«فتاة الغيشا البارعة تستطيع أن تجذب اهتمام أي رجل مهما كان، بنظرة واحدة» هذا ما قالته الممثلة زانغ زيي، ببشرتها البيضاء «الطبشورية» وفمها المرسوم بدقة على شكل قلب باللون الأحمر القاني وشعرها المرفوع على شكل شينيون، والتى برزت بقوة فى عام 2006 من خلال «مذكرات فتاة غيشا» Memoirs Of a Geisha، أزياء تستعملها المرأة كوسيلة للتعبير عن ذاتها وللإثارة في الوقت ذاته. المشكلة أن الواقع يقول ان طبقة بيضاء من الماكياج على الوجه، وكأنها قناع، أو ارتداء كيمونو تقليدي مع حذاء أو صندل «ويدج» عال جداً، ليس أمراً منصوحاً به في الحياة العامة حالياً، وفي الوقت ذاته يقول انه لا مهرب لنا من التأثير الياباني في الموسمين المقبلين، فما العمل؟ الحل قدمه العديد من المصممين من خلال ترجمتهم لفكرة «الغيشا» بأسلوب عصري.
التراث الياباني
على سبيل المثال نذكر منهم المصممتين ديان فون فورتنسبورغ ودونا كاران، والمصمم درايز فان نوتن، الذي يعرف عنه عشقه للنقوشات عموماً، وبالتالي عانق التراث الياباني بحرارة من خلال زخرفات مستوحاة من الطبيعة بألوان ناعمة على فساتين أو قمصان بأحزمة عريضة، وجاكيتات قصيرة بأكمام عريضة، إلى جانب مصمم دار لانفان، ألبير الباز، الذي استعمل الساتان والأقمشة الفخمة بكثرة مع أحزمة مستوحاة من حزام الكيمونو العريض.
ولا يختلف اثنان أن بداية هذا العام، شهدت ما يشبه غزو التأثير الياباني خصوصاً، والشرقي عموماً، وزادت أصداؤه مع صدور فيلم «مذكرات فتاة غيشا» وتحقيقه إيرادات وصلت في الولايات المتحدة وحدها إلى 60 مليون دولار، والفيلم عبارة عن ملحمة مثيرة مأخوذة عن رواية لآرثر غولدن، وبغض النظر عن نجاحه تجارياً، فإن المؤكد أنه تحول إلى ظاهرة في أوساط الموضة، لأن الأزياء كانت بطلاً رئيسياً أدى دوره بروعة وطلاقة، التي يمكن القول انها كانت تتكلم بلغة مسموعة وواضحة.
فهي التي مكنت البطلات الثلاث، اللواتي لم يكن لهن صوت، ان يتكلمن ويعبرن عما يختلج في صدورهن، سواء من خلال الألوان والنقوشات التي يخترنها أو التصاميم. فالكيمونو، مثلاً جاء بعدة أشكال تماشياً مع دور كل واحدة منهن والشخصية التي تجسدها، ولم يتقيد بالتصميم الياباني التقليدي الذي يعتمد على القصة المستقيمة والصدر المسطح بواسطة حزام عريض، بل جاء أكثر سخاءً بحيث يتتبع تضاريس الجسم بنعومة يبدو معها، هذا الأخير، أكثر إغراءً، للذوق غير الياباني على الأقل، الذي قد يجد الشكل التقليدي أقرب إلى التراث منه إلى الأناقة العصرية.
عين الكاميرا أيضاً جذبها جمال الأزياء، الأمر الذي انعكس على الشاشة، فقد ركزت على أدق النقوشات المرسومة سواء على الكيمونو أو الحزام، بنفس الطريقة والدقة التي ركزت فيها على بريق عقد من اللؤلؤ، أو على كم ينسدل على اليد بأسلوب الهم العديد من المصممين الغربيين، كما يظهر في الصور. ما تجدر الإشارة إليه ان تأثير الشرق الأقصى ليس جديداً، فقد كان من الأماكن التي ألهبت خيال العديد من المصممين بثقافته القديمة والخاصة جداً، التي تتستر تحت غطاء من الغموض. فالمخضرم إيف سان لوران، مثلاً، لعب على نغمات صينية، سواء من خلال الأزياء أو العطور والماكياج، نذكر على سبيل المثال عطره الشهير «أوبيوم» الذي طرح في الثمانينات.
وعندما أراد توم فورد أن يترك دار إيف سان لوران منذ بضع سنوات، قرر هو الآخر ان يودع بقصيدة تتغنى بالشرق من خلال فساتين كانت أقرب إلى تحف فنية بألوانها الدافئة ونقوشاتها المتضاربة. لكن التركيز كان دائماً على الصين وليس على اليابان، كما هو الحال هنا، مع العلم ان اختيار ثلاث حسناوات صينيات للقيام بأدوار فتيات غيشا يابانيات، أثار حفيظة اليابانيين والكثير من اللغط حينها.
ويتوقع العديد من خبراء الأزياء ان حمى الشرق، أو اليابان، ستحتاج عوالم أخرى، والفضل في ذلك لا يعود إلى المصممين الكبار فحسب، بل إلى المتاجر الكبيرة والمحلات الشعبية مثل زارا ومانغو وأيتش اند إم وغيرها، الذين طرحوا عدة نسخ بأسعار في متناول اليد، إضافة إلى محلات «هارفي أند نيكولز» الراقية الواقعة بمنطقة نايتسبريدج بلندن وغيرها، هذا عدا ان مجلة فوغ الأميركية التي تعتبر بوصلة الانيقات في كل العالم، أبدت اهتماماً كبيراً بالفيلم وإيحاءاته المختلفة.
ففتيات «الغيشا» في زمانهن كن بمثابة عارضات سوبر، تقتدي بهن المرأة اليابانية. وكن يمتلكن القدرة على تحديد توجهات الموضة، سواء من حيث الأزياء أو الماكياج أو الاكسسوارات، التي تتمثل في أحذية «الويدج» العالية بشكل لا يمكن ان نتصور أياً منها ان تكون عملية، ونشكر المصممين أنهم جعلوها أكثر واقعية، وأقرب إلى الذوق العصري.
موضة اجتاحت السوكي الأميركي
ما ترجمته أرقام المبيعات، تؤكد أن هذه الموضة اجتاحت السوق الأميركي، وانتشرت مثل النار في الهشيم، وبأنها تحصد الملايين لأصحابها. فمحلات «بانانا ريبابليك» على سبيل المثال، حضرت تشكيلة جاهزة من الملابس المستوحاة من الفيلم خلال تصويره، وطرحتها بمجرد عرضه في دور السينما.
التشكيلة تتضمن بلوزات بأكمام تزينها نقوشات يابانية وفساتين واكسسوارات وغيرها. ولا يقتصر هذا النجاح على الولايات المتحدة، بل وصلت اصداؤه إلى أوروبا منذ فترة. ففي أسابيع الموضة العالمية المختلفة في العام الماضي، رأينا الكثير من التصاميم المستوحاة من اليابان حتى قبل عرض الفيلم، ربما بفضل انتعاش الاقتصاد الياباني. فأحذية «الويدج» العالية كانت حاضرة وستبقى كذلك في الموسمين المقبلين، ومستحضرات التجميل المصنوعة من خلاصات الأرز والورد لتنظيف البشرة وتقشيرها ستعرف طريقها إلى حقيبة ماكياج كل أنيقة.
وهناك تكهنات اننا خلال عروض باريس للملابس الجاهزة (تبدأ في أواخر شهر فبراير) ستأخذنا في رحلة ساحرة وممتعة إلى الشرق الأقصى للاستمتاع بثقافته الزاخرة بالألوان والحرير. وتؤكد مصممة ملابس الفيلم، كولين أتوود، أنها تتمنى ان تظل الطفرة اليابانية معنا لسنوات عديدة، خصوصاً إذا تبناها واحد من المصممين الكبار، مثل جون غاليانو، الذي تعشق تصاميمه وجنونه.
دبي - رشا عبدالمنعم
