من قلب القاهرة التاريخية، ومن خلال موقع قصر الغوري الفواح بعطر التاريخ في حي الحسين ينطلق صوت فرقة «سماع» للإنشاد الديني إلى العالم عبر العديد من الأناشيد الدينية القديمة في محاولة للحفاظ على هذا التراث المهم وإحياء القوالب القديمة مثل التواشيح والمقامات النادرة والطوائف التراثية المختلفة.

والفرقة التي تم تأسيسها عام 2007 على يد انتصار عبد الفتاح، بدأت كمَدرسة لتعليم الإنشاد وذلك من خلال ورشة عمل تحت عنوان «منشد الغوري» والتي أفرزت أهم الأصوات المتميزة في الإنشاد بأقاليم مصر المختلفة.

وتحت شعار »فلنسمع حتى نرى ونرى حتى نسمع«، لإتاحة الفرصة للمشاهد للقيام برحلة كاملة من خلال السماع مروراً بالأشعار الدينية والرقص وصولاً إلى الرؤية عبر قصر الغوري بنقوشه البارزة بالكتابات الكوفية والخشب المخروط الجميل والزخارف البديعة.

صفاء روحي

ويقول مؤسس الفرقة انتصار عبد الفتاح، انه لجأ في بداية تأسيس الفرقة، إلى جمع الأصوات الشابة المجهولة في عالم الإنشاد الديني، وأتاح لها الفرصة للالتقاء بأعمدة هذا الفن وشيوخه الكبار من أقاليم مصر المختلفة لكي يكونوا نواة تكبر وتكمل هذا الفن الذي يوشك على الانقراض قبل إنشاء الفرقة.

وتابع: فوجئت آنذاك أثناء تجولي من مكان لآخر بحثا عن عناصر فرقة »سماع« أن مصر مليئة بأصوات شابة ومواهب صوتية بمثابة كنز مفقود، فقمت بجمعهم وتدريبهم على يد الشيوخ الكبار وبالفعل أحسنوا ما تعلموه وقدموه بإتقان.

وعن الدلالات التي يحملها اسم الفرقة، يقول صاحب فكرة تأسيسها ان اسم »سماع« يخرج من النطاق الموسيقي المجرد ليصل إلى غاية أكثر سموا وأشد تأثيراً وهي قيادة الإنسان إلى السماء والصفاء الروحي. لافتا الى أن الفرقة تقدم أعمالها بطريقة وأسلوب تراثي قديم يحيي قوالب الفن القديم.

إنشاد بردة البوصيري

ومن الأعمال التي تتميز بها الفرقة إنشاد بردة البوصيري ونهج البردة والطوائف التراثية والمقامات النادرة وأداء التواشيح وكل ذلك يتم بهدف الحفاظ على التراث الثقافي.

ويشير عبد الفتاح إلى مهرجان سنوي تقيمه »سماع« خاص بالإنشاد الديني، وتشترك فيه دول عديدة كل منها بفرقتها وفنها، كما تشارك بعض الفرق المصرية مثل الأشراف المهدية، مجموعة الشيخ الهلباوي، الحامدية الشاذلية، وفرقة إنشاد الأوبرا.

وخلافا لهذا المهرجان السنوي، تطوف فرقة سماع دول العالم وتشارك في جميع المهرجانات على رأسهم مهرجان »سماع مراكش الدولي« والذي لاقت مشاركة الفرقة فيه تجاوبا كبيراً من الجمهور المغربي، على حد قول انتصار عبد الفتاح.

هذا وتضم الفرقة عددا كبيرا من المنشدين، منهم نبيل محمد الهلالي، صلاح إبراهيم فتح الله، علاء الدين إبراهيم، أحمد عبد العزيز، حسام محمد فتحي، حمادة مبروك الهواري، طه حسين أحمد طه، بلال مختار مندوه، خالد طموم »عازف قانون« أحمد موسى لبيب «عازف ناي».

ابتهالات دينية

وبلقاء صلاح إبراهيم فتح الله أحد منشدي فرقة »سماع« وأوائل الذين انضموا للفرقة قال إن »سماع« فرقة تكونت من أجل الحفاظ على التراث والغناء بالمقامات النادرة التي لا يذكرها أحد الآن.

وحول أسباب اتجاهه لهذا المجال، قال إن الغناء بالإنشاد تعلمه منذ صغره، حيث كان يكثر من قراءة القرآن الكريم وكان دائماً يقدم الابتهالات الدينية وهو في المرحلة الابتدائية، ورغم الإشادة بصوته القوي وموهبته في الإنشاد إلا أنه تعلم حتى اشتغل في مهنة المحاماة ولكنه سرعان ما ترك المحاماة والتحق بفرقة الإنشاد الديني بالأوبرا ثم سافر خارج مصر.

ولأنه كان على علاقة جيدة بانتصار عبد الفتاح، فلم يتردد في العودة عندما فكر الأخير في تكوين الفرقة، والتحق بالفرقة وبدأ معها خطوة بخطوة منذ بداية تأسيسها عام 2007، حيث كان عدد أفراد الفرقة في البداية 5 إفراد إلى أن وصل عددهم الآن ما يقرب من 25 فردا، بعضهم يقدم إنشادا صوفيا مثل »صلاة سلام« والبعض الآخر يقدم أشياء تراثية مأخوذة كلها من التراث القديم وخاصة مشايخ الإنشاد ومنهم الشيخ علي محمود الذي تعلم منه الفنان محمد عبد الوهاب والمشايخ: إسماعيل سكر والفيومي والشيخ محمد عمران والنقشبندي، ومحمد رفعت ومصطفى إسماعيل.

وقال فتح الله: نحن نغني إنشادا معظمه ينتمي لمقامات الفيومي وسكر وعلي محمود، وهذه المقامات مختلفة منها البياتي والصبا والسيكا التي كان يقدمها الشيخ علي محمود، وهناك أيضاً النهاوند والكردي والعجم وكلها مقامات للإنشاد الديني، وبالنسبة لي فأنا أقدم من هذه المقامات: »صلاة سلام على المصطفى« وهو مقام بياتي ومن البياتي أيضاً »قمر، قمر سيدنا النبي«.

في حفلات فرقة سماع، لابد أن تكون بداية الابتهال بالتكبير، وفي أوقات أخرى تبدأ الفرقة بأسماء الله الحسنى ومن حين لآخر يغير أعضاء الفرقة في الطرق التي يقدمونها وهي كلها أشياء روحانية نابعة من إحساس روحاني وفي نفس الوقت تتفاعل معها المقامات النادرة التي تقدمها الفرقة التي تستلهم كل ذلك من قوة قصر الغوري الذي يعود إنشاؤه إلى 1504م، 909 هـ.

الفرقة دائماً في تنوع وتجديد باستمرار، ليس في التراث لأنه ثابت ولكن في إدخال عناصر جديدة للفرقة وعمل دمج بين فرقة «سماع» وفرق أخرى تقدم نفس الطريقة، منها فرقة اندونيسيا والتي أدمجها انتصار عبد الفتاح مع فرقة »سماع«؛ لأنها تقدم أناشيدها بطريقة قريبة جداً من الفرقة، ولكن هناك نوعا من التغيير والتجديد سواء في طريقة الإلقاء أو الأسلوب، وفي النهاية تجتمع سماع وغيرها من الفرق على شيء واحد هو توصيل رسالة سلام للعالم أجمع.