عينه دوماً، مصوبة نحو الجديد، أخذ الأغنية العربية إلى آفاق المعاصرة وارتبط اسمه دوماً بالنجاح فنياً وجماهيرياً®.

مشواره الطويل مع الغناء حافل بالكثير من الذكريات مع قمم غنائية مثل عبدالحليم حافظ ونجاة ومحمد منير وأحمد عدوية، كل هؤلاء المشاهير وغيرهم في حوار »الحواس الخمس« مع الموسيقار هاني شنودة. يقول شنودة: عبدالحليم كان يأتي إلى المنتزه بالإسكندرية في الصيف ويسمع الفرقة التي كنت أحد أعضائها، واسمها »البيت شاه« وكانت تقدم الأغاني الغربية ويلتف حولها جمهور كبير من الشباب، وذات مرة عبدالحليم وجه لي دعوة لتناول العشاء معه فاعتذرت بأدب؛ لأننا كنا في سن صغيرة ونفضل الانطلاق والذهاب للسينما وغيرها.

وتكررت دعوة عبدالحليم، وكل مرة تزيد دهشتي، فماذا يريد مطرب مشهور مثل عبدالحليم من موسيقي في بداية الطريق؟

وبعد أن رجعنا إلى القاهرة قابلني الإعلامي مفيد فوزي وكان قريباً جداً من عبدالحليم وسألني عن سر تهربي من لقائه، وأنه يبحث عن نقطة ضعف يجذبني منها ووجد ضالته وكانت جهاز أورج جديدا اسمه »سوبر استرنجر« أحضره من لندن، فتوجهت معه على الفور لمنزل عبدالحليم الذي قابلني بحفاوة، وطلب مني أن أعزف شيئاً من أغانيه ففكرت في أغنية أعرفها وبدأت أعزف »أهواك« وبتنويعات متعددة.

وزالت حيرتي عندما أخبرني عبدالحليم بأنه يفكر في تكوين فرقه صغيرة؛ لأن هذا يشكل هاجس الشباب، وأنه يفضل مسايرة العصر، وفي الوقت نفسه فإن ذلك سيوفر نفقات سفر عدد كبير من العازفين عندما يقوم بإحياء حفلات في الخارج، وأنه رشحني لإعادة توزيع بعض أغانيه القديمة مثل »توبة وأهواك ويا قلبي خبي«، وعلى الفور بدأت العمل في وضع الهارموني للتوزيع الجديد، وجمعت هذه الفرقة معي عمر خورشيد وهاني مهني وحسن أنور على الإيقاع.

ومختار السيد على الأكورديون، وكانوا جميعاً أعضاء في الفرقة الماسية، وجئت بعازف درامز وباص جيتار من فرقتي ولمدة أسبوعين ونحن نعمل على حفظ الهارموني، وفي أول حفل .

وبعد أن غنى عبدالحليم مع الفرقة الماسية، قدمنا قائدها أحمد فؤاد حسن باعتبارنا من أبناء الفرقة وغنى عبدالحليم لأول مرة على هذا الأوركسترا الصغير وهو الشكل الذي فتح آفاقا موسيقية ما زالت أصداؤها وتجاربها مستمرة إلى الآن.

نجيب محفوظربما يستغرب البعض عندما أقول إن الأديب الكبير نجيب محفوظ له دور مهم في تلك الخطوة، فقد جاء هو أيضاً ليسمع ويرى فرقة »البيت شاه« التي شكلت ظاهرة جذبت الشباب بشكل لافت.

ولكنه فاجأني بقوله »إن ما نفعله لا يعدو كونه زوبعة في فنجان«، فرددت عليه بأن »لو الأمر كذلك لما جئت من القاهرة وضيعت وقتك ودخلنا في سجال ونقاش حول الغناء والموسيقى والفرق بينهما في أوروبا وأميركا وتلك العربية«، فكان رأيي أن الأغنية العربية لا تستهويني، لأن الملحن يجب أن يضع مقدمة موسيقية.

وفي داخل اللحن ينتقل من جو لآخر ولا يمكن أن تكون أغنية على إيقاع تانجو والجمهور يرقص ثم أقوم بتحويل الإيقاع إلى مقسوم أو غيره وأخذنا الكلام طويلاً، فصمت قليلاً، ثم قال لي »لا تدع شهوة الكلام تستهويك وتشغلك عن شهوة العمل، لا بد أن تقدم الأغنية العربية كما نراها«.

وحول البداية يقول :بحكم معرفتي بشاعر العامية شوقي حجاب، طلبت منه كلمات أغنية ألحنها .

وبعد أن استقررت على شكلها النهائي، سمعتها الفنانة لبلبة وظهرت الغنوة بصوتها، ومع شوقي حجاب أيضاً قدمت أغاني مسلسلين للأطفال، وعن طريق حجاب تعرفت بالشاعر عبدالرحيم منصور القادم من الصعيد، بكلمات ومعانٍ طازجة ومختلفة عن السائد، وطلبت مني شركة »سونار« للإنتاج تقديم بعض الأغاني لمطربة لبنانية لا داعي لذكر اسمها.

ولكن بعد أن سمعت صوتها رفضت عرض الشركة، ونزل الشريط ولم يحقق مبيعات تذكر، ثم جاءوا لي بمطرب نوبي اسمه سيد جلال لتلحين أغنية له وأيضاً رفضت ولم ينجح هو الآخر إلى أن عرّفني عبدالرحيم منصور بشاب أسمر خريج فنون تطبيقية اسمه محمد منير وغنى شيئاً من الفلكلور النوبي.

ووجدت في صوته رنة تصل للقلب وأداء جديدا، وعلى الفور بدأت أكتب هارموني لأغنية من كلمات منصور، اسمها »أمانة يا بحر«، وسجلتها على جهاز كاسيت »ربع بوصة« مع فرقة صغيرة عبارة عن درامز وباص جيتار ودف نوبي وأنا على البيانو.

ونزل الشريط السوق يحمل أربع أغان من تلحيني وأربعا للحاج أحمد منيب من توزيعي، والمفاجأة أن الشريط لم يتحرك كثيراً في السوق لأسباب كثيرة.

قصة محمد منيرويوضح حول تجاربه الأخرى بقوله : بعد إخفاق تجربتي الأولى مع منير اتجهت إلى تكوين »المصريين« عام 1977 بعد فترة بروفات استمرت نحو سنة، وفصلت تماماً شكل وجو الفرقة عن كل ما سبقها فاتجهت إلى صلاح جاهين وعمر بطيشة وعنتر هلال وقدمنا أول ألبوم »بحبك لا« متضمناً »ما تحسبوش يا بنات، والشوارع حواديت« وغيرهما، ومن إنتاج »صوت الحب«، وحققت التجربة نفسها وصنعت شيئاً في الوسط الغنائي خاصة بعد أن صورنا »ما تحسبوش يا بنات« على طريقة الفيديو كليب.

وأستطيع أن أقول إن التجربة كانت ناجحة بكل المقاييس، وهو ما شجع شركة سونار على طلب العمل معي مجدداً وإنتاج ألبوم ثان لمحمد منير الذي صدر باسم »بنتولد«، بالتعاون أيضاً مع ألحان أحمد منيب، ونجح الألبوم ووصل للجمهور وهو ما شجع شركة الإنتاج على طرح الألبوم الأول بعنوان »علموني عينيك« ليحقق هذه المرة نجاحاً كبيراً أكثر من »بنتولد«، ولهذا يعتقد الكثيرون حتى من جمهور منير أن »بنتولد« هو أول ألبوماته!

اما بالنسبة لنجاة أنا فخور بالتلحين لهذا الصوت المفرط في الرومانسية والإحساس المرهف وجاءت معرفتي بها أثناء تسجيل ألبوم »أمانة يا بحر« في استديو مدينة السينما، وكانت نجاة تسجل لحناً للأستاذ كمال الطويل من توزيع د. جمال سلامة الذي سافر فجأة فتعثر المشروع، وغنته مطربة أخرى.

وعندما سمعت نجاة لحناً كنت أعده ليغنيه صديق اسمه ماهر صادق، وهو مغنٍ لم يغن أي أغنية لظروف مختلفة للصم، أعجبها اللحن وطلبت أن تغنيه، ثم لحنت لها »باحلم معاكي« وظلت الأغنيتان لديها فترة طويلة وهي مترددة في تقديمهما للجمهور وكل مدة تطلبني على التليفون، وتقول إن كمال الطويل سمع الأغنيتين، وقال لها كيف يكون لديك درتان لم تقدميهما للجمهور؟!

وبعد فترة أخرى تقول لي إن الملحن الذي لن أذكر اسمه، عنفها لأنها تريد أن تغني dance بعد أن قدمت القصائد والأغاني الكلاسيكية، ولم أطلب منها تقديم ألحاني لأنها امرأة حساسة جدا ولا تحتمل أي ضغط نفسي، كما أن نجاح »المصريين« ومحمد منير، منحني الثقة في نفسي.

ولا أجد حرجاً في ركن نجاة لألحاني ومرة أخرى أجدها في طريقي، عندما أرادت تقديم أغاني عبدالوهاب بصوتها، فقد أصر على أن أقوم بالتوزيع الموسيقي لألحانه قائلاً« هاني شنودة هو أقرب الموسيقيين الخواجات إلينا«.

ثقة عبدالوهاب

و عن طغيان دور الموزع الموسيقي علي الأغنية حالياً يقول:

من الأساسيات لنجاح أي أغنية أن تكون كل عناصرها مكتملة من كلمات ولحن وصوت وتوزيع لأنها عمل جماعي ولا يستطيع الموزع مهما كانت شطارته أن يصنع شيئاً لا معاً من لحن ضعيف ولا يمكن أن تنجح أغنية إذا كان أي ركن فيها ليس على المستوى. اما عن حكايته مع خالد يوسف فيقول عنه:

خالد مطرب شاب صغير من نفس تركيبة ومدرسة محمد منير في الغناء، وأنا أحب هذا النوع من المطربين، وعندما جاء إليّ في الاستديو لأسمع صوته فكرت في عمل حفلة تكون »ليلة في حب منير« لأن ثقافة تكريم الفنان في حياته مفقودة في مصر لكن صحفية بإحدى الجرائد المعروفة حرّفت كلامي وكتبت أن هاني شنودة يقدم مطرباً ينافس منير؛ لأن الأخير لا يقدم أغانيه في حفلاته.

وبالطبع لم يحضر منير بعد أن قرأ هذا الكلام، وأعذره في ذلك وهو يلح على ضرورة تسجيلها لأن اللحن يلازمه ولا تستطيع التخلص من ترديده، وبالفعل سجلنا الأغنية في استديو 33 بالإذاعة ونجحت جداً لدرجة أنه تم غناؤها بعشر لغات مختلفة وقدمتها فرقة الجيبسي كنج الإسبانية، وأقمت دعوى ضدهم في مؤسسة »ساسيم« الفرنسية لحماية حقوق الملحنين والمؤلفين، وبالفعل أخذت مستحقاتي عن أدائهم هذا اللحن، كما وضعوا اسمي عليها.

القاهرة - دار الإعلام العربية