عندما يتحدث إليك تشعر معه بالألفة والمودة وكأنك تعرفه منذ 100 سنة، فالابتسامة لا تفارق وجهه®. هذا هو المؤرخ الفني »حسين قدري « الذي ارتبط بعلاقات شخصية وطيدة مع فناني ونجوم الزمن الجميل، وأحد كتاب أدب الرحلات البارزين عالميا، حيث هاجر من مصر قبل 35 عاماً®.

وأثناء زيارته أخيرا للقاهرة التقيناه لنتعرف منه طبيعة علاقته بالفنانين القدامى، وليحدثنا أيضاً عن رحلاته الممتعة التي قام بها وكتب عنها 17 كتابا®.وهذا نص الحوار.أنت أحد الصحافيين القلائل الذين تمتعوا بعلاقات شخصية وطيدة مع الفنانين القدامى، كيف كانت البداية؟في بداية حياتي الصحافية عملت محترفا في مجلة »التحرير« التي كانت تصدر مع جريدة الجمهورية القاهرية، وكان يرأس تحريرها سبعة من أقطاب الصحافة في ذلك الوقت الدكتور طه حسين، الشاعر كامل الشناوي، جلال الدين الحمامصي وموسى صبري وناصر الدين النشاشيبي وإبراهيم نوار وإسماعيل الحبروك.

وفي هذه الفترة التي بدأت فيها كانت سعاد حسني »صبية « صغيرة في فيلم »حسن ونعيمة« وكنت أول من كتب عنها في مجلة »التحرير«، وتوقعت لها بأن تكون نجمة المستقبل، وقلت للقراء بالنص:

»ترقبوا هذا الاسم «، وحين انتقلت إلى مجلة »الوطن « توليت باب المسرح، وكان التليفزيون آنذاك قد أنشأ 10 فرق مسرحية خرج منهم نجوم كبار سواء الموجودين على الساحة حالياً أو من توفي منهم- فقد بدأوا صغاراً من خلال هذه الفرق وأبرزهم عادل إمام، صلاح السعدني، صلاح قابيل، عزت العلايلي، حسين الشربيني، جورج سيدهم، مديحة حمدي، شويكار، أبو بكر عزت ومحمد عوض، وبالتالي بدأت علاقتي الفنية تتسع مع هؤلاء النجوم.

دردشة فنية

حاورت أكثر من 300 شخصية فنية وسياسية وأدبية كانوا من النجوم في ذلك الوقت وقدمتهم بالصفحة الأخيرة بمجلة »الإذاعة والتليفزيون «®. حدثنا عن ذلك؟

بعد أن انتقلت إلى مجلة »الإذاعة والتليفزيون « عملت أيضاً محرراً فنياً، وقدمت صفحة بعنوان »أيام من حياتهم « وهي الصفحة الأخيرة من المجلة، وهذا جعل عددا من النجوم الكبار يتصلون برئيس التحرير وقتها »محمود سالم « يقولون له »إن مجلة الإذاعة الآن تُقرأ من الخلف «؛ لأنني قدمت فيها حوالي 003 شخصية لامعة في كل المجالات، وربطتني بهم ذكريات ومواقف عديدة.

حدثنا أكثر عن هذه الفترة وأهم الشخصيات الفنية التي حاورتها؟

كانت فترة الستينيات وأواسط السبعينيات فترة زاخرة بالنجوم الكبار، وقد كنت أجلس مع الضيف فـ »يفضفض « و «ندردش « سويا دردشة طويلة، ومن خلال هذه الدردشة آخذ نقطة وأنشرها كمذكرات، لدرجة أن بعض الفنانين كانوا يتصلون بي ليطلبوا مني أن أقدمهم بهذه الصفحة »أيام من حياتهم «.

وأثناء ذلك أجريت حوارات مع يوسف وهبي ويوسف السباعي وعمر الشريف وفاتن حمامة وأمينة رزق وهند رستم وسميرة أحمد وعبد الحليم حافظ وشكري سرحان وكمال الشناوي وعادل أدهم والموسيقار محمد عبد الوهاب وماري منيب وأمينة السعيد وصالح جودت »وكروان « الإذاعة محمد فتحي، وأعدت اكتشاف أول إذاعية والتي سبقت صفية المهندس ب 01 سنوات ألا وهي عفاف الرشيد، وغيرهم من ألمع النجوم.

ومن هم أكثر الفنانين الذين كونت معهم علاقات شخصية؟

كانوا كثيرين مثل الفنان الرائع زكي رستم الذي قال لي: أنت الصحفي الوحيد الذي دخلت بيته، وهناك صلاح ذو الفقار وعز الدين ذو الفقار كانا أيضاً صديقين حميمين بالإضافة إلى ليلى طاهر وعمر الشريف وفاتن حمامة وسعاد حسني ونادية لطفي وماجدة النجار ومحمد فتحي ومديحة نجيب.

ما سبب هذه العلاقة الحميمة بينك وبين هؤلاء ؟

في ذلك الوقت كان المحرر الفني نجما لامعا ومتألقا يسعى الوسط الفني لصداقته ومودته ويتبادلون معه الزيارات العائلية، وقد دخل بيتي الذي تجلس فيه الآن كل هؤلاء النجوم، وكان يعرف عني أنا وزوجتي »سامية حمام « بأننا أسعد زوجين بالوسط الفني، لذلك كانوا يلتقون معنا باستمرار.

مع سعاد حسني

كان معروف عنك أنك شديد الصلة بالراحلة سعاد حسني حدثنا عن هذه العلاقة؟

سعاد حسني كانت إنسانة طيبة وبسيطة وظريفة ومرحة، وكل من تعامل معها قد أحبها كأخت وصديقة وكانت بالنسبة لي أنا وزوجتي المرحومة سامية حمام كأختنا الصغيرة، كانت تأتي إلينا بدون مواعيد أو اتصالات في أوج شهرتها، لدرجة أن أختها »صباح « عندما تقدم لها عريس طلبت مني أن أكون أنا وسامية موجودين لنعطي رأينا في العريس باعتبارنا عائلة واحدة وخطبت صباح لهذا العريس وبعد فترة ماتت في حادثة سيارة وهي معه.

بحكم علاقتك بسعاد حسني®. هل تزوجت عبدالحليم أم لا؟

لا أعلم إن كانت تزوجت عبد الحليم حافظ أم لا كما قيل، فقد توقفت علاقتي بها ومع معظم الفنانين بمجرد سفري إلى أمريكا ولندن رغم أنهم كانوا يزورونني في بيتي أثناء سفرهم إلى أمريكا.

من هم أبرز نقاد الفن في ذلك الوقت؟

كنا قليلي العدد، لذلك كنا مشهورين جداً مثل محمد تبارك ومفيد فوزي وأحمد صالح وجليل البنداري وعصام بوصيلة وحلمي هلال ورءوف توفيق وحسن شاه وإيريس نظمي وكمال الملاخ ومجدي فهمي وسيد فرغلي وجميل الباجوري، وجميعنا كنا محظوظين بأن شهدنا فترة الفن الرائع وزمن الفن الجميل.

أدب الرحلات

ذكرت بأنك هاجرت من مصر رغم علاقتك الوثيقة بالفنانين®. فلماذا كانت الهجرة؟

لم يكن في مشروعاتي في يوم من الأيام أن أكون مهاجراً على الإطلاق، فقد كان ذلك آخر شيء يخطر على بالي، بالعكس كنت في البداية ضد الهجرة، لكنني سافرت بالصدفة وعلى أساس أن المدة ستكون سنة واحدة فقط أعود بعدها إلى مصر لكن السنة تبعتها سنوات، حتى فوجئت بعد السنة الرابعة بأن من حقي الإقامة الدائمة في بريطانيا ثم منحت الجنسية الإنجليزية، وعملت أيضا بالصحافة .

ومتى بدأت قصتك مع أدب الرحلات؟

وجدت نفسي في كتابة الرحلات في عام 1946 من رحلة استمرت 117 يوما في الصحراء، قمت أنا وزوجتي واثنان من المصورين هما كمال راشد وأحمد فؤاد بمسح كل الصحاري المصرية، سيناء شمالها وجنوبها ثم الصحراء الشرقية والغربية أيضاً، وكانت هذه الرحلة هي بدايتي الحقيقية في كتابة أدب الرحلات، بعدها توالت الرحلات مثل رحلتي إلى جزر الكناريا ورحلتي إلى دولة ترانزستور أقصد قبرص و «صولكة « في بيروت وغيرها.

وجميع هذه الرحلات كتبت عنها في كتبي التي تجاوزت العشرين كتابا، وفي الطباعة ستة كتب ستصدر تباعا، وستة كتب أخرى جاهزة للنشر في انتظار أن يطلبها ناشر ما، فأنا لا أتوقف عن الكتابة أبداً .

لو أتيح لك أن تزور نفس البلاد التي كتبت عنها مرة ثانية هل ستكتب نفس الكتب بنفس الطريقة أم بشكل أفضل؟

سأكتبها بشكل مختلف وليس بشكل أفضل والاختلاف هنا سيكون مني أنا وليس من ناحية أسلوبي، فالكتاب الذي كتبته عندما كان عمري 30 سنة سيختلف قطعا عندما أكتبه وأنا عندي 50 سنة يعني أن الأشياء التي انبهرت منها .

وكدت أن أقع مغشيا علي من الدهشة منها وأنا عمري 30 سنة، سوف أمر أمامها الآن أو تمر أمامي دون أن ألاحظها أو تلفت نظري؛ لأنها أصبحت معتادة ومألوفة ولا تثير دهشة ولا استغرابا، فقد كتبت كتابين عن لندن سنة 1947 الأول اسمه »مذكرات شاب مصري يغسل الأطباق في لندن « والآخر بعده ب 03 سنة، الكتابان مختلفان تماماً فلن تجد في الكتاب الثاني أي ملمح يذكرك بالكتاب الأول.

في بيروت

تكتب بشكل مختلف عن بقية الكتّاب، ذلك مما أجمع عليه النقاد الذين كتبوا أو تكلموا عنك ما هو هذا الاختلاف؟

كل كتبي أقرب إلى اليوميات، فأنا أكتب يوميا ولا أنام كل ليلة إلا بعد أن أكتب يومياتي كل ما حدث لي في يومي بالتفصيل؛ لأنني أعود إليها مرات أخرى لأختار منها ما يتماشى مع الخط الذي أريد أن أقوله في الكتاب، إذن شكل أدائي لا يتغير، الذي يتغير هو المادة التي أضعها في الكتاب.

وماذا عن أسلوب »الرحلواية « الذي تنفرد به؟

لم أكن أضع في اعتباري هذه المسألة لكني اكتشفت فعلا أنني أنفرد بكتابة ما يسمى بـ «الرحلواية « من خلال إشارة أحد الأدباء لذلك ومعني هذه الكلمة الرحلة والرواية، وهذا يعني أنني عندما أقوم بعمل رحلة معينة مثل كتابي »مذكرات شاب مصري يغسل الأطباق في لندن « هي أولا رحلة .

ولكن أحداثها وأبطالها كأبطال الرواية فعلا ولها عقدة أي أن أركان كتابة الرواية تتوافر في كتابة الرحلات بدون قصد، فأنا تقريباً قمت بزيارة كل دول العالم ولي ذكريات فيها.

القاهرة : دار الإعلام العربية