لفن التصميم وتطوره شروط يجب توفرها لكل فنان يحاول إبقاء فنه وتصاميمه حية وتواكب العصر، ومن أبرز تلك الشروط مواصلة التعلم والتعرف إلى ثقافات وطرق عيش الناس وأذواقهم في مختلف بقاع الأرض.
ولأننا لا نعيش منفصلين في هذا العالم فإن التعرف إلى تجارب وحضارات وثقافات الشعوب من حولنا باتت ضرورة ملحة للتطور بالذائقة الفنية، ولقد استطاع بنك HSBC من الدخول عالم الفن والثقافة عبر برنامج التبادل الثقافي الذي طرحه منذ سنوات في محاولة منه لإيجاد نوع من التماس والاحتكاك الثقافي بين شعوب العالم. ومن آخر تجارب هذا البرنامج المبادرة التي قدمها هذا العام في »فن أبوظبي 2010« الذي أقيم مطلع هذا الشهر بقصر الإمارات، عبر إرسال الفنانيّن الإماراتييّن نورا المهيري وخالد شعفار إلى مدينة ساو باولو البرازيلية لتلقي دورة في فن التصميم، واستضافة استوديو »الأخوين كمبان« في أبوظبي لإيجاد نوع من التبادل الثقافي البرازيلي مع المنطقة هذا العام.
»الحواس الخمس« وخلال متابعته »فن أبوظبي« التقى ريتا عون مديرة الإدارة الثقافية في شركة التطوير والاستثمار السياحي في أبوظبي والفنانين الإماراتيين وممثلاً عن البنك الراعي للحديث عن هذه التجربة وأفق توسعها:
تقول ريتا عون: رغم أن برنامج التبادل الثقافي الذي أطلقه البنك البريطاني في الإمارات خاص بالمواطنين الإماراتيين فقط؛ وبالتنسيق معنا في شركة التطوير؛ إلا أن ذلك يجب أن يفهم في إطاره الحقيقي، لأن الاختيار يقع على المواهب الإماراتية الحقيقية لتطويرها ودعمها عبر برامج البعثات الفنية والثقافية.
ولا يكون الاختيار مجرداً بمعنى - أي شخص إماراتي - لأننا نعتقد أن المواهب الفنية هي ثروات لا تقل أهمية عن الثروات الأخرى التي منحها الله تعالى للإمارات، وهناك نقطة أخرى يجب الالتفات إليها بخصوص هذا البرنامج والبرامج الأخرى وتتعلق بالرؤية المستقبلية التي نسعى إليها، لأن الأمر لا يقتصر على إرسال شباب إماراتيين موهوبين لتلقي بعض الدورات فحسب.
بل أن الأمر يفوق ذلك إلى تواصل هذه البرامج في متابعة التطورات الفنية لهؤلاء الشباب الذين سيشكلون جزءاً مهماً وأساسياً من عالم الفن الإماراتي المستقبلي وفق خطة أبوظبي الاستراتيجية لعام 2030م.
والتي وضعتها القيادة الرشيدة بعد دراسات دقيقة، حيث سيكون المجال الثقافي والفني أحد أهم المجالات في هذه الخطة، فلدينا العديد من المشاريع المهمة التي تنفذ حالياً في المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات والتي سيكون لشباب الإمارات الموهوب حصة الأسد في إدارتها والإشراف عليها لأنها رصيد حضاري ومنجز ثقافي يولد شعوراً كبيراً بالفخر.
مبادرة دينامية
وقال سايمون كوبر نائب رئيس مجلس إدارة بنك HSBC في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: إن برنامج التبادل الثقافي الذي أطلقناه يشكل جزءاً من فلسفتنا في البنك، حيث نعتقد أن استثمارنا المتواصل في إبداع برامج فنية في مختلف أرجاء العالم يعكس إيماننا أنه من خلال فهم ثقافة البلد، يمكن بناء علاقات عمل عالمية وطيدة.
كما أن ذلك يتيح أمامنا الفرصة للتشديد على التزامنا تجاه أبوظبي والإمارات العربية المتحدة، حيث نعمل منذ أكثر من 60 سنة، ونحن فخورون بكوننا الراعي الأساسي لتظاهرة »فن أبوظبي«، فالإمارات تتحول بسرعة فائقة لتصبح ملتقى عالمياً ثقافياً وفنياً واقتصادياً، ويسعدنا أن نشكّل جزءاً من هذه المبادرة الدينامية.
قدم الفنانان الإماراتيان اللذان استفادا من بعثة البرنامج الثقافي إلى ساو باولو - نورا المهيري وخالد شعفار - في أحد أركان استوديو التصميم في »فن أبوظبي« ديكوراً يجمع بين البساطة من حيث المواد المستعملة وطريقة التنفيذ وجمال الهندسة البنائية لفن الزخرفة التي اشتهر بها الشرقيون، فكانت المادة المستخدمة هي »الكارتون المقوى« المعاد استخدامه.
حيث استندت المقاطع البينية العمودية التي ظهرت على شكل زخارف شرقية إلى أعمدة رقيقة من الألمنيوم، بينما اكتست الأرضية بمشابك من ذات المادة وتخللتها الإضاءة التي تلونت من ألوان العلمين الإماراتي والبرازيلي اللذين يجمعان ألواناً متعددة في إشارة لفلسفة التصميم النابعة من التنوع الإثني والثقافي للبلدين.
تنوع ثقافي
حول رحلتها إلى ساو باولو البرازيلية ومدى استفادتها من هذا البرنامج تقول الفنانة الإماراتية الشابة نورا المهيري: »لقد جرى الاتصال بي قبل عدة أشهر بشأن اختياري من قبل البنك وفن أبوظبي لإرسالي ببعثة لمدة أسبوع لحضور دورة مكثفة بفن التصميم في استوديو كمبانا، فتلهفت لزيارة هذه المدينة التي طالما سمعت عنها الكثير.
ولقد كنتُ أتوقف متأملة قبل فترة من الزمن بعض أعمال الديكور الموجودة في فندق »فيرمونت« في أبوظبي التي أدهشتني ببساطتها وجمالها وحداثة الفكرة فيها، لأعرف لاحقاً بعد زيارتي البرازيل أنها من تصاميم »الأخوين كمبانا« الذي سنحضر لديهما الدورة فازداد فرحي لسماع ذلك.
وأعتقد أن خطوة بنك HSBC في هذا البرنامج هي خطوة كبيرة ومشجعة للمواهب الإماراتية وأدعو البنوك والمؤسسات المالية الأخرى العاملة في الدولة لاتخاذ خطوات مشابهة لدعم الثقافة والفنون لأنها قادرة بقوتها المالية من تحقيق أشياء قد تعجز عنها مؤسسات بسيطة أو الأفراد الموهوبين.
وما أذهلني في هذه الدورة التي تلقيناها أنا وزميلي هو بساطة المواد الخام المعاد استخدامها التي يستخدمها الأخوان كمبانا لإنجاز ديكورات وتصاميم بذوق رفيع وسيكون مشروعي بعد تخرجي من الجامعة هو إنشاء استوديو لفن التصميم، وأعتقد أن ثقافة الاستوديو غير معروفة على نطاق واسع في المشهد الفني الإماراتي.
لأن البعض يظنه حين يسمع الاسم استوديو تصوير، إلا أنه كما رأيته هناك شبيه بورشة عمل لممارسة هوايات الفن المختلفة وإقامة دورات ونقاشات مستمرة في عالم الفن بأنواعه، أما بالنسبة لمدينة ساو باولو فهي إحدى المدن التي تشعرك بصخب الحياة وتنوعها.
حيث التعدد العرقي والإثني الذي ينعكس هناك على كل شيء في فن العمارة وتصميم الأبنية وثقافة الشارع والملابس وكل شيء من تفاصيل الحياة، فهي مدينة ملونة فيها أعراق من الشرق والغرب وجميع أجناس الأرض، وهي شبيهة بأبوظبي من هذه الناحية«.
رؤية
أما المصمم الإماراتي الشاب خالد شعفار الذي يعيش بين الإمارات ونيوزلندا فلقد استهل حديثه بتقديم الشكر لبنك HSBC حول هذه المبادرة الرائدة، مضيفاً: هناك نظرة غير مدروسة بدقة ناحية جمع التصميم بالفن التشكيلي البحت.
فرغم أن كلاهما فن إلا أن التصميم يتطلب دراسة أكبر لطرق معيشة الناس وأساليب الحياة وأنواع ثقافتهم ومشاربهم الحضارية المتنوعة التي تفضي إلى تصميم الفنان لديكورات وأشياء تتجاوز الذائقة الفردية، لأن الفنان التشكيلي البحت يقدم رؤيته الفردية للعالم؛ بينما المصمم يقدم رؤيته لهذا العالم وفق رؤيته إضافة لمجموعة المؤثرات التي أشرت لها.
ولقد كانت فرصة اشتراكنا في هذه البعثة من البرنامج فرصة مثالية لي لأطلع على التنوع والثراء الفكري والثقافي في مدينة عالمية مثل ساو باولو والتعامل مع مصممين عالميين مثل الأخوة كامبانا.
وبالنسبة لمشاريعي المستقبلية فإنني أجهز حالياً لإطلاق معرضي الأحدث في عالم تصميم الأثاث في نيوزلندا هذا العام.
ولقد أفادتني الدورة كثيراً في مجال استخدام المواد المعاد استخدامها لتنفيذ بعض أفكاري في التصميم مستقبلاً، وأعتقد أن ما تركته هذه البعثة علي من أثر سيدوم طويلاً في عالم التصميم.
أبوظبي- محمد الأنصاري

