تنصح مديرة التصوير والمخرجة الألمانية جيزيلا توختنهاجن جمهور أفلامها، بأن يرى أعمالها دون حكم مسبق وبذهن متفتح وأعين واعية، وألا يبحث فيها عن أشياء لا وجود لها، فهي كما قال الناقد السينمائي عصام زكريا في تقديمه لعملين من أفلامها ضمن مهرجان الإسماعيلية الرابع عشر للأفلام التسجيلية والقصيرة: تملك مهارات متعددة في مجال المونتاج والكتابة والإخراج.

والكاميرا التي حملتها كمديرة تصوير في عشرات الأفلام الوثائقية لمخرجين آخرين (كاميرا لها عقل)، تعرف لماذا يتم تصوير هذا المشهد ومعناه والكيفية التي سيتم بها دمجه في بقية مشاهد الفيلم، فالسينما الوثائقية تحتاج إلى مصور يقظ وسريع التصرف لأن كل شيء يحدث فيها تلقائياً ومن دون تجهيز مسبق، ولأن الإضاءة غالباً ما تكون طبيعية أو صناعية في أضيق الحدود، لذلك مطلوب من مصور هذه النوعية من الأعمال أن يكون مبدعاً في البحث عن حلول ووسائل غير تقليدية دائماً.

ولدت جيزيلا توختنهاجن عام 1943 في »شليسفيج ـ هولستاين« وهى مدينة صغيرة على الحدود الألمانية البولندية تقع على بحر البلطيق، وهذه المدينة هي محور فيلمها »صاحب البار والبار والحفل الشعبي« الذي شاركت في إخراجه مع »مارجوت نويبرت ـ ماريك«، وعنوان الفيلم بالانجليزية يلعب على المعاني المختلفة للكلمات »حانة« أو »بار« و»صاحب الحانة« التي قد تعني الجمهوري و»الحزب« التي قد تعني »الحفل«.

ومنذ المشاهد الأولى للفيلم نجد أنفسنا داخل هذه المدينة التي تقع أقصى شمال ألمانيا، حيث التقاليد أكثر قوة وحضوراً ورغم مظاهر الحياة الحديثة التي اقتحمت كل مكان، لا يزال يتمسك سكان تلك المدينة بلغتهم القديمة وأزيائهم التراثية وعاداتهم العتيقة، والبار الشهير الذي يعود عمره إلى قرون مضت ويحمل اسم »حانة بيرة الديك« ويحتفلون سنوياً منذ عام 1841 بهذا البار الذي تحول إلى مطعم فاخر ونادي اجتماعي للرجال فقط، وهؤلاء الرجال مثل آبائهم وأجدادهم لديهم مقاعدهم المحجوزة بأسمائهم يورثونها لأبنائهم وأحفادهم.

هذه المساحة الصغيرة والضيقة جداً، يعتبرها أهل المدينة التجسيد الحي لماضيهم وتاريخهم، ورغم رياح التغيير التي تعصف بالعالم من حولهم إلا أنهم يتمسكون بشدة بتلك الحانة واحتفالاتهم السنوية بها التي من خلالها يعيدون تجديد علاقاتهم بالماضي والذكريات والهوية.

ومن خلال هذا الحفاظ المتشدد على العادات والتقاليد يرمى سكان المدينة وزبائن »حانة بيرة الديك« إلى تحقيق التضامن والشعور بالتآخي بين سكان البلدة، بغض النظر عن مستواهم الاجتماعي ومهنتهم، فقد تجد بينهم الفلاح أو صانع الأحذية أو النجار أو الموظف أو المسؤول الحكومي وكلهم يربط بينهم اعتزازهم باللغة والشعور بوحدة الجماعة وهذا المكان.

ينتمي فيلم »صاحب البار والبار والحفل الشعبي« إلى ما يطلق عليه »السينما الأثنوغرافية« وهو نوع من الأفلام الوثائقية هدفه تسجيل عادات وحياة الشعوب خاصة الشعوب والمجتمعات البدائية التي تحافظ على أنماط حياتها القديمة.

بناء الفيلم بسيط جداً، أقرب إلى الريبورتاج التلفزيوني وهو ما يتفق مع العناية الزائدة بدقة البناء ووضوحه التي نجدها في كثير من الأفلام الوثائقية الألمانية، كما انه يتفق مع الموضوع الذي يهدف إلى الرصد المحايد لتفاصيل الحياة في هذه المدينة النائية خلال شهرين من الاحتفالات التقليدية.

ويعيب الفيلم فقط جفاف المعالجة التي تميل للسرد وعدم اهتمامه بالجوانب الإنسانية في حياة الشخصيات، وقد يعود ذلك إلى تركيز صناعه على تسجيل وقائع الحاضر الذي ينتمي إلى الماضي والمهدد بالزوال عاجلاً أو آجلاً. وعلى العكس من جفاف »صاحب البار والبار والحفل الشعبي« نجد أنفسنا في فيلم »أرقص مع ترودي شوب« تصوير جيزيلا توختنهاجن وإخراج كلاوديا فيلكه، وسط عالم من الاضطراب والفوضى والشعور بالوحدة، هذه المشاعر الناتجة عن المرض العقلي والنفسي الذي يعاني منه بدرجات وأشكال مختلفة نزلاء إحدى المصحات العقلية.

وفي هذا الفيلم تسعى الراقصة السابقة ترودي شوب التي تقترب من عمر التسعين إلى إعادة الشعور بالاستقرار والأمان إلى هذه النفوس المتعبة من خلال الموسيقى والرقص، ورغم تصويره داخل مكان واحد هو المصحة النفسية وقاعة واحدة تقريباً، إلا أن الطبيعة التلقائية لشخصياته دفعت المصورة إلى الارتجال في التصوير، وكثيراً ما تترك الكاميرا المجموعة التي تشارك في الرقص لتذهب وراء أحد المرضى راصدة ردود فعله وتفاعله مع الموسيقى والآخرين الذين يجد نفسه بينهم.

ومن خلال رسالة الفيلم القوية التي تركز على ترودي شوب الراقصة التي بدلاً من الاعتزال وانتظار مساعدة الآخرين لها في شيخوختها، تبادر هي وتسعى وتعمل على إشاعة الخير والحب في العالم الذي توشك على مغادرته.

جيزيلا توختنهاجن كمصورة تعرف تماماً كيف تعبر عن الأحاسيس في لقطة واحدة تفيض بالشجن، وكمخرجة تتفنن في الإمساك بخيط شخصياتها وجمعهم مثل الخيط الذي يجمع حبات العقد الواحد، ولم يكن مفاجأة أن يجعلها مهرجان الإسماعيلية تجمع بين كونها رئيسة لجنة التحكيم لدورته الرابعة عشرة والوحيدة المكرمة هذا العام، لرحلتها الطويلة في عالم الأفلام الوثائقية التي بدأتها كممرضة ثم احترفت (التصوير والمونتاج والكتابة والإخراج) لتصبح مشهورة ومعروفة في ألمانيا وأوروبا، باسهاماتها من خلال أفلام تعكس الإيمان الكامل بالإنسان، معجزة الحياة، ومقدرته رغم العناء أن يصنع غداً أفضل.

دبي ـ أسامة عسل