعتقد أنه الآن أكثر تطورا، ولا أعلم السبب.
ومن هو جمهور الفيلم التسجيلي؟
كل الناس بمختلف الفئات والمستويات حتى لو كانوا قليلين، وهم جديرون بالاحترام ويجب علينا الوصول إليهم.
كيف؟
سأحاول من خلال أفلامي الوصول إلى الجمهور، ولكن هذا يتطلب وجود منتجين وموزعين يقبلون هذه النوعية من الأفلام، ومن خلالهم سنخلق سبلا للوصول إلى الجمهور.
لبنان أكثر تطورا
هذا يقودنا إلى الحديث عن المشاكل التي تواجه الأفلام التسجيلية في بلدك.
تواجه مصر العديد من المشاكل في هذا المجال، منها ما يتعلق بالإنتاج والتوزيع، بالإضافة إلى عدم تأهيل وإعداد مخرجين لأفلام تسجيلية بشكل جيد، فقد أصبحنا لا نرى أفلاما تسجيلية، وتفكيرنا في هذه الأفلام أصبح محدودا وضيقا، علاوة على عدم قدرتنا على مواكبة الأحداث العالمية، فأصبح الهدف من الإنتاج هو العرض على القنوات الفضائية فقط، والخلاصة أن النمط الإنتاجي للأفلام الوثائقية في مصر غير متاح.
وهل يختلف الوضع كثيرا عن الأفلام التسجيلية في الوطن العربي؟
الأفلام التسجيلية في الوطن العربي أكثر تطورا من مصر، خاصة لبنان وفلسطين، اللتين تتميزان بعوامل كثيرة منها مساحة الحرية المتاحة، ومساحة التجربة الفنية داخل الفيلم.
حصل فيلمك أخيرا على جائزة من مهرجان أبوظبي السينمائي، فماذا أضافت الجائزة لكم كصناع للفيلم؟
وجود فيلمي في مهرجان أبوظبي منحني ثقة كبيرة فيما أقدمه كمخرج مبتدئ، وأنا سعيد بمشاركة فيلمي في هذا المهرجان، فهي تجربة أتمنى تكرارها، وعلى جانب آخر حصل فيلمي على جائزة قدرها 52 ألف دولار، وسأستثمر هذه الجائزة في فيلمي القادم.
وما الأحداث التي سيتضمنها فيلمك المقبل؟
لديّ مشروع روائي طويل بعنوان »وردة سامة« تدور أحداثه في نفس المكان »مدابغ مجرى العيون« وانتهيت من كتابته، وفي هذا الفيلم أمزج بين الروائي والتسجيلي؛ لأنه يعتمد على لقطات تسجيلية، وبعد هذا الفيلم سأتجه إلى عمل أفلام تسجيلية أخرى، وذلك حسب الأدوات التي أمتلكها.
القاهرة - دار الإعلام العربية

