لاحظنا في الآونة الأخيرة وجود كم هائل من برامج «التوك شو» على مختلف الفضائيات العربية ، التي يعد بعضها إنطلاقة جديدة في طريق الحرية، لأنها تسللت الى حياة المواطن البسيط وكشفت عن معاناته وأجبرت المسؤولين على الظهور في وسائل الإعلام وإيجاد حلول لهذه المشاكل والقضايا المجتمعية ، والبعض الآخر يراها فارغة لا تحمل مضمونا يجذب المشاهد، وإنما مجرد ثرثرة وتسليط الضوء على الفضائح والتحدث عن أمور تافهة.

ما يجعلنا نتساءل: ألم يحن الوقت للاستفادة من الحرية المكفولة التي يتمتع بها الإعلام العربي بشكل عام والإماراتي بشكل خاص وتقديم برامج «توك شو» تناقش هموم ومشاكل المواطن وإعداد تقارير يومية لما يستجد من أحداث داخل الدولة؟، ألم يثر نجاح الأثير الغيرة في القنوات المحلية للسير على نفس الخطى، أم هناك عجزا في توافر كوادر مدربة لمتابعه الأحداث المهمة؟

«الحواس الخمس» تسلل إلى كواليس البرامج التلفزيونية وسأل إعلاميين عن الدواعي الحقيقية وراء قلة هذه النوعية من البرامج، لتتعدد الآراء ووجهات النظر، فالبعض يرى أن الإمارات لا تحتاج مثل هذه البرامج التي تبحث في الكثير من المشاكل والقضايا المجتمعية بما يشبه الزوابع الإعلامية التي لا تنطبق علي الدولة، لأن المواطن قريب من القيادة.

والقيادة بدورها تقدم كل ما في وسعها لخدمته، الى جانب اتباع سياسة الأبواب المفتوحة في كافة الدوائر الحكومية، والبعض الآخر يرى أن برامج «التوك شو» في الإمارات تحولت إلى ساحة لفرد العضلات، وكذلك إشباع غريزة الشهرة والنجومية وحب الظهور للإعلامي، دون أدنى التفات إلى حقيقة الرسالة الإعلامية ذاتها وما الذي يجب أن يقدم فيها وما حقيقة قيمتها وفوائدها التي ستعود بالنفع على الناس.

وهناك من يؤكد عدم وجود كوادر إعلامية قادرة على إدارة مثل هذه النوعية من البرامج بشكل جديد يتناسب مع القضايا والمشاكل التي يعاني منها المجتمع الإماراتي.

وهناك من وصف برامج »التوك شو« الموجودة حاليا بأنها غير واقعية ولا تقدم معالجات حقيقية في كثير منها، وذات طابع تمثيلي يتم بإجراء بروفات تحضيرية و»تطبخ« على نار هادئة بعيدا عن أعين المشاهد والجمهور المتخصص.

فخ التقليد والفبركة وفرد العضلات تحول دون نجاحها

«البرامج التفاعلية» تحتاج أرضاً خصبة من الموضوعات المثيرة للجدل

يقول الإعلامي فيصل بن حريز بقناة أبوظبي: برامج «التوك شو» تحتاج أرضا خصبة من الموضوعات المثيرة للجدل، إلا أننا هنا في دولة الإمارات لا نعاني من مشاكل ضخمة وخطيرة، فالمواطن الإماراتي يتمتع بامتيازات عدة، وهناك العديد من المؤسسات الحكومية التي تقف بجواره إذا تعرض لأية مشكلة.

ويضيف: لكننا بحاجة لمثل هذه البرامج لطرح مختلف الموضوعات المهمة والابتعاد عن الموضوعات التي تثار لمجرد الإثارة، وأنا حاليا بصدد تقديم فكرة لبرنامج «توك شو» للمسؤولين بالمحطة، والتي تتضمن إلقاء الضوء على بعض القضايا المهمة بجانب استضافة شخصيات لها تأثيرها الإيجابي في المجتمع المحلي بجانب فقرة فنية، فكل برنامج تلفزيوني له الحق في البحث عن السبق والانفراد بأخباره الخاصة، واستضافة أبرز الشخصيات المثيرة للجدل، ولكن لابد من تنظيم هذه المسألة، خاصة في برامج الهواء التي لا يمكن التحكم في طريقة سيرها.

صناعة الخبر

بينما يرى الإعلامي ماجد الفارسي بقناة أبوظبي أن الإعلام الإماراتي لا توجد لديه ثقافة برامج »التوك شو«، وذلك لعدم قدرته على طرح المواضيع بجرأة، فالبرامج هنا من وجهه نظره تقوم بالتركيز على شؤون الدول الأخرى ومشاكلها، ما يؤدي الى وجود حالة من الجمود بين المشاهد والإعلام.

بالإضافة لظهور بعض المسؤولين على الشاشة وهم لا يمتلكون القدرة على التعبير والتواصل مع الجمهور. وعما إذا كانت هناك كوادر إعلامية إماراتية قادرة على إدارة هذه النوعية من البرامج، يقول: نمتلك كوادر إعلامية جيدة، إلا أن البعض منها غير قادر على التواصل والشراكة فى صناعة الخبر، وهي مشكلة اساسية تضعف فكرة برامج التوك شو التي تعتمد في المقام الأول على الحوار الجاد وعلى قدرة المذيع على استنطاق الضيف واستخراج الحلول للقضية التي يطرحها البرنامج.

وبالمقابل لابد ان يكون الضيف هو الآخر ملماً بأطراف الحوار او القضية وصاحب شخصية قوية لكي يحسن التفاعل مع المذيع لتقدم مادة إعلامية مشوقة تجذب الجمهور، وهو أمر ليس صعبا اذا توافرت العزيمة المطلوبة من جميع الاطراف التي تشكل برنامجا تفاعليا ناجحا.

الأبواب المفتوحة

في حين ترى الإعلامية بقناة سما دبي ديالا علي أن الإعلام الإماراتي يقوم بتقديم برامج »التوك شو« ولكن بشكل يتناسب مع القضايا الموجودة في الدولة، بعيدا عن التقليد الذي تتبعه بعض الفضائيات لمجرد جذب المشاهد.

وفي ذلك تقول: ان دولة الإمارات بتركيبتها الاجتماعية وطابعها السياسي لا تحوجنا لبرامج التوك شو ذات الطابع المثير، والتي تبحث في الكثير من المشاكل والقضايا المجتمعية بما يشبه الزوابع الإعلامية التي لا تنطبق على الدولة، لأن المواطن قريب من القيادة، والقيادة بدورها تقدم كل ما في وسعها لخدمته، بجانب اتباع سياسة الابواب المفتوحة في كافة الدوائر الحكومية.

وهو أمر يمكّن من حل المشاكل ان وجدت بانسيابية، بعيدا عن اثارة برامج التوك شو، موضحة ان طبيعة برامج التوك شو في الدولة تقوم على محاورة الشخصيات الناجحة وتسليط الضوء على تجاربها الناجحة وسيرتها الناصعة، حتى تكون قدوة يحتذى بها في سبيل رفعة الدولة وتواصل المسيرة بذات الايقاع الوحدوي المتناغم، بعيدا صخب برامج التوك شو.

إثارة الجدل

يقول الإعلامي أحمد بن ماجد بقناة »بينونة«: لقد تحولت برامج التوك شو إلى ساحة لفرد العضلات، وكذلك إشباع غريزة الشهرة والنجومية وحب الظهور للإعلامي، دون أدنى التفات إلى حقيقة الرسالة الإعلامية ذاتها وما الذي يجب أن يقدم فيها وما حقيقة قيمتها وفوائدها التي ستعود بالنفع على الناس، فترى المواضيع مكررة لا تهتم إلا بتسليط الضوء على الفضائح.

وللأسف، لا توجد ملامسة حقيقية لما يحدث للمواطن بالشارع، فهناك العديد من القضايا التي أرغب في طرحها مثل فاعلية معارض التوظيف التي تقام بالدولة بصفة شبة مستمرة، ويضيف: أهمية برامج التوك شو تتجسد في التحدث بالمواضيع التي يقع تحتها خط أحمر بمنصة للحوار لعرض وجهات النظر المختلفة بكل موضوعية، ومحاولة حل المشاكل عن طريق استضافة العديد من المحللين والخبراء والمسؤولين فى جميع المجالات.

من أجل مناقشة هذه القضايا في اطار عقلاني، ووفق مفهوم سياسة »الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية«، بمعني ان يكون الخلاف للمصلحة العامة والقضاء علي السلبيات برحابة صدر بعيدا عن المكابرة أو سياسة لي الذراع وفرد العضلات التي تقوم بها كثير من برامج التوك شو وهي تعتقد بأنها تقدم مادة مثيرة ودسمة للجمهور، لكن بالعكس هي إثارة يمكن أن تثير مشاكل أكثر من تقديم حلول ايجابية.

برامج مفبركة

طلال محمود معد بقناة سما دبي ينتقد بشدة واقع برامج »التوك شو« في الدولة، ويصفها بعدم الواقعية، ولا تقدم معالجات حقيقية في كثير منها، وهي ذات طابع تمثيلي؛ حيث يتم اجراء بروفات تحضيرية و »تطبخ« على نار هادئة بعيدا عن اعين المشاهد والجمهور المتخصص، فضلا عن أن المشاهد المحلي لا يهتم كثيرا بمثل هذه البرامج لتعدد الاتجاهات الترفيهية، بمعني ان المشاهد ميال لبرامج المنوعات والترفيه السريع، بعيدا عن البرامج الحوارية الجادة، فهم يفضلون برامج «التوك شو» الأجنبية، وهو الأمر الذي ينعكس سلبا على التفاعل الجماهيري، وبدون تفاعل جماهيري لا قيمة لمثل هذه البرامج، مهما كانت قوة طرحها وسخونة القضايا التي تقدمها، والأمر يحتاج لوقفات لمعالجة اوجه القصور حتى نجني الثمرات من مثل هذه البرامج الجيدة.

التقليد الأعمى

أما الإعلامية فاطمة الكتبي بقناة ابوظبي فتصف البرامج بعدم الاستمرار لعوامل كثيرة، منها ان المشاهد يفضل عليها البرامج الاجنبية مثل «اوبرا» التي يراها اكثر جدية وجاذبية من برامجنا المحلية، ولكن علينا ان نكون متفائلين بأن هذه الصورة يمكن تبديلها الى الأحسن بتضافر الجهود الرسمية والأجهزة الإعلامية التي تتطلع الى زيادة حصتها الجماهيرية لتدعم برامج التوك شو، لأنها حقيقية برامج ناجحة وتحظى بتفاعل كبير من قبل الجمهور في الدول الغربية.

واضعين في الاعتبار طبيعة الواقع الاماراتي ونوعية الاحتياجات والقضايا الملحة في الساحة التي تتطلب حلولا سريعة، وان نبعد أنفسنا عن فخ التقليد الاعمى للبرامج الأخرى التي يمكن ان تكون ناجحة مع معالجة قضايا تلك الدول، لكنها لا تشبه الواقع الإماراتي، والظروف الاجتماعية والاقتصادية، واذا طبقت هذه المعايير بحرفية ومهنية سيكتب لها الاستمرار ومواصلة المشوار، ولن تتوقف مهما كانت المشاكل والمتاريس.

دبي - عبادة إبراهيم