كثيراً ما تغنى بها الشعراء، وكثيراً ما أبكت ودمرت وقتلت .. هي الغيرة، والغيرة تعبير مخيف إذا كانت مشروعة أو غير مشروعة، ففي الحالة الأولى تعتبر دافعا قويا لمنافسك في العمل أو الدراسة أو الحياة عامة ليتقدم عليك بالطرق المشروعة وهذا حقه، أما الغيرة غير المشروعة فتعني لك الويل والعذاب من الكيد والحرب الخفية والمعلنة..تفاصيل أكثر عبر السطور التالية يرويها ضحايا الغيرة.
ناهد.. موظفة مجتهدة يحبها زملاؤها ورؤساؤها ويثقون في قدراتها، واجهت موقفا دمر حياتها من خلال إشاعة أطلقتها زميلة لها في نفس درجتها وتعمل معها في نفس مكتبها، قالت ناهد: لم أدر حتى وجدت كل الناس تتحدث عن سوء أخلاقي وعن ضبطي في قضية أخلاقية وأنه تم تسوية القضية قبل تدوين البلاغ وأن سيرتي في منطقتي أسوأ ما يمكن وأظهر في مكان العمل لأمثل الطهر والشرف، والغريب أن هذا الحديث كان يدور منذ فترة دون أن أعرف عنه شيئاً، حتى جاءتني زميلتي التي تغير مني لدرجة الحقد وهي تمثل عليّ دور الصديقة التي تحرص على صديقتها وأبلغتني كل ما يقال حولي فلم أدر بنفسي إلا وأنا أبكي بحرقة دون أن أرد عليها ورأيت في عينها فرحة وسعادة وشماتة وهي تنظر إليّ سعيدة برد فعلي..
تستطرد ناهد: جاء العديد من الزملاء يسألونني عن سبب بكائي فلم أرد عليهم، وبعد أن هدأت بدأت أفكر في الأمر فأنا لا أثق في هذه الزميلة، فلجأت إلى زميل أحترمه وسألته عما يدور فأكد لي أنه نفسه مندهش لما يقال بل كشف لي أن ما يقال أسوأ مما أوصلته لي زميلتي، وقال لي «حتى فروع شركتنا المنتشرة في أماكن عديدة تتحدث عن هذا الموضوع وهذا يعني أن شخصا ما حاول اغتيالك اجتماعيا».
وتضيف: استأذنت وخرجت من العمل ولكن لم أعد مرة ثانية، خاصة وأنه ليس هناك مجال للدفاع عن نفسي، ولا أحتمل بعد اليوم نظرات زملائي لي، وبالرغم من أن زملائي يعرفون أن زميلتي تحقد على نجاحاتي إلا أنني شعرت بأن أغلبهم صدقوا ما قيل عني، وما زلت أبحث عن عمل آخر لأنني في حاجة إلى دخل ثابت شهري.
تشويه
أما نهلة .. فعندما تفوقت في اختبارات إحدى الشركات وتم ترقيتها في أحد أقسام العلاقات العامة وكلفت بمهام كثيرة رغم وجود سهام زميلاتها التي عينت في الشركة قبلها بعامين وأصبحت تقوم بمهام هامشية في المكتب، فقد كانت نهلة تعتقد أن هذا النجاح يعني بداية الانطلاقة للأمام إلا أن زميلتها سهام لم تسمح لها بالتقدم والترقي على حساب تاريخها، فبينما كان رئيس القسم يضع أمامه على المكتب أموالا خاصة بالعمل خرج إلى المكتب المجاور وكانت سهام وحدها فأخذت بعضا من هذه الأموال ووضعتها في حقيبة نهلة التي كانت في المكتب المجاور.
وعاد رئيس القسم وعادت نهلة أيضا، وبعد انتهاء ساعات العمل أخذت نهلة حقيبة يدها وخرجت لتعود إلى منزلها وفي هذه اللحظة شعر رئيس القسم بنقص في المبلغ الذي تركه على مكتبه وقدره عشرة آلاف جنيه ومن سوء حظ نهلة أنها خرجت مسرعة للحاق بضيوف في منزلها فلحقوا بها وطلبوا منها العودة إلى المكتب وتم سؤالها وكذلك كل زملائها الذين أنكروا جميعا معرفتهم بالمبلغ وبتفتيش الزملاء وجد المبلغ في حقيبة نهلة ففصلت من العمل نهائياً، وهي الآن بلا عمل ولا سمعة طيبة تسمح لأحد بالثقة في براءتها، أما سهام فعادت إلى إطار الصورة وتقوم بكل شيء مع شعورها بالانتصار.
ولكن بهجة.. عاملة بوفيه بإحدى المؤسسات حكت قصة غريبة قالت إنها كانت في البوفيه تعد الشاي للموظفين وطلبت منها إحدى الزميلات كوب شاي لها ولزميلتها غادة ووضعت لها كوب الشاي في صينية أخرى وذهبت بباقي الشاي للموظفين وعادت لتقول لها «خلاص خذي كوب »غادة هي منتظرة الشاي.. تقول بهجة: تعاملت بحسن نية مع الأمر خاصة وأن المكتب كله كان مشغولاً بجولة تفقدية لوكيل أول الوزارة والمدير العام ونوابه وبعض المسؤولين،لكن بعد فترة بسيطة سمعت صوت المدير العام يصرخ في غادة ويتوعدها رغم أنها معروفة بالكفاءة والأخلاق النبيلة وخرجت لأستطلع الأمر فوجدتها نائمة على المكتب وهي تضع رأسها على يدها وغضب المدير ومعه ضيوفه وخرج مواصلا جولته إلى المكاتب الأخرى واندهش الزملاء.
ولكن لاحظت أنها لا تستطيع أن تقاوم النوم فنظرت فوراً إلى زميلتها ووجدتها تنظر إلى غادة بكره وحقد، وأدركت أنها وضعت منوما أو أي شيء لها في الشاي، ونسبة لانشغال الكل وقتها انتظرت إلى اليوم التالي وطلبت مقابلة المدير العام ودخلت له وحكيت له ما حدث وتم التحقيق وثبت ما توقعته وعليه تم فصل الزميلة من العمل وأوقفت العقوبة التي كانت مقررة على غادة.
غيرة قاتلة
إلى هنا تقول نعيمة إبراهيم خبيرة علم الاجتماع إن الغيرة أمر طبيعي وجيد ولكن لابد أن تكون غيرة مشروعة تدفع إلى الأمام وتؤدي إلى منافسة حرة وشريفة تجعل الكل يحاول أن يتفوق على نفسه وعلى غيره، ولكن الغيرة غير المشروعة قاتلة؛ لأنها تؤدي إلى الأذى والحقد والإضرار بالآخرين، وقالت: هذا النوع من الغيرة دائماً ما تجدها عند النساء وأغلبها تقوم على المكايد والإضرار بالآخر ولكن في نفس الوقت فإن بعض الإدارات أو المسئولين لا ينصفون بعض الموظفين من ذوي الكفاءات فيمنحون الترقيات للأقل كفاءة وهذا يجعل المناخ ملائما للغيرة غير المحمودة؛ لأنه يولد الحقد والحسد.
هذا ما انطبق على حالة مشاعر.. المؤهلة والتي تتمتع بكفاءة عالية في قسم الحسابات وذلك عندما وجدت نفسها في الترتيب الوظيفي خلف زينب التي تقل عنها كفاءة رغم تعيينهما في يوم واحد دون سبب ولكنها ظلت تعمل بكفاءة عالية وزميلتها لا تقدم أي مجهود يذكر بل مشاعر هي التي تقوم بجهد جيد بدون أخطاء، وفي أحد اجتماعات موظفي القسم مع المدير أشاد المدير إشادة كبيرة بزميلتها زينب ووصفها بدينمو المكتب، وبعد الاجتماع استغربت مشاعر والزملاء لهذا الإطراء الذي لا تستحقه زينب، وفي موعد الترقيات تم ترقية زينب أيضا وتم تخطيها، فما كان منها إلا وأن بدأت تخطط لإزاحتها من أمامها للأبد.
وفي يوم كان القسم مطالبا بإعداد الكشوف الخاصة بميزانيات إدارة القسم فتعمدت مشاعر أن تغير في الأرقام وزينب في اجتماع مع الإدارة وتركت الأوراق في مكانها وكأنها لا تعلم عنها شيئا، وعادت زينب إلى مكتبها ووقَّعت على الأوراق وسلمتها إلى الشؤون المالية بثقة كبيرة وفي اليوم التالي كانت مشكلة وشبهة في التزوير وغيرها من التهم فأوقفت عن العمل؛ لأن المصروفات على الورق كانت أكثر مما صرف في الواقع.
ذنب وشقاء
ولرجال الدين أيضا رأي في مسألة الغيرة، حيث تقول الداعية الإسلامية د. عبلة الكحلاوي:في البداية لابد من معرفة طبيعة الغيرة.. هل هي غيرة محمودة أو غير مشروعة فهذه إذا اقترنت بفعل فيه إضرار بالطرف الآخر فهذا أمر غير مبرر شرعاً، وقالت: هذا النوع من الغيرة يعني الحسد الذي يعمل على الإضرار بالمحسود عبر الوشايات والإساءة إليه والكيد له وتعويق مساره في الحياة العملية وهذا مرفوض دينياً.
ولكن الغيرة التي تجعلك تنتبه وتستيقظ لتتفوق على من ينافسك فهذا مشروع ومحمود، وأرجعت الغيرة المرتبطة بالانتقام والإضرار بالغير إلى ضعف الوازع الديني عند الحاسد والذي لا يخاف الله فيما يفعل، والإنسان الحاسد لا يجني من أفعاله وأحقاده وكيده وحسده للآخر غير الذنوب والشقاء والإحساس الدائم بالذنب.
