اعتاد المصريون أن تكون لهم عاداتهم وتقاليدهم التي ورثوها عن أجدادهم القدامى، ولعل الزواج أبرز هذه العادات التي لم تتغير، فالزواج يبدأ بالخطوبة مروراً بليلة الحنة ثم الزفة.. والأخيرة تعني الكثير لأهل العروسين، فدائماً ما يتحدث المصريون عن «زفة فلان على فلانة وليس زواج فلان من فلانة».
والمفارقة هنا هي التطور الملحوظ بين الزفة زمان وشكل الزفة اليوم التي تطورت بشكل مواز لتطور الحياة، ففي الماضي كانت الزفة للعروس بـ«الجمال» يتقدمها جمل على ظهره هودج مزخرف ومطعم بمستلزمات الزينة وبداخله الزوجة وبجانبها والدتها أو أقرب الأقربين لها في موكب كبير، والكل يحاول الاقتراب من هذا الجمل حتى تراه أم العروس ليثبت أنه كان من بين الحاضرين، ويتم ذلك وسط الزغاريد التي لا تتوقف كلما أشارت أم العروس لجارة أو قريبة أو إحدى معارفها.
زفة مودرن
ولكن زفة اليوم «مودرن» على مقاس العصر، وهي عبارة عن فرقة إيقاعية تضم نحو 51 إلى 02 فرداً يحملون الدفوف ويقدمون ألحاناً في أغلب الأحيان تتناسب والمناسبة أو تعبر عن وظيفة العروس والعريس من خلال عبارات أو كلمات تمجد الاثنين.. ليس هذا فقط بل بات يطلق على زفة اليوم أسماء مختلفة مثل زفة مصرية أو زفة إسكندرانية، لدرجة أن العرب الذين يعيشون في مصر تكون لهم إيقاعات وكلمات تعبر عن ثقافة العريس العربي أو العروس المصرية أو العربية بإيقاعات تتناسب مع إيقاعات البلد المعني.
ولأغنيات الزفة الحديثة أيضاً أسماء كثيرة مثل زفة «أحلى اثنين» وزفة «ألف باسم الله» و«يا بنات صلوا على النبي» و«أتحدى العالم» و«مبروك عروستنا» و«دقوا المزاهر» و«انت اللي اخترتك» و«دلوعتي» و«ما شاء الله» و«زفة العروسة» وغيرها من الأغنيات التي دائماً ما يطلبها العروسان أو المعازيم.
طقوس الزفة
تبدأ مهمة الزفة عند نزول العروسين من العربة وتزفهما أثناء الدخول إلى صالة الحفل في الوقت الذي تجد فيه العازفين والمغنين ملتفين حول العروسين ويحيط بهما المعازيم وأهل العروسين، وبعد ذلك تتوقف الفرقة لتبدأ احتفالية الزفة الحقيقية التي تقدم فيها فرق الزفة عشرات الأغنيات مع الرقص من الجميع، وذلك قبل دخول العروسين صالة الاحتفال، والأخيرة تشهد بدورها حفلاً آخر تقليدياً يغني فيه مطربون معروفون، وعلى أغنياتهم تختتم مراسم الزواج.
والطريف أن هناك فرق زفة تقدم فناً رفيعاً لغير المصريين، وهذه الفرق تحفظ أغنيات شعبية لكثير من الدول العربية، وكثيراً ما تعلن عن أنها يمكن أن تزف العروسين إذا كانا من الأشقاء العرب، ولديها أغنيات تتناسب مع كل عربي مثل زفة «شمعة حياتي» وزفة حجازية و«شيخة الحلوين الخلايجية»، والأغنية الخليجية «يا قمر سلم» و«أسرار العيون» وهي أغنيات تجهزها الفرق بلهجات مختلفة لزفة العروسين، وكثيراً ما نلاحظ أيضاً أغنيات تجدها مرغوبة لدى العروسين مثل «إنتي اللي اخترتك» و«قول آمين» وهي دائماً ما يطلبها العريس.
تقنية حديثة
والزفات في مصر لها تاريخها القديم، لكنها تطورت في السنوات الأخيرة بشكل كبير خاصة مع استخدام التقنية الحديثة بنظام تسجيل الآهات المصاحبة للزفة، وهي تعتمد على الدف و«الزغاريد» والآهات التي تأتي من صوت شخص يختلط بصوت الغناء والموسيقى. ومن الطقوس المبتدعة حالياً مرور موكب العروسين بشوارع محددة ومرغوبة جداً، وهذا الموكب تصحبه زفة من الأهل والأصدقاء على سيارات خاصة ودراجات كثيرة، وتجد هؤلاء يحملون الدفوف ويضغطون على آلات التنبيه ويرددون أغنيات معينة، لكن بمجرد وصول العروسين إلى مكان الفرح تتسلم الفرقة المحترفة زفة العروسين حتى الصالة.
غير أن الزفة من الأهل والأصدقاء في الشوارع دائماً تكون في شارع جامعة الدول العربية وشارع مطار القاهرة الدولي وكوبري قصر النيل أو كوبري 6 أكتوبر أو من خلال التوقف على كورنيش النيل لفترة من الزمان أعلى الكوبري، كما أن هناك موضة جديدة لزفة الأهل المصاحبة للعروسين بالعربات، حيث أصبحت عند مرورها بشارع جامعة الدول العربية لابد أن تتوقف أمام محلات فرغلي للعصير، حيث يتناول العروسان وضيوفهما العصائر وهم يرددون الأغنيات. والزفة في عرف المصريين منذ القدم هي أساس الزواج، ودائماً ما يحرص المعازيم على اللحاق بالزفة باعتبار ظهورهم خلالها تقديراً للعروسين، فدائماً يقولون لك «أمس كنا نزف العريس الفلاني أو العروسة الفلانية»، ويمكن لهؤلاء أن يعودوا إلى منازلهم بعد الزفة مباشرة لكونها أهم ملمح من ملامح مراسم الفرح.
زفة استثنائية
وأيضاً هناك الكثير من ذوي القدرات المالية يتباهون بإحضار الفرق الكبرى التي تقيم زفة استثنائية خاصة في الفنادق الكبرى، وتستمر لأكثر من ساعتين قبل بدء الحفل الغنائي داخل صالة الفرح، وتضم مثل هذه الفرق إضافة إلى العازفين على الدفوف راقصين يعبرون عن كل رقصات القبائل والمحافظات المصرية، وتجدهم يلبسون ملابس مميزة ويعزف البعض منهم على المزمار مع الإيقاعات الصاخبة، وغالباً ما تقام مثل هذه الزفات في بهو الفنادق الكبيرة.
زفة الهودج
وأحياناً وأنت تستمتع بهذه الزفة العصرية تجد رجلاً في العقد السادس أو السابع من عمره يضع مقارنة بين الزفة حالياً والزفة في عهود سابقة ويقول لك «الآن تجد العربة الفارهة وتتبعها الموتوسيكلات والعربات الأخرى التي تسير أمام وخلف عربة العروسين المزينة بكل ما يميزها، ولكن زمان كان الموكب ليس بالعربات بل كان موكباً من الجمال التي كانت تحمل العروس ووالدتها أو شقيقتها أو أقرب الأقربين إليها وجمال أخرى تحمل أغراضها في صندوق كبير، وكان يطلق عليه (السحارة) وهو مصنوع من الخشب ومحلى بالصدف، وبالضرورة تلبس العروس في ليلة الدخلة أو أثناء الزفة القبقاب وكذلك الطرحة وهي من القماش المطرز».
وزفة الهودج لم تكن مقتصرة على مصر فقط، بل كانت في أغلب الدول العربية التي تتأثر ببعضها نسبة للتداخل الكبير بينها، خاصة الشام والسعودية وفلسطين والعراق وغيرها من البلاد العربية.
وكان لكبار القوم أو علية القوم طرق كثيرة لصنع الهودج الذي دائماً ما يكون فاخراً ومحلى بالذهب وأشكال مختلفة من الأحجار الكريمة، وقديماً كان الموكب يصحبه عزف الطبول والمزامير وزغاريد النساء حتى يصل إلى بيت العريس.
وإذا نظرنا إلى زفة اليوم تجد بعض المراسم متشابهة بينها وبين زفة زمان من حيث طقوس الأفراح مثل الشبكة التى هي من الذهب، والغناء على الدفوف أيضاً.
القاهرة: دار الإعلام العربية
