كشف أثري روماني يمكن وصفه بالعادي يتكرر حدوثه في أي بلد على وجه الأرض، ولكنه هنا في ألمانيا، التي طالما تعلم تلاميذها في المدارس بأن الغزاة الرومان لم يطؤوا أرضها، له وقع آخر ومذاق مختلف، حيث يقول المعلقون الألمان إن ألمانيا ربما سيكون لزاماً عليها أن تعيد صياغة تاريخها بعد اكتشاف المكان الذي دارت عليه سجال الحرب.
وإذا كان غبار المعارك قد انقشع منذ أمد بعيد فإن السجال بين علماء الآثار والمؤرخين والدارسين لم ينته بل يمكن القول إنه قد بدأ لتوه.وأثار اكتشاف أرض معركة رومانية تتناثر فيها أسلحة قديمة في ألمانيا دهشة علماء الآثار وحيرتهم، حيث ألقى الضوء على صراع تغلفه الأساطير بين روما وجيرانها.ففي القرن التاسع عشر، كان المؤرخون الألمان يرفضون حتى مجرد تصور أن يكون أجدادهم مثل الشعوب الهمجية ورسموا صورة مخالفة للقبائل الألمانية الجسورة التي وحدت صفوفها لقمع جحافل الغزاة الرومانيين.ومنذ ذلك الحين، كان تلاميذ المدارس الألمانية يجري تلقينهم أن ألمانيا لم تخضع للعبودية الرومانية، كما تعلموا استخدام اللفظ المحايد »هجرة الشعوب« تعبيراً عن الغزو الجرماني للإمبراطورية الرومانية المتصدعة.
وعلى نفس المنوال، خلد الهولنديون ذكرى قبيلة »باتافي« الجرمانية التي تعاونت في بادئ الأمر مع الإمبراطورية الرومانية ثم حاربتها في ما بعد. وكانت تلك القبيلة تقطن في ما يعرف الآن باسم هولندا.
بيد أن اكتشاف جبهة القتال التي تشير كل الدلائل فيها على وقوع هجوم روماني ناجح على قمة التلال التي كانت حصنا للفرسان الألمان ورجال المشاة، يقلب الصورة رأساً على عقب ويدحض كل الأفكار التي طالما تناقلها العلماء الألمان لأن موقعها كان يبعد 250 كيلومتراً في عمق الأراضي الألمانية.
ورغم أن الجيش الروماني كان يستخدم أسلحة بدائية مثل المدافع والمنجنيق فإن آثار القذائف التي أطلقت لا تزال محفورة في التل.
كما يحلو للهواة، وهم يحملون أجهزة الكشف عن المعادن، تسجيل اتجاه القذائف وموقعها، على عكس الباحثين عن الكنوز الذين عادة ما يقتلعون المقتنيات الثمينة من الأرض ويدمرون كل الأدلة المهمة لما حدث في تلك البقعة من الأرض الألمانية.
وقبل هذا وذاك، تمكن الأثريون من إرساء حقيقة مؤكدة ألا وهي أن الغزاة الرومان هاجموا تلة »هارتسهون« الألمانية من الشمال.
ويقول الأثري جونتر موسباور إن المعركة لم تسجلها كتب التاريخ المعاصر، ولكنها تتسق مع ما ورد من روايات عن حملة قيصر روما الإمبراطور ماكسيمنوس ثراكس الذي قادها في العام 235 بعد الميلاد.
كما اكتشف باحثان عن الكنوز قطعاً من الحديد في عام 2000 وأطلعا عالمة الآثار المحلية بترا ليون التي قالت إنها نوع من حدوة الحصان الرومانية. ثم عثرت هي نفسها على أجزاء من فأس رومانية.
ومجمل ما تم اكتشافه حتى الآن هو 006 قطعة أثرية في منطقة غابات حاليا تبلغ مساحتها 003 في 1500 متر من بينها عصي وأجزاء من المركبات وألجمة الأحصنة فضلاً عن عملات بالية صكت في عصر الإمبراطور كومودوس (081- 291).
ويمكن معرفة موقع الحصون الألمانية من آثار الرؤوس الحربية للمنجنيق والسهام الرومانية.
وتقول ليون إنها توثيق فريد للمعركة التي دارت رحاها في الحقبة الرومانية. ويعتقد الأثريون أن الرومان تكبدوا خسائر طفيفة وتمكنوا من اقتلاع الحصن ثم ابتعدوا عن مكمن الخطر.
أما مغزى هذا الاكتشاف برمته، الواقع في الطرف الغربي من سلسلة جبال »هارتس« الغنية بالمعادن، هو أن الحملات الرومانية الغازية شقت طريقها بالفعل في عمق الأراضي الألمانية .
ويقول الرومان إن إمبراطوريتهم لم تتوسع شرق وشمال نهر الراين لان المنطقة لم تكن تستحق العناء لأنها كانت ذات طقس بارد وكئيب وتقطنها الوحوش.
وهذا التفسير كان لا يروق دوما للألمان الفخورين ببلادهم، بيد أن المؤرخ ألكسندر ديمانت رأى على استحياء في مجلة »دير شبيجل« الألمانية أن هذا (الاكتشاف) ربما يكون حقيقياً.
واحتفت قصة غلاف المجلة التي جاءت تحت عنوان »مولد الألمان« بالأمير الألماني هيرمان الذي سحق الجيش الروماني في معركة »تويتوبيرج فورست« في العام التاسع بعد الميلاد ويخلده الألمان هناك بتمثال كبير طوله 45 مترا.
فيما يؤكد المعلقون الألمان أن ألمانيا ربما سيكون عليها لزاماً أن تعيد صياغة تاريخها بعد اكتشاف موقع المعركة .
ولكن السكان في منطقة جنوب غرب ألمانيا وهولندا لهم وجهة نظر أخرى وكلمة مختلفة عن أمرائهم الإيطاليين السابقين، فهذه المنطقة تحتضن بلدات وطرقا ومباني ريفية ذات مسحة رومانية. وهذا الأسبوع أزاح متحف في »اكسانتن« على مقربة من الحدود الهولندية الستار عن خوذة عجيبة تعبر عن مزيج من الثقافات مصنوعة بإحكام من شعر ذيل الحصان وربما كان الغرض منه حماية جبهة الفارس وعنقه من الضربات في ساحة الوغى.
وكان أفراد قبيلة باتافي، التي كانت تمد الجيش الروماني بقوات إضافية ، يرتدون تلك الخوذات حسبما قال الأثري فرانك فيلر من متحف الراين في بون.
وكان الفارس من قبيلة باتافي يشبه، وهو يرتدي تلك الخوذة، مخلوقا غريبا في سلسلة أفلام حرب النجوم .
وقال الدارسون في حديقة »اكسانتن« الأثرية التي أوكل إليها مهمة إعادة تشييد نموذج لبلدة على الطراز الروماني إنه من الواضح أنها (الخوذات) جانب من الحرب النفسية التي كان يمارسها الرومان على أعدائهم .
يذكر أن بلدة »اكسانتن« تقع في ولاية نورد راين- فيستفاليا وبها أكبر حديقة أثرية من نوعها في العالم كما تشتهر بمتاحفها الرائعة التي تعود إلى العصور الوسطى.ويقول فيلر إن كل خوذة كانت تستغرق 200 ساعة في صناعتها حتى تكون مناسبة للمحارب.وعلى عكس هيرمان وشعبه كانت قبيلة باتافي تتميز بالود تجاه الرومان، حيث كانوا يتعاونون معهم ويعرضون بضاعتهم في الأسواق الرومانية ويخدمونهم كمرتزقة.
لكن خوذات الباتافي سرعان ما عفا عليها الزمن عندما تمردت القبيلة ضد الرومان وتعرضوا لمذبحة في حرب دموية دارت رحاها في الشمال في العام 96 بعد الميلاد.وفي دلالة مهمة على كيفية الانصهار بين الثقافات حتى إن الرومان أنفسهم استلهموا الأسلوب الجرماني، فإن موضة الخوذات عادت من جديد بعد قرن من الزمن ولكن كانت مصنوعة من المعدن.وفي ما بعد زينت الخوذات الرومانية في أنحاء الإمبراطورية بجدائل مستلهمة بوضوح من الطراز الباتافي.
برلين (د ب أ)- الحواس الخمس

