وسط عدد كبير من الفرق الموسيقية التي تبحث عن هوية ولون و»استايل« يحدد ملامح مشروعها، تبزغ فرقة »ناس مكان« في الفضاء الموسيقي في مصر لتحكي بالموسيقى قصة هذا الفن في دلتا وصعيد وجنوب البلاد، حتى تلامس حدود السلم الخماسي والإيقاعات القوية في السودان.

»ناس مكان« تجربة موسيقية خاصة جدا، تتطور وتنضج عبر الدخول في مشاريع موسيقية مع فرق تقدم الموسيقى التقليدية من إسبانيا وهولندا أو النرويج، وتشارك في المهرجانات العالمية، وتحقق كل يوم نجاحا، وترسخ في وجدان الجمهور عبق الموسيقى الشعبية المتطورة.تكونت فرقة »ناس مكان« في صيف العام 2007 كمشروع موسيقي يتوج فكر أحمد المغربي مؤسس المركز المصري للثقافة والفنون، والمعروف باسم »مكان«، ومنه اشتق اسم الفرقة التي تضم عناصر موسيقية وغنائية من فرق المركز مثل »مزاهر« التي تقدم عروضاً لموسيقى الزار المصري، وفرقة »مواويل« التي تعيد أحياء موسيقي الغجر والأغاني التي تميز ثقافتهم، ويعد »مكان« في الوقت الراهن مهرجانا عالمياً لموسيقى وفنون الغجر.

الموسيقى التقليدية

يرتكز المشروع الفني لفرقة »ناس مكان« على تقديم الأغاني والموسيقى التقليدية المميزة لكل أقاليم مصر ووضعها في إطار معاصر و»استايل مودرن« تتجاوز فيه الآلات الشعبية مثل الناي والطمبورة الموغلة في القدم وهي الآلة الأم لكل عائلة السمسمية.

وهناك أيضاً الآلات الإيقاعية ومنها الدفوف والمزاهر، وتتحاور هذه المجموعة مع الآلات الغربية مثل الباص جيتار والساكفون والدرامز، ويمثل التوافق اللحني والنغمي والإيقاعي عصب هذه التجربة، ويعود هذا القدر الهائل من التوافق والهرمونية إلى تشبع كل أفراد الفرقة بالفكرة والفلسفة التي تقوم عليها واقتناعهم بها والعمل عليها لفترة طويلة.

ومن أعضاء »ناس مكان« المطرب الشعبي سيد إمام المعروف في مجال الأفراح البلدي في الساحات وصدرت له عدة ألبومات، ويقول: وجودي في الفرقة مصدر فخر لي، ومنها عرفت طريقي إلى المهرجانات العالمية التي تهتم بمثل هذه الألوان الموسيقية.

وبالطبع فقد أصقلت موهبتي وخبراتي من خلال العمل مع موسيقيين محترفين بعد أن كانت قاصرة على أداء الموال الشعبي بألوانه في دلتا مصر أو صعيده، وهنا يدرك كل عازف ومغن دوره تماما، ومساحة الارتجال التي يتحرك فيها وتبرز مهارته وتسهم في إثراء التدفق الشعوري للحالة الموسيقية ككل. ويضيف: هناك شيء مهم وهو كيفية الاستماع إلى كل الآلات والتفاهم مع زملائي بالفرقة حتى نصل إلى أقصى درجة من التواصل والإتقان.

الغناء الجعفري

ويأتي دور مطرب آخر يقدم لوناً مختلفاً هو الغناء الجعفري، وعن ذلك يقول سيد ركابي: هذا الطابع الغنائي نبع من قبائل الجعافرة بجنوب مصر المنحدرين من الجزيرة العربية، ومن أهم أشكاله الكف والوشم والمشالة، وهي ألوان غنائية تجمع بين طربية الغناء العربي وعنفوان الأداء الذي يميز الغناء البدوي أو الصحراوي، ويمتلك الركابي صوتا قويا كأبناء جنوب مصر، ويتفاعل مع الجمهور الذي عادة ما يشكل الضيوف الأجانب، نسبة عالية منه.

ويلعب عازف الساكسفون إبراهيم عبدالهادي دوراً محورياً في ضبط أداء الفرقة، فهو إما أن يمنحها طابعا شرقياً شجياً إذا ما حافظ على عزف درجة الربع تون، أو يتغلب الطابع الغربي الذي تنتمي الآلة إليه، ويرى عبدالهادي أن أحساس العازف هو الذي يقوده إلى طريقة الأداء وفقاً للجو الموسيقي الذي تذهب إليه الفرقة.

أنواع موسيقية كثيرة

وتقدم المطربة السودانية آسيا مدني الأغاني الرشيقة التي تعتمد على حيوية وإيقاعية السلم الخماسي، وتقول: أتيت من واد مدني بوسط السودان، حيث تتلاقى أنواع موسيقية كثيرة من البعد العربي بمقاماته وطريقة الغناء التي تعتمد على خبرة المطرب وتمكنه وأيضاً من البعد الإفريقي بإيقاعاته القوية وسرعته®.

وتضيف: هنا مع »ناس مكان« أقدم بعض الأغاني الخاصة بي، مثل جنزير ثقيل وبيابيا وغيرها ولكن بأسلوب وتوزيع مختلفين، لافتة أن الفرقة أخذت بعض الوقت حتى تصل للغة موسيقية تتلاقى فيها وتقدم شيئا جديداً في المحيط الموسيقي والثقافي في إطار ثورة الموسيقى المستقلة وسفرياتنا، باهتمام وشغف الجمهور بما نقدمه مع اختلاف اللغة والثقافة.

وتشير الحاجة أم سماح كما ينادونها، وهي التي تؤدي أغاني الزار وتضرب بالدفوف إلى أنهم في »ناس مكان« لا يؤدون بالقوة المعروفة في طقوس الزار حتى لا ينزعج الجمهور ، خاصة في ظل الفكرة السلبية عن الزار عند الناس، وقالت:

هناك أنواع كثيرة للزار، ولكننا نهتم بتقديم الزار المصري الذي يعرف بـ »أبو الغيط«، وبالطبع نقوم بتطويع هذه النوعية من الموسيقى ودمجها في توليفة »ناس مكان« مما يمنحها بريقاً.

تجارب دولية

وتدخل الفرقة في تجارب ومشروعات موسيقية كثيرة مع فرق من حول العالم للبحث والتجريب في أشكال وصيغ موسيقية شعبية، وأحدث هذه التجارب مع عازف الساكس النرويجي »رولف آريك« الذي قدم حفلات ودخل في ورش عمل في كثير من دول العالم، ويقول:

أتعامل في أي مشروع بمنطق التعليم والتعلم للخروج بموسيقى لا يحدها سوى ما نراه ونضعه بأنفسنا، للحفاظ على شكل وهوية الموسيقى التقليدية في أي مكان في العالم، فهي ستظل حية في وجدان الشعوب بعد مئات السنين وبرغم طوفان الموسيقى الذي يأتينا من أجهزة الراديو، كما أننا لا نكترث بتدوين ما نقدمه من تجارب موسيقية.

ولكن نهتم أن تكون جزءا من ذاكرة الجمهور، ولذلك نحرص على تقديمها بشكل شيق ومتدفق حتى يكون الجمهور في داخل التجربة.

ويضيف رولف: فكرتي عن الموسيقى المصرية كانت مشوهة، حيث اعتقدت بأنها مجرد صدى للموسيقى الشرقية، ولكن وجدت فيها ملامح من الموسيقى النوبية والإفريقية بشكل واضح، وهو ما خبرته بنفسي من قبل في تجارب مع موسيقيين في السنغال وموريتانيا، وهو شيء أفادني في التعامل والتفاهم مع سيد ركابي وآسيا مدني بشكل كبير.

القاهرة : دار الإعلام العربية