يسود الاعتقاد بأن عالم العمارة يحتكره الرجال، ولأنّ الهندسة المعماريّة كانت حكراً على الكون الذكوريّ، لم تكن المهمّة سهلة على نوابغ الهندسة من الجنس اللطيف في رحلة إثبات الذات. وعلى الرغم من صعوبة المسار، بعضهنّ تمكّن من تحقيق منجزاتٍ عظيمة بدأت بتجاوز العقبات ووصلت إلى تواقيع نسائيّةٍ تحملها أبرز الأبنية الاستثنائيّة في العالم. من رائدات عالم العمارة، 01 اخترناهم لنروي مسيرتهنّ، ونتطرّق إلى أبرز أعمالهنّ في هذا الملف.
كازيو سيجيما.. رؤية استثنائيّة
وُلدت سيجيما سنة 6591 في مدينة «إيبراكي» اليابانيّة، والتحقت بكليّة الهندسة المعماريّة في جامعة اليابان للنساء، وتمكّنت من الحصول على وظيفة في شركة «تويو إيتو» المعماريّة، المعروفة بابتكارها مفاهيم فريدة في مجال العمارة. في سنة 7891، أنشأت سيجيما شركتها الخاصّة مع مجموعةٍ من الزُملاء، وبعد ذلك بثمانية أعوام، كانت انطلاقة شركة «SANAA» المعماريّة العملاقة من مكتب مشترك بين سيجيما، ومديرها السابق في العاصمة اليابانيّة طوكيو.
تمّ تعيين سيجيما، مؤخّراً مديراً لقسم العمارة في مهرجان «البندقيّة للعمارة المعاصرة»، وعليه أصبحت قائمةً على تحضير المعرض المعماري الثاني عشر للمهرجان الدوليّ، وهي أوّل امرأة في التاريخ تحتلّ هذا المنصب. يُذكر أن سيجيما حازت على جائزة بالمشاركة مع زميلها ريو نيشزاوا على جائزة «بريتزكر» بسبب تفرّدهما في إبداع تصاميم تدلّ على موهبةٍ عالية والتزام بأخلاقيّات المهنة، بالإضافة الى رؤية مستقبليّة استثنائيّة.
زهى حديد.. في المرتبة الأولى
في بغداد سنة 0591، وُلدت المعماريّة المُخضرمة زهى حديد، ظلت تدرس في بغداد حتى انتهائها من دراستها الثانوية، حصلت على شهادة في الرياضيات من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1791، حاصلة على وسام التقدير من الملكة البريطانية، تخرجت عام 7791 في الجمعية المعمارية بلندن، وعملت كمعيدة في كلية العمارة، وانتظمت كأستاذة زائرة أو أستاذة كرسي في عدة جامعات في أوروبا بأمريكا منها هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وكولومبيا ونيويورك وغيرها.
تسنى لزهى أن تحصل على شهادات تقديرية من أساطين العمارة مثل الياباني كانزو تانك، وقفز اسمها بعد ذلك إلى مصاف فحول العمارة العالمية. كما حصلت على جائزة بريتزكر المشهورة في مجال التصميم المعماري، حيث تعادل في قيمتها جائزة نوبل، وبذلك تصبح زهى أول امرأة تفوز بها منذ بدايتها التي يرجع تاريخها لنحو 52 عاماً، كما أنها أصغر من فاز بها سناً وكان ذلك عام 4002.
مايا لين.. رؤيةٌ واضحةٌ وقويّة
من جمهوريّة الصين الشعبيّة، هاجرت أسرة مايا لين إلى الولايات المتّحدة، حيث وُلدت هي سنة 9591. أسرة مايا عريقةٌ في مجال الأداب والفنون، فوالدتها كانت مدرّسة أدب في جامعة أوهايو، ووالدها كان عميد كليّة الفنون الجميلة في جامعة أوهايو أيضاً.
سنة 1891، وعندما كانت مايا لا تزال طالبةً قي الكليّة، فازت بمسابقة تصميم النصب التذكاري للمحاربين الأميركيين الذين قضوا في حرب فيتنام، واستطاع التصميم الذي جهّزته أن يتفوّق على 024,1 تصميم آخر.
في سنة 4991، كانت مايا المحور الأساسيّ لفيلم وثائقيّ حقّق جوائز عديدة، وقد حمل اسم «مايا لين: رؤية واضحةٌ وقويّة»، تيمّناً بالخطاب الذي ألقته في جامعة «ييل» بعد فوزها بمسابقة التصميم، حول عمليّة التصميم والفكرة من ورائه. وبعد العديد من الانجازات المميّزة في تاريخها، استحقّت أن تنال الميداليّة الوطنيّة للفنون، والتي قلّدها إيّاها الرئيس الأميركيّ باراك أوباما بنفسه سنة 9002.
ماريون ماهوني غريفين.. رائدةٌ عالميّة
عندما اختار فرانك لويد رايت أوّل موظّفيه، وقع اختياره على ماريون، التي أضحت لاحقاً أوّل امرأةٍ في التاريخ تحصل على رخصة ادارة شركة هندسة معماريّة. وُلدت ماريون سنة 0791، وبعد تخرّجها من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، التحقت بشركة «رايت» وبدأت في العمل بمجال تصميم المباني والأثاث والزجّاج المُزخرف. وعلى الرغم من أنّ ظلّ زملائها الذكور طغى قليلاً على انجازاتها، إلا أنّ ما حقّقته بمشاركاتها القيّمة في مدرسة «بريري» للتصميم، ترك لها بصمةً مميّزة في تاريخ العمارة.
تصاميم ماريون انتشرت خلال أوّل ثلاث عقود من القرن الفائت، في الولايات المتّحدة وأستراليا، ولعلّ من أكثرها شهرةً، مسرح كابيتول الذي تمّ بناؤه بمدينة ميلبورن الأستراليّة بين سنتي 1291 و3291.
جوليا مورغان.. إرادة قويّة
أوّل طالبةٍ أنثى في مدرسة الفنون الجميلة بالعاصمة الفرنسيّة باريس، وأوّل معماريّة محترفة في ولاية كاليفورنيا. هكذا تعرّف جوليا، المصمّمة التي يحمل توقيعها أكثر من 006 مبنىً في كاليفورنيا، ولعلّ أشهرها قلعة «هيرست» العائدة لعملاق النشر الأميركيّ راندولف هيرست.
بعد أن تخرّجت من كليّة الهندسة المدنيّة في جامعة كاليفورنيا، وبدعمٍ من زُملائها في الجامعة، اتّجهت الى باريس بغاية إكمال دراستها في مدرسة الفنون الجميلة، وفشلت في دخول المدرسة مرّتين، الأولى لكونها امرأة، وفي الثانية تذرّعت المدرسة بفشلها في امتحان القبول. إلا أنّها لم تملّ وتمكّنت من الالتحاق بالمدرسة، حيث تمّ قبولها مع 21 طالبٍ آخر من أصل 763 متقدّم، وبعد ذلك بسنتين أصبحت أوّل امرأة تتخرّج من المدرسة بدرجة في العمارة.
إيلين غري.. طفرةٌ ماديّة
على الرغم من أنّ أعمالها أُهملت لفترات طويلة، إلا أنّها أضحت في يومنا هذا مرجعاً أساسيّاً للمصمّمين المعاصرين. حيث يجد العديد من مصمّمي مدارس «آرت ديكو» و«باوهاوس» في أعمالها الإلهام الذي يستقون منه أعمالهم.
وُلدت إيلين لأسرة أرستقراطيّة في أيرلندا، وهي أصغر إخوتها، ووالددها كان رسّاماً وشجّع الحسّ الفنّي لدى ابنته عبر اصطحابها في رحلاتٍ فنيّة إلى إيطاليا وسويسرا من أجل تشجيع الروح الحرّة لديها. وعانت كثيراً بعد التحاقها بصفوف الهندسة المعماريّة، في زمنٍ كان عمل المرأة فيه يقتصر على المنزل والأولاد بأيرلندا.
في سنة 8691، أي قبل وفاتها بثمانية أعوام، لقيت أعمالها اهتماماً استثنائيّاً في أيرلندا، وتمّ اعتبار تصاميمها على أنّها حديثة ومعاصرة، ومن ثمّ خصّص المتحف الوطني في آيرلندا قاعةً لعرض أعمال إيلين بشكلٍ دائم.
وفي سنة 9002، وصل سعر كرسي «دراغون» الذي صمّمته غيلين، وأضحى جزءاً من مجموعة «إيف سان لوران» إلى 22 مليون يورو بأحد المزادات في باريس.
دنيز سكوت براون.. بعيداً عن الظلال
في القرن الماضي، اشتهرت العديد من الفرق المعماريّة المكوّنة من أزواجٍ، اشتهر الرجال منهم لأنّهم كانوا دائماً في الأضواء، في حين بقيت الزوجات خلف الكواليس يعملن بهدوء. وليست هذه الحال مع دنيز براون، حيث انّها كانت قد حقّقت نجاحاً مميّزاً في حقل التصاميم المدنيّة قبل أن تتعرّف إلى زوجها بسنين.
وفي حين بقي هو الواجهة الأساسيّة للشركة، لا زالت أعمالها هي حتّى اليوم ترسم العلاقة بين التصميم الحديث والمجتمع ايضاً.
دخلت دنيز الكليّة مع زوجها الأوّل، وبعد تخرّجهما تجوّلا في أنحاء أوروبا، وعملا لمدّة ثلاثة أعوام في مواقع مختلفة. لاحقاً توفّي زوجها بحادث سير، فاضطرّت لإكمال دراستها والعمل، حين تعرّفت على زوجها الثاني روبرت بنتوري، جرّاء عملهما سويّة على إفشال مشروع هدم مكتبة جامعة فيلادلفيا.
نورما ميريك سكليريك.. ريادة وكفاح
تعتبر نورما أوّل أميركيّة من أصولٍ أفريقيّة تتمكّن من الحصول على رخصة لمزاولة عمل الهندسة المعماريّة في الولايات المتّحدة. فالسيّدة المولودة سنة 8291، حصلت على رخصة العمل في ولاية نيويورك سنة 4591، وفي كاليفورنيا سنة 2691، وفي سنة 0891، أصبحت نورما أيضاً أوّل أميركيّة من أصول أفريقيّة، يتمّ انتخابها زميلةً للمعهد الأميركيّ للمهندسين المعماريين.
من أهمّ أعمالها، المبنى رقم واحد في مطار لوس انجلس الدوليّ، وسفارة الولايات المتّحدة في اليابان. وهي الآن شبه متقاعدة، لكنها لا تزال تشغل منصبها في هيئة المهندسين المعماريين بكاليفورنيا، وقد أصدرت جامعة «هوارد» تكريماً لها برنامج منحة دراسيّة لطلّلاب الهندسة المعماريّة.
سوزانا توري.. دعماً للمرأة
وُلدت سوزانا سنة 4491 بمدينة «بوان» الأرجنتينيّة، وانتقلت إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة في عام 8691، أي بعد عامٍ من حصولها على شهادة دبلوم الهندسة المعماريّة، وبعد ذلك أكملت دراستها في جامعة كولومبيا بنيويورك.
تعتبر سوزانا نفسها فنّانة داعمةً للمرأة، من خلال تصاميمها المعماريّة وتعاليمها وكتاباتها. وتقول إنّ تصاميمها مدنيّة وتتحلّى بمسحةٍ ما بعد الحداثة، خصوصاً في عمليّات إعادة الترميم التاريخيّة، كي يكون النتاج عبارةً عن نسيجٍ متوازن من الأبنية القديمة المزوّدة بمتطلّبات الحياة الحديثة.
آنا كيشلين.. ابتكار بلا حدود
تُعتبر آنا من المعماريّات المبتكرات الأبرز في العالم، حيث حصلت على براءة لسبعة اختراعات. منها المغسلة التي نعرفها بشكلها الحاليّ، والأسرّة المقلوبة، التي يُمكن أن يتمّ إخفاؤها ضمن الجدران.
وإضافة إلى هذا، آنا هي أوّل من طرح فكرة استخدام القرميد في عمليّات البناء الداخليّ.
علي محيي الدين

