تناولت السينما المصرية كل شخصيات المجتمع المصري، بدءًا من الإنسان البسيط وحتى الرئيس.
ولكن ما لفت النظر في تناول السينما والدراما للوزراء هو التركيز على سلبياتهم دون رؤية الجوانب الإيجابية في أدائهم، فالوزير في مصر كما تصوره تلك الأفلام إما سلبي أو فاسد، بما يعكس نوعا من الانتقام منهم على الشاشة، ولا تعرف إذا كان مجرد مصادفة أو شيء يتعمده القائمون على الفن المصري، مع أن ذلك لم يكن ممكنا من قبل في ظل تشديد الرقابة على الأفلام والمضمون الذي تقدمه.والأمثلة كثيرة جدا في مخزون الفن المصري الذي قدم الوزراء على الشاشة، ففي السينما هناك »معالي الوزير، التجربة الدنماركية، الواد محروس بتاع الوزير، القاتلة، الإرهاب والكباب، النوم في العسل، طيور الظلام، الراقصة والسياسي«، وفي الدراما ظهر الوزير في »ماما في القسم، الأصدقاء، لن أعيش في جلباب أبي، ريش نعام، اغتيال شمس، أهل كايرو، بابا نور«، وكلها أعمال تشابه فيها الوزراء الذين جسدوا كل معاني الفساد المهني والأخلاقي.
واللافت في هذه الأعمال أنه لم يقف تناول سلبيات الوزير عند حياته الشخصية أو أداء مهام وزارته، لكنها ارتبطت بشكل كبير بالفساد، أو كما عبر عن ذلك أحد النقاد متسائلا:
لماذا كلهم فاسدون في الأخلاق والقيم، بل فاسقون أيضا؟ أغلبهم ظهر وكأنه زير نساء، حولهم الفتيات، يشربون الخمر والمخدرات، ويمارسون الجنس، ويفرضون سطوتهم على مجتمعاتهم، حتى الوزراء في الأعمال التاريخية لم ينج أحد منهم من هذه الاتهامات.
هل الوزراء لصوص وفاسدون؟!
وهنا كان السؤال: هل الوزراء لصوص وفاسدون وفاسقون حقيقة، أم في كثير من الأحيان قد يدفع البناء الدرامي بهم إلى إطار غير واقعي يوضعون فيه بلا مبالاة بمخاطر التعميم، دون أن يدرك صناع الفن أن الوزراء في أية حكومة حزمة واحدة، قصور أي منهم يؤثر سلباً في البقية؟
ولكن الصورة السائدة على شاشة السينما أو على شاشة التلفزيون للوزير تعدت الفساد إلى رجل ضعيف الشخصية في منزله ومهزوز في قراراته المنزلية، وأبناؤه منحرفون يستخدمون سلطات أبيهم بشكل مستهتر فيه كثير من الفساد والبلطجة، والصورة نفسها هي التي ترسم لرجال الأعمال في السينما والدراما.
فمثلاً في فيلم »الراقصة والسياسي« الوزير »صلاح قابيل« مارس كل أنواع الفساد من سرقة وجنس مع إحدى الراقصات، وظهر وكل همه أن يبقى في منصبه، وحتى شخصية رئيس الوزراء في الفيلم نفسه اتضح أنه كان على علاقة مع الراقصة من خلال تلك الكريستالة التي يضعها على مكتبه، وهي نفسها التي رآها الوزير في منزل الراقصة.
وفي فيلم »الواد محروس بتاع الوزير« الذي جسد فيه كمال الشناوي دور الوزير، ركز الفيلم على خيانته لزوجته وممارسة أسوأ مستوى من الفساد، والأمر نفسه ينطبق على فيلم »معالي الوزير« الذي جسد دور الوزير فيه الراحل »أحمد زكي«، حيث ظهر في الفيلم »زير نساء« ونصابا ولصا وغارقا في شرب الخمر والمخدرات وضعيف الشخصية أمام زوجته وأبنائه.
أما عادل إمام وزير الشباب في فيلم »التجربة الدنماركية« فقدم الشخصية بشكل كوميدي تسيء لشخصية الوزير، فيما مارس أبناؤه قمة استغلال سلطة والدهم بأسلوب البلطجة.
وفي مسلسل »لن أعيش في جلباب أبي« ظهر رشوان توفيق الذي جسد دور الوزير ضعيف الشخصية أمام الزوجة والأبناء، وأصبح عاجزاً عن تربية أبنائه، حيث ظهر ابنه الذي جسد شخصيته »ياسر جلال« طامعا في ثروة جارهم »عبدالغفور البرعي« الذي جسد دوره »نور الشريف«، ولم يستطع والده أن يقف أمام أطماع ابنه ووالدته اللذين خططا ودبرا للسطو على أموال جارهما.
هذه نماذج قليلة من صورة الوزير في السينما أو الدراما، والتي اختلف حولها الناس كثيراً؛ لأنها على مدى السنوات والعهود لم يتم أي تناول لإيجابيات الوزراء غير طرح سلبياتهم والتركيز أكثر على حياتهم الشخصية.
نظرة المجتمع أولاً
غير أن الكاتب وحيد حامد مؤلف فيلم »معالي الوزير« أكد أن تدني الخدمات وتردي الأوضاع ومعاناة الناس وتراجع مستوى التنمية وتفشي البطالة والفقر تشكل المساحة الأهم في التناول، وقد لا يرى البعض أي إيجابيات في ظل هذه الظروف وهذا الواقع، ولأن المجتمع يعتقد دائما بأن ما تهمه حياته التي يفترض أن يعيشها حتى ولو بالحد الأدنى من الرخاء.
وإذا لم تكن الإيجابيات تصب في تخفيف العبء على المواطنين تصبح إيجابيات لا معنى لها، ولذلك نجد أغلب الوزراء يجلسون على مقعد الوزارة لخدمة أهدافهم ومصالحهم أولاً، وهذا ما يدفع الكتاب إلى إبراز سلبيات الوزير، خاصة أن هذه السلبيات ترتبط بشكل مباشر بسلوكهم الشخصي.
أما الناقدة رانيا يوسف فانتقدت ظهور شخصية الوزير بهذا الشكل وإبراز سلبياته دون ذكر أي إيجابيات، وتقول: لست ضد تعرض السينما أو الدراما لسلبيات الوزراء في مجال العمل وكشف قصور أدائهم لمهام وزاراتهم مع إبراز سلبياتهم على المستوى الشخصي.
ولكن ليسوا جميعا فاسدين أو فاسقين أو لصوصا، بل كثير من الوزراء لهم مكانتهم المرموقة ويتمتعون بأخلاق حميدة، بعيداً عن النساء والفجور والخمر والمخدرات، وإذا آمنا بأن السينما تعمل دائما على كشف الفساد أو تنوير الناس بدورهم، فهي في الوقت نفسه وسيلة مهمة للتوثيق، ولذلك أتوقع في المراحل المقبلة تناول الشخصية بشكل موضوعي يحفظ للوزير مكانته وهيبته.
فكرة استغلال السلطة
ولكن د. أحمد إبراهيم، أستاذ علم الاجتماع، أكد أن ظهور الوزراء بهذا الشكل الهزلي - وهو وصمهم بالفساد والرذيلة- فكرة نبعت من سلوك بعض المسؤولين والوزراء الذين مارسوا ما يسمى استغلال السلطة بشكل واضح وملموس وأمام أعين الناس، من خلالهم كوزراء أو من خلال أبنائهم أو زوجاتهم، حيث عاش هؤلاء الحياة الارستقراطية بكل معانيها والتي تتسم بكثير من التعالي على الآخرين، مما يشكل في الواقع استفزازاً لمشاعر الفقراء والبسطاء من عامة الشعب.
بينما هناك، كما يقول إبراهيم، وزراء لا تسمع صوتهم، ولا ترى أبناءهم أو سيرتهم إلا عبر تصريحاتهم على صفحات الصحف، لكنهم قلة، بينما الغالبية تجد شوارعهم مغلقة بالمتاريس والحراسات المشددة، وعلاقاتهم بجيرانهم معدومة، ويمارسون حياة مفتوحة بكل ما تحمل الكلمة من معنى.
ولذلك فالسينما تعبر عن مشاهدات وسوابق لمسوها ورسموا عليها تصورهم لهذه الشخصية- أي شخصية الوزير- لتصبح كأنها شخصية نمطية لا تخرج من هذه العباءة أبدا.
السلطة والمال
أما الكاتب بلال فضل فقال إن شخصية الوزير تعني السلطة، والسلطة مغرية، وتتيح لكل مسؤول كبير الاستفادة من موقعه، ولكن هذا لا يعني أن كل الوزراء هكذا، بل هناك كثيرون منهم علماء ومضحون من أجل وطنهم.
وقال إن توظيف شخصية الوزير في السينما والدراما تتشابه مع شخصية رجل الأعمال؛ لأن المال هو نفسه سلطة، فهما فئتان في أغلب الأحيان تفسدهما السلطة والمال بمساعدة من معهم من مسؤولين أدنى منهم وظيفة، حيث يوفرون لهم كل ما يعينهم على القيام بتجاوزات، ويستبيحون لهم أموال الشعب ليأخذوا لأنفسهم ما يريدون في ظل فساد الرجل الأول »الوزير«.
وذلك بعد أن يجعلوا منهم أسماء مكروهة لدى العامة، حيث لا يتورعون عن استفزاز الناس، فكلاهما الوزير ورجل الأعمال لا أحد يستطيع الاقتراب منهما حتى للسلام عليهما، وما تجسده السينما هو المرئي والشائع عن هذه الطبقات، ولكن ليسوا كلهم بهذا الحال، بل أغلبهم شرفاء خدموا الوطن، غير أن قلة منهم هي التي أساءت لصورة الوزير.
حديث العامة
ويقول الكاتب يوسف معاطي: أنا معني في كتاباتي بإبراز السلبيات التي غالبا ما ترتبط بالحياة الشخصية للوزير، وأعني هنا أن سلوكه الشخصي لا ينفصل عن دوره الرئيسي كرجل تنفيذي يخدم شعبه، وإذا حاولت أن أنظر إلى الإيجابيات أجدها ضاعت وسط الكم الهائل من الإخفاقات، وإذا أردت أن أعكس إيجابيات المسؤولين مثل الوزراء نجدها موجودة ولكنها كبقعة بيضاء على ثوب أسود عريض.
وعندما أصور الشارع أجد الناس تجري بحثا عن لقمة العيش، وإذا استمعت لحديث عامة الناس أجد كلا منهم يلعن حياته، وإذا تحدث أحدهم عن ظروفه تجده مهموما بمصاريف المدارس واحتياجات منزله وأنه ليس لديهم الإمكانيات للإنفاق على كل هذه المتطلبات، والعامة تعتبر هذا الواقع نتاج قصور من الوزراء الذين لا يلمسون حياة الناس؛ لأنهم لم يروهم أبدا فهم يعيشون وسط طبقة تملك السلطة والمال، ويملكون كل ما يعينهم على الحياة الرغدة والترف دون النظر إلى مشاكل الناس.
تعميم غير مقبولوصورة الوزير أمام الكاميرا بهذا الطرح اعتبرها مسؤولون في الرقابة والمؤسسات الحكومية المعنية تمثل سقفا عاليا من الحرية، خاصة أن الرقابة لا تتدخل في حذف أية شخصية أو أي مشاهد لأدوار الوزراء من هذا النوع.
وأكدوا أنهم لا يتوقفون إلا عند حدوث تجاوز مخالف للقوانين، وعند خروج الحوار عن المألوف أو الإشارة إلى شخصية محددة بشكل يسيء لها، وكذلك الرقابة ترفض الإساءة للشخصيات أيا كانت مهنتها، ولكن ما هو مسموح به الانتقاد للأداء، وأكدوا أن التعامل المهني مع أي موضوع يمكن أن يجنب العمل مشاكل كثيرة.
فيما قال المنتج ممدوح الليثي إن هناك من الوزراء من يحاول خدمة بلاده وفق الإمكانيات المتاحة، وكلّ يقوم بدوره، ولكن إذا كانت هناك إخفاقات فلا يعني هذا أن الوزير فاسد وفاشل ولا يحب أن تكون صورته نمطية تسير للأبد في هذا الاتجاه.
ولكن ربما الاعتقاد الذي ساد منذ فترة طويلة ورسخته السينما منذ بداياتها شجع الكثيرين للمضي بالصورة نفسها التي يرتبط فيها اسم الوزراء بالفساد والسرقة والفسوق وغيرها، وهذا غير صحيح في الواقع، ولكن أيضا هناك بين المسؤولين الكبار من يسيء لمركزه، ويرسم صورة غير صحيحة للمسؤولين الكبار، بمن فيهم الوزراء، ولكن الحقيقة أن أي سلوك سلبي لوزير محدد فشل في التجاوب مع رغبات مجتمعه لا يعبر إلا عن قلة تعامل معها البعض بالتعميم.
القاهرة ـ دار الإعلام العربية

