منذ بدأ المسرح بالإعلان عن نفسه، دهش الكثيرون من تأثيره وطغيان جبروته وانفلاته من كل القيم والعادات الاجتماعية والإنسانية، وصار ينظر للممثلين الذين يتحركون على خشبة المسرح بأنهم طاقات كبيرة تستطيع أن تكون فاعلة ضمن ضوابط وبإمكانها أن تنفلت من عقالها فتحرج الآخرين.
وتزعجهم لذا كان لابد من ضوابط ما تتيح للعمل المسرحي أن لا يكون مسببا للمشاكل ومصدرا للإزعاج ولعل تاريخنا العربي يضم الكثير من الحالات التي حدث فيها إيقاف لعروض مسرحية كثيرة تحت مظلة الخروج عن طاعة المجتمع او الدولة او الأخلاق ®®.أحيانا يكون الحق إلى جوار القانون وأحيانا أخرى لا، وذلك تبعا لمزاجيات الموظفين وثمة مقولة للفنان الكبير دريد لحام يشير فيها إلى أن موظفا صغيرا يستطيع أن يمنع عرضا كبيرا باسم القانون وليس هناك من يمنعه فهو يقوم بواجبه ويؤدي عمله على أكمل وجه ®®.!
ما بين المنع والإجازة هامش كبير وتفاصيل كثيرة، وإذا كان الشيطان يسكن في التفاصيل كما يقال عادة، فإننا نقف أمام حالة لا توجد فيها معايير ثابتة لعمل الرقابة ولكن المسرح التجاري عرف عنه نزوعه صوب تحدي الرقابات والخروج عن قوانينها التي اعتمدتها لمصلحة العائلة العربية، وفي كل الأحوال ثمة هوامش مفتوحة من أجل الخوض في لعبة الرقابة العربية مع العروض التجارية دون أن تستطيع هذه الرقابة أن تمنع بعض الاختراقات التي سنخوض فيها في هذا الملف.
آليات مختلفة والفنانون رقباء على أنفسهم
من حسن حظ الفنانين الإماراتيين أن الرقابة التي تتعامل مع أعمالهم هي رقابة منفتحة ولا يوجد فيها ضوابط قاسية كتلك الموجودة في باقي الدول العربية ولعل هذا على حد رأي أحد الفنانين الإماراتيين مكسب للتعامل مع العروض المسرحية من وحي رقابة المؤلف والمخرج والكاتب المسرحي نفسه أي أنها رقابة ذاتية وهي أشرف أنواع الرقابات في العالم على حد تعبير المخرج الفنان ناجي الحاي.
والذي يتولى منصب المدير التنفيذي للتنمية الاجتماعية في وزارة الشؤون الاجتماعية وقد لفت إلى أن التعاطي مع الرقابة موضوع محير للمبدع وللموظف في آن معا، بحيث لا يستطيع أحد أن يجزم متى يجب أن تتدخل الرقابة ومتى يجب أن لا تتدخل، وأحيانا ثمة رقيب لا يمتلك عينا جمالية او ثقافية يتهم عروضا كبيرة بأنها خارجة عن حرمة المجتمع،.
وبالتالي فإن تربية المسرحيين أنفسهم وصناع العمل المسرحي والتخفيف تلقائيا من سلطة الرقيب الموظف الإداري هو الحل الأنسب من أجل الخروج بنتائج على مستوى العرض المسرحي فكريا وفنيا وهذا أمر الرقابة في كل بلدان العالم العربي وليس في الإمارات وحدها.
ولعل جعل صانع العمل المسرحي مسؤولا عن عمله هو جزء من آلية تنمية الوعي بالمسرح ضمن المجتمعات بل هو جزء من رسالة المسرح، وهذه بكل الأحوال حالة مثالية يجب العمل عليها تفاديا لوقوع العروض في مطبات رقابية لا طائل منها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المسارح التجارية موضوعاتها مسفة ولا تقدم الجديد.
ويعترف بلال البدور المدير التنفيذي في وزارة الثقافة بأن الفنانين يتمادون أحيانا لذا يحتاجون إلى تنبيه ما أو لفت نظر وهذا ما تقوم به الوزارة حينما ترد بعض الانتقادات حول عرض مسرحي ما، لافتا الى أن الفترة الماضية قد وصلت للوزارة بعض الانتقادات حول عروض المسرح التجاري الماضية والتي بدأت تجد طريقا آمنا للعرض خلال المناسبات التي تكون فيها العائلات في إجازة ما.
والوزارة قامت بما تفعله عادة في حالات كهذه فاستدعت أصحاب هذه العروض وطلبت منهم التقيد باللوائح التي تشير إلى احترام حضور العائلة لافتا أن سلطة الوزارة مطلقة حول العروض التي تقدم على مسارحها وهي قادرة على إيقاف أي عرض مسرحي يتمادى.
ولكنها حتى الآن لم تقم بهذا فالوزارة لا تريد أن تتحول إلى سيف مسلط على رقاب العروض المسرحية أصلا فهدف وزارة الثقافة المحافظة على سويات محترمة للعروض المسرحية تحترم العائلة العربية في الإمارات وليس هدفها محاربة الفن أو المسرح بوسائل رقابية قمعية.
مشيرا إلى آلية عمل اللجان في قراءة النص المسرحي قبل دفعه للعرض ومن ثم حينما يجاز يدفع بالنص للعرض وهنا يجب أن تحضر لجنة مسرحية اختصاصية بروفات العرض أو الصيغة النهائية التي ستظهر للجمهور كي تقدم ملاحظات ما حوله،.
ولا بد من متابعة المخرج ومنع أية حالات خروج عن النص الملزم له وهذا ما نتعامل معه مع كل العروض التي ترد الإمارات أيضا ولا سيما التجارية منها والتي تشهد حالات خروج كثيرة عن النص الأصلي بقصد إضحاك الناس.
ويشير رئيس جمعية المسرحيين الكاتب إسماعيل عبد الله إلى أن مفاهيم الرقابة متبدلة وكل العروض تخضع لمن يشاهدها ويحكم على مضامينها حتى في أرقى دول العالم ولكنها قد تتم بأساليب راقية، والرقابة أمر وارد دون أن تتحول إلى عبء على العرض وعلى صناع العمل المسرحي.
ويشير عبد الله إلى أن الرقابة في الإمارات تأخذ شكلا ذاتيا أكثر مما هي رسمية ولا يوجد في تاريخ مهنة الفن والإبداع في الإمارات عمل ما أثار ضجة حول ما يمكن أن نقول عنه انه خروج عن عادات وتقاليد المجتمع بل على العكس التزمت الأعمال بحرمة المجتمعات.
وهي حتى لو وجهت نقدا قاسيا للمجتمع ولواقع الحياة الإماراتية، وأكد عبد الله أن الرقابة بمعناها المباشر والواسع تم إلغاؤها في الإمارات منذ نحو ثماني سنوات بناء على معطى جوهري تشير بأن الرقابة لا يمكن أن تقول كلمة فصل في الأعمال الإبداعية او الإعلامية ويجب أن تتم تربية المبدعين على هذا الأمر أي أن يكونوا بأنفسهم رقباء على أعمالهم وبما يمليهم عليهم ضميرهم وفقا لعلاقة تربطهم بمجتمعاتهم.
وهذا ما حدث فبعد ان ألغيت وزارة الإعلام في الإمارات وجد في وزارة الثقافة ما يقال عنه لجنة رقابية على الأعمال المسرحية تقوم بأعمالها بخصوص بعض الأعمال المسرحية والفنية الأخرى.
ويشير المخرج الفنان إبراهيم سالم الى أن هناك صعوبة في ضبط آلية التعاطي مع المسرح التجاري في موضوع الرقابة فثمة عروض ترد الإمارات يقدم أصحابها نصا مؤلفا من خمس عشرة ورقة في حين العرض يقارب الثلاث ساعات وهذا ما نسميه احتيالا على عمل الرقابة والمعروف ان الأعمال التجارية مفتوحة على الارتجال وعلى تقديم مواقف ضاحكة .
وفي كل الأحوال ثمة مساحة هامة لتقديم الكثير والرقابة تكون قد أدت عملها وراقبت النص ولكن ثمة الكثير مما يراقب في العرض التجاري وغالبا لو حضرت الرقابة عرضا تجاريا ما ستجد أسبابا كثيرة للفت نظر المخرج وصناع العرض وإيقافه وهذا الأمر قد يكون واردا أكثر من غيره.
وأشاد إبراهيم سالم بالعروض الرسمية التي يقدمها محترفون خلال العام او في أيام الشارقة المسرحية من جهة الالتزام بالسلوك العام وفيه معايير فنية ورقابية مختلفة تماما عن أنواع المسارح الأخرى، لافتا أن معظم الخروج في المحاذير الرقابية التي ترد الإمارات في موضوع المسرح تأتي من الخارج وبعروض تحمل جوانب سخرية وإسفاف وضحك مفتعل.
دبي ـ جمال آدم

