يمثل حب وشغف اقتناء الأعمال الفنية واحداً من أهم النقاط الداعمة لتطور الفنون في العالم، فلقد عُرف عن عشرات من الشخصيات التي تركت بصمتها في التاريخ توجهها لاقتناء وشراء الأعمال الفنية بمختلف مدارسها، ورغم الأزمة المالية العالمية فإن العديد من مؤسسات الفن ومزاداته كمؤسسة «سوثبي» و«كريستي» تقول إن سوق الفن يشهد ازدهاراً في منطقة الخليج والشرق الأوسط باقتناء الأعمال الفنية، وتذهلك الأرقام حين تعلم أن مبيعات سوق الفن بالمنطقة بلغ العام الماضي 650 مليون جنيه استرليني، ولم يقتصر التنافس بشراء الأعمال الفنية على الأفراد بل تعداه إلى المؤسسات الخليجية التي باتت أحد أهم المقتنين للأعمال الفنية في المنطقة، فكيف تطورت ثقافة الاقتناء في المنطقة هذا ما سنتعرف إليه في جولتنا مع شخصيات مهمة في عالم اقتناء الأعمال الفنية:

يرى معالي عبد الرحمن العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع أن ثقافة اقتناء الأعمال الفنية تطورت إلى درجة كبيرة في الإمارات في العصر الحالي، وأضاف في حديث خصّ به «الحواس الخمس»: إن هذا التطور في حب الاقتناء لم يأتِ من فراغ بل كان مؤسساً منذ أربعينات وخمسينات القرن الماضي، فلقد كان في الإمارات مجموعة من العائلات والشخصيات التي أسهمت في تطور عملية اقتناء الأعمال الفنية ودعم واحتضان الفنون بأنواعها المختلفة، وفي عصرنا الحالي الذي يعتبر امتداداً لذلك العصر؛ فإنني أعتبر أن الفن التشكيلي والفنانين في الإمارات محظوظون بوجود أسماء أسهمت في النهوض بالفن بدءا من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم والشيخة سلامة بنت حمدان وعشرات من رعاة الفن والداعمين الرئيسيين للإبداع، وأعتقد أن الفن بكافة أنواعه لا ينهض إلا بوجود بيئة حاضنة له، وهذا ما نشهده في الإمارات يوماً بعد آخر، وأعتقد أنه بات لدينا بنية تحتية وقيادة داعمة للفن بكل أشكاله وهذا ما يدعوني للتفاؤل، ولقد أسهمت العديد من الأسماء الشهيرة عالمياً بهذه القفزة في الإمارات مثل كريستي وسوثبي وغيرها من المؤسسات العالمية التي تروّج أعمال فنانينا في المنطقة؛ إلا أنني أدعوها لتمثيلنا في الخارج وترويج أعمال هؤلاء الفنانين الذين لا يقلون شأناً عن نظرائهم في العالم.

وحول تجربته الشخصية في عالم اقتناء الأعمال الفنية؛ قال وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع : لقد كانت بدايتي الحقيقية مع اقتناء الأعمال الفنية عام 1989 ، ولقد كنتُ أسمع بعض كلمات الأصدقاء الذين يستغربون إنفاقنا الأموال لشراء تلك الأعمال، ولقد كان لبعض المقتنين مقاييس طريفة لشراء الأعمال الفنية ، فمنهم من كان يقيس قيمة العمل وفق الوقت الذي يقضيه الفنان في إنجازه، وبالنسبة لي فلقد كنتُ محظوظاً لوجود أشخاص يشاركونني شغف وحب اقتناء الأعمال الفنية، ورغم أن انتشار الصالات الفنية بدأً من الثمانينات إلا أننا لم ننل فرصة تواجد أسماء خبيرة بالأعمال الفنية إذا ما استثنينا بعض الأسماء الخبيرة في ذات المجال مثل الأديب الجميل محمد المر، وأعتقد أن المقتني يجب أن يحب ويعشق العمل الفني الذي ينوي شراءه بعيداً عن أي عامل آخر، فحين تشتري عملا وقطعة فنية يشاركك فيها آخرون ذات الشغف، تشعر بالسعادة الغامرة، وأعتقد أن اسم الفنان هو الذي سيخلّد في أزمنة لاحقة رغم أن المقتني يسهم بظهور اسمه، فرغم أن لويس الرابع عشر اقتنى لوحة الموناليزا إلا أن اسم دافنشي هو الذي خلّد، فلو سألت أحداً بعد عشرات أو مئات السنين عن عبد الرحمن العويس فلن يتذكره أحد بينما سيتذكر الناس اسم الفنان عبد القادر الريس الذي اقتني مجموعة من أعماله.

أما سلطان سعود القاسمي الذي أسس صالة «بارجيل» للفنون ويعتبر من أبرز مقتني الأعمال الفنية الحديثة في الإمارات فبدأ بسرد حكايته مع الاقتناء ،قائلا: حين كنتُ أدرس في باريس؛ كنت متوجهاً نحو الدراسة ولم ألتفت لعالم الفن التشكيلي؛ فأجبرني أحد أصدقائي هناك على زيارة متحف فني فذهلت من سحر وجمال الأعمال الفنية المعروضة هناك وكانت تلك بداية حبي وشغفي بالأعمال الفنية وكنت متأثراً بالمدرسة الانطباعية ومن بعدها التكعيبية، ولأنني لم أكن أمتلك المال الكافي يومها؛ قمت بشراء نسخة لإحدى لوحات فان كوخ، وتعرفتُ في تلك الفترة على الفنان الإماراتي عبد القادر الريس الذي أعجبتُ به وبشخصه قبل أن أتعرف إلى فنه، وبعد ذلك توجهت لشراء واقتناء الأعمال الفنية من مختلف المدارس الحديثة، وقمت بإنشاء صالة «بارجيل» للفنون التي تضم حتى الآن 005 عمل فني لعشرات من فناني المنطقة والعالم وهي مجموعتي الخاصة، وإحدى مهام هذه المؤسسة هي ترويج الفن الإماراتي والعربي، كما شاركت بتأسيس «ميم جاليري» مع مشعل كانو وتشارلز بوكوك، في الواقع، كانت ميم الغاليري الأولى والوحيدة التي حازت على جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لداعمي الفنون في مارس 2010 ، وللصدفة، نلت جائزة داعم الفنون على أساس قدرة شخصية على المساهمة في الساحة الفنية في الإمارات العربية المتحدة خلال ذلك الحفل.

ويمتلك خبير الفن ومقتني الأعمال الفنية الإيراني فرهاد فرجام أكبر مجموعة فنية شخصية في العالم، ويتحدث عن تجربته في عالم اقتناء الأعمال الفنية بقوله: لقد قرأت في طفولتي عن غزو المغول لإيران وما أعملوه من دمار وخراب فيها؛ وكيف أن سكان مدينتي شيراز دخلوا في هدنة مع هؤلاء الغزاة عبر تقديم الأزهار لهم عند أبواب المدينة وطلبهم إلى الغزاة أن لا يسفكوا الدماء أو يقتلوا أحداً، فكانت المدينة الوحيدة التي دخلها المغول من دون قتيل واحد، وبعد أن عاشوا بين أهل المدينة لمدة سنة كاملة تغيرت طبيعتهم وباتوا الراعي الأكبر للفنون هناك، فتأثرت بخاصية تأثير الثقافات ببعضها وأدركت أن النتاج الفني ما هو إلا حصيلة تراكم ومشاركة ثقافات وحضارات إنسانية متنوعة، وحين بدأتُ باقتناء الأعمال الفنية لم التفت كونها شرقية أو غربية أو معاصرة أو كلاسيكية، فضمت مجموعتي الفنية التي أعتبرها ثروتي الحقيقية من كافة الاتجاهات.ويسترسل فرجام بسرد حكايته مع القطعة الفنية الأولى التي اقتناها، فيقول: حين كنتُ أدرس في لوس أنجلوس شاهدت قطعة صغيرة مرسومة من مخطوطة تعود للقرن 15 وحين سألت عن السعر قال لي صاحب المحل أنه يبلغ 3 آلاف دولار فقمت بشرائها ولم أذهب للدراسة في العام التالي كوني دفعت هذا المبلغ الذي يمثل نفقاتي للسنة الدراسية، ثم توجهت لشراء الأعمال الفنية بأنواعها لاحقاً وكل قطعة فنية تجلب لي السعادة، ومنها منحوتات للنحات المصري الشهير محمود مختار الذي اشتريت مجموعة من أعماله آخرها قطعة بمبلغ 600 ألف دولار، وأعتقد أن الأعمال الفنية على مر التاريخ تجد دوماً أناسا شغوفين وعشاقا لاقتنائها.

أبو ظبي- محمد الأنصاري