عجباً®. ومن الغرابة أن يحدث ذلك®. فطبقا للشريعة والقانون والعادات والتقاليد يكون عقد القران أولا ثم بعدها يكون الزفاف وسط فرحة للجميع، ولكن في سياق الأحداث القادمة نجد أن الخطوة الثانية تسبق الخطوة الأولى، ويكون الزفاف أولاً (عنوة) ثم يكون عقد القران وسط صمت وحزن الجميع!.
لا يتخيل أحد مدى الحسرة التي يشعر بها ضحايا الزواج في أقسام الشرطة، ففي هذا المكان تتحطم أحلامهن وتذوب آمالهن ويسوء مستقبلهن وتنهمر دموعهن®. فهن يعلمن تماما مدى الظلام المقبلات عليه، فهو على عكس الغد المشرق الذي كن ينتظرنه®.
يعرفن أنهن سيعيشن حياة مؤلمة مهددة دائمة بالطلاق. حياة لا تعرف طريقا للسعادة ®. حياة ليست فيها أي حقوق لهن®. لا حل فيها سوى الأمل والانتظار، ليس هذا فقط، بل انهن ايضا كن مجبرات على اختيار هذا الطريق الصعب، فلكل منهن حكاية مؤلمة، وقصة تدمع لها العين®. وواقع مأساوي ينتظرهن الآن®®®.
قدر مؤلم
كيف لهذه الفتاة أن تتزوج رجلا قام باغتصابها بكل وحشية وقسوة؟!®. كيف تعيش معه وكيف سيعيش معها؟! هذا ما قالته (أسماء .م .م 32 عاما( من مدينة المنصورة/ دلتا مصر، حيث روت قصتها قائلة: بعد أن انتهيت من عملى توجهت إلى الشارع الرئيسي واستوقفت احدى سيارات الأجرة كي أعود إلى البيت، ولكنني تعودت دائما أن اكتب رقم السيارة التى أركبها، فقمت على الفور بكتابة رقم سيارة أجرة وقفت أمامي على تليفوني المحمول®.
لم يكن في هذه السيارة سوى رجلين يجلسان بالمقاعد الأمامية، فجلست أنا بمقعد خلفي، وفجأة بدأ السائقان يضحكان بصوت خافت، وينظران إليّ، فبدأ الشك يداهمني ، فطلبت من السائق أن يأخذ أجرته وينزلني®. ولكنه استمر في الضحك هو والرجل الآخر.
وتواصل أسماء سرد مأساتها قائلة: قمت بإخراج الأجرة وأعطيتها للسائق فأخذها ولم يوقفني، ثم انتقل سريعا إلى مكان مظلم وقام بغلق فمي بواسطة القميص الذي كان يرتديه، ثم ®.
وتبكي اسماء ثم تكمل »قام باغتصابي عدة مرات هو وصديقه، وعندما كنت اقوم كان يضربني بقسوة، وبعد ان انتهيا تماماً أعطاني السائق أجرتي وأنزلني من سيارته.
فتوجهت مباشرة الى اقرب قسم شرطة، ورويت لهم كل التفاصيل، وقمت باعطائهم رقم هذه السيارة، وخلال ساعات قليلة جاء والدي الى القسم في نفس الوقت الذي أمسكت قوات الشرطة بالجاني، وأوقفوه أمامي، فلم أتمالك نفسي فخلعت حذائي وقمت بضربه على وجهة مرات عديدة، ولكن أوقفتني كلمات قالها: »أنا هتجوزك«، فضربته على وجهه بيدي، وفوجئت بكلمات رئيس القسم الذي قال عندما أمسك سماعة التليفون:
»ابعتوا مأذون القسم حالا«، فاسودت الدنيا في وجهيٍ وسألت نفسي: كيف أتزوج من رجل اغتصبني؟!، فلم تكن هذه هي النهاية التى توقعتها، بل تمنيتها لحياتي المقبلة، وتم الزواج، وكتب مهري 25 قرشا فقط، وأخذني المجرم، ورأيت على وجهه علامات وكأنه يريد أن يقول إنه أفلت من العقوبة بهذا التصرف، لا أحد يتخيل مدى حسرتي وألمي، فلا أعرف ماذا سأفعل؛ هل سأبقى معه، وأعيش كل يوم في ألم عندما أنظر إلى وجهه وأتذكر ما قد فعله بي أم اتركه وأعيش في فضيحة البنت المغتصبة؟!®. حقا لا اعلم ماذا سأفعل؟.
أمام الأمر الواقع
»جعلني أمام الأمر الواقع«®. هذا ما قالته سعاد 18عاما طالبة بكلية الآداب، والتي روت تفاصيل حكايتها المؤلمة قائلة: كنت أحبه كثيرا، وكان يحبني أيضا ، بعد أن اتفقت معه على الزواج وجاء اليوم ليتقدم الى أهلي، وبالفعل تقدم ولكنهم رفضوه لعدم امتلاكه شقة ولا راتبا مرتفعا ينفق به عليّ، ولكن أعطاه والدي فرصة أن يبحث عن سكن ثم يعود لخطبتي، وفي اليوم الثاني حدثني على التليفون وطلب مني أن أقابله، فقابلته وجلسنا نتحدث عن مستقبلنا، وطلب مني أن أذهب معه إلى بيت والدته لإقناعها أننا سنعيش معها، وبعد محاولات قام باقناعي فذهبت معه، ولكني لم اجد والدته، فقال لي:
يبدو أنها نزلت لشراء بعض متطلبات المنزل®. وفجاة أغلق الباب وأمسكني بقوة وضربني ضربا قاسيا حتى فقدت الوعي، وعندما أفقت كان كل شيء قد انتهي®. فقد اغتصبني ليضع أهلي أمام الأمر الواقع، وقال لي إنه يحبني لذلك اغتصبني، فلم أجد أمامي سوى اللجوء للقضاء لأخذ حقي، فلم أستطع إخبار أهلي بما حدث، وذهبت لقسم الشرطة، وبعد ساعة تقريباً، جلبوه امامي واتصلوا بأهلي، فلامني أهلي أنني ذهبت معه، وفجأة أمرت الشرطة بزواجه مني®.
ولكنني وقتها شعرت وكأن قلبي تحطم، وانهمرت دموعي بلا توقف، فلم أتمن أبدا أن أتزوج بهذه الطريقة، ولكن أعتقد بأن هذا الزواج لن يدوم، فأنا لا استطيع حتى النظر الى وجهه أبدا®. وأنهت الفتاة كلماتها قائلة: » يا رب، صبرني«.
فرحة زائفة
قصة ثالثة ترويها لنا »نادية ع .م .20 عاما«، حيث تقول انها تزوجت بنفس الطريقة بعد ان قام (احمد .م.ل) باغتصابها ومعاشرتها بقسوة دون رضاها، ولكنها لم تجد أمامها سوى الهروب من تلك الفضيحة عن طريق زواجها منه، ولكنها تقول بنفس النص:
»والله بعد أن جاء مأذون القسم وقام بتزويجي، شعرت بأنه كتب لي شهادة وفاة وليس عقد زواج، فكنت أنظر إلى السماء وأدعو الله ان أموت قبل أن أذهب مع هذا الوحش الى بيته، لن يتصور احد حياتي فإنها سوداء مظلمة خالية من الأحلام والطموحات، حتى الإنجاب، فلن أنجب أبدا من هذا الشخص، لأن حياتنا لن تستمر طويلا®. وكل ما جنيته من هذا الزواج هو رقم 2716 قسم باب الشعرية بالقاهرة، وهو رقم المحضر الذي قمت بعمله في القسم لآخد حقي، ولكنني لم أحصل عليه.
زواج منقوص
انتهت قصص الفتيات، لكن كان للعلماء رأي آخر، حيث تقول الدكتورة سعاد صالح استاذ الفقة المقارن: إن الزواج الذي يتم في أقسام الشرطة لا تتوافر فيه شروط الزواج السليم®. فعلى حد تعبيرها تكون الفتاة مضطرة الى هذا الزواج وليست راضية عنه، ومن أهم شروط عقد الزواج السليم هو الايجاب والقبول®.
لافتة إلى أن بعض الشباب الذين يقبلون على هذا الزواج تكون لديهم نية لطلاق هذه الفتاة بعد الخروج من القسم، وعدم استمرارية هذا الزواج، بالإضافة إلى أن هذا الزواج يكون هدفه الوحيد للفتاة هو عدم الفضيحة، ويكون للشاب هو الهروب من العقوبة، ولذلك فلم تتوافر في هذا الزواج شروط سليمة، على الرغم من أن عقد الزواج الذي يتم داخل الاقسام يكون صحيحا.
20 ألف حالة سنويا
أما الدكتور محمد فكري استاذ علم الاجتماع فيؤكد أن الزواج في أقسام الشرطة مشكلة كبيرة، تبدأ من عدم قدرة الشباب على الزواج العادي والرسمي، فقد تكون الجرائم مثل الاغتصاب والتحرش، هذا بالاضافة الى العلاقات غير الشرعية التي تتم بين الشباب، يكون السبب في هذه الجرائم هو انتقام شاب من أسرة أو أسرة من أسرة، أو يكون الفقر الشديد لهذا الشاب هو السبب.
ويضيف: هذا الزواج لا يكون قائما على أي توافق أو حب أو مشاعر أو قبول، لذلك نسبة الطلاق فيه مرتفعة جدا تصل الى نحو 08 % من حالات الزواج في الاقسام، بالاضافة الى الألم النفسي الذي يسببه هذا الزواج للفتيات بسبب أنه يكون مكتوبا فيه أن هذا الزواج بسبب جريمة حدثت؛ إما اغتصاب أو تحرش أو هتك عرض، فالزواج الذي يبدأ بهذه الكوارث هل سيستمر؟®. بالطبع لا!
وهذا أيضا ما قاله »عز الدين .ع« المأذون الشرعي، موضحا أن هذا الزواج رغم سلامة العقد ولكنه يضيع حق الفتاة، حيت يكون المهر 52 قرشا®.ويشير إلى إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة والاحصاء توضح أن هناك 02 ألف حالة زواج في اقسام الشرطة سنويا، وكأن عش الزوجية أصبح يبدأ من خلف الاسوار ومن دهاليز أقسام الشرطة.
القاهرة ـ دار الاعلام العربية
