اعتادت وسائل الإعلام فتح أبوابها للزوجة الأولى «المظلومة» لتحكي معاناتها مع الزوج «الخادع الماكر» الذي هانت عليه عشرة السنين ونجحت امرأة أخرى -غالبا ما توصف بأنها «لعوب شريرة»- في أن توقعه في حبالها ليتزوجها على شريكة كفاحه وأم أولاده، لتشاركهم ماله وحنانه، لكن الإعلام نادرا ما يفتح أبوابه للطرف الآخر في هذه القضية، وهو الزوجة الثانية، ليسمع دفاعها، وما الذي جعلها تقبل بذلك الوضع، وما قد تعانيه من متاعب على يد الزوجة الأولى.

وهذا ما سنحاول فعله في سطور هذا التحقيق: «لا حقوق ولا عدل» هكذا تصف «سارة» حالها كزوجة ثانية، مؤكدة أنها دفعت ثمنا باهظا لموافقتها على الزواج برجل متزوج، حيث آمنت بأن الشرع سمح للرجل بالتعدد في الزواج إذا عدل، لكنه حتى إذا عدل فإنه يجد الزوجة الأولى بالمرصاد ومن هنا كانت تجربتي، حيث لم أجد في ذلك البيت «حقوقا أو عدلا ولا الأولى تركتني في حالي». وتضيف: «كنت سأرضى بأي وضع إذا أحسست بالأمان حتى لا أعود إلى زوجة أبي ولكني لم أجد هذا الأمان في وجود زوجة أولى أقوى من زوجي، حتى انها أمام سمعه وبصره كالت لي من السباب ما يكفي ومن المكائد ما يطفش بلد بحاله، فجعلتني تائهة ابحث عن مخرج».

ونجحت المكيدة!

قضية «سارة» لا تختلف عن كثير من القضايا التي مازالت تنظرها المحاكم أو التي يفصل فيها المجتمع مقدما كل حسب أهوائه وضميره، وتروي «صباح» قصتها مع الزواج الثاني، موضحة أنها رضيت بالزواج من رجل متزوج رغم أن عمرها لم يتعد الثلاثين عاما بعد أن فقدت حبيبها، الذي رفضه والدها لعدم التكافؤ الاجتماعي؛ فهو خريج ثانوية عامة وهي جامعية؛ ووالده عامل في أحد المصانع بينما والدها موظف كبير وحالياً على المعاش، لكنه مازال يتمسك بأشياء وتقاليد عائلية عفا عليها الزمن. تضيف صباح: «بعده رفضت كل من تقدم لي، ولكن رغم أن زوجي الحالي متزوج فقد شعرت تجاهه براحة غريبة وتزوجته ودخلت منزله المكون من طابقين، عشت أنا في الطابق العلوي وزوجته الأولى في الطابق الأرضي.. شهر واحد شعرت فيه بقدر من السعادة الممزوجة بالخوف والقلق، ولكنه كان يحترمني جداً ويعاملني معاملة جيدة وبعدها بدأت زوجته الأولى تسحب البساط وطلبت أن تكون المعيشة مشتركة توفيرا للنفقات واقتنع بفكرتها وأصر عليها رغم مقاومتي».

وتتابع: «لم أذق بعدها طعما للراحة وكأنها تنتقم مني هي وبنتاها اللتان مازالتا في العشرينات من العمر.. وذات يوم دخلت على الزوجة الأولى وبنتيها وإحدى قريباتها، ولم أر في ذلك اليوم إلا الشر الذي لم أتوقعه؛ ضربنني ضربا مبرحا حتى كدت أفقد الوعي وأخذن جهاز المحمول الخاص بي وبعض متعلقاتي عمدا وتحاملت على نفسي وذهبت إلى قسم الشرطة وحررت محضراً لكني عدت وتنازلت عنه بعد إلحاح من زوجي، وأثناء عودتي معه بعد التنازل أخذني إلى منزل أهلي وقال لي: «أنت طالق، نحن لم نعرف طريق الأقسام إلا بعد معرفتنا بك»، حينها أدركت أن زوجته الأولى خططت ودبرت ونجحت.

الوفاء الكاذب

«رفيدة» كان لها قصة أخرى غريبة، فقد طلبها الرجل الذي سبق أن رفضته بعدما أكد لها أن زوجته الوحيدة مريضة بمرض خطير ولا يستطيع أن يمارس معها حقوقه الشرعية ولكنه لا يريد أن يخطرها بهذا الزواج حتى لا يجرح مشاعرها وأكد لها بأن ذلك سيتم تدريجيا أي بعد فترة وجيزة تقديرا لظروفها الصحية.

قدرت «رفيدة» أن هذا الرجل يتحدث عن زوجته الأولى بوفاء وأصالة تعبر عن صدقه ونقائه؛ فوافقت بأن يكون الزواج سرياً لفترة حتى يمهد لزوجته الأولى، وبالفعل أعدَّ لها شقة صغيرة «إيجار جديد» باعتبار ذلك وضعا مؤقتا ولكن بعد فترة قصيرة كان يغيب كثيراً خارج المنزل، تقول « كان يأتي في الأسبوع 5 مرات ويجلس معي ساعات معقولة، ويؤكد لي دائماً أنه لولا ظروف الزوجة الأولى لبقي معي كل ساعات اليوم، وبعد شهور بدأ العد التنازلي في عدد زياراته لي لدرجة أن وصلت إلى ساعتين في الأسبوع وأحياناً لا.»

وتضيف: بدأت أتحرى بجدية شديدة عنه دون أن يعلم، وكانت المفاجأة أن زوجته سليمة 001%، وأنها امرأة قوية يخافها خوفاً شديداً وتضربه أحيانا وتهينه أمام العامة بلا حرج، فما كان مني إلا أن توجهت فجأة وبجرأة غريبة إلى منزل الزوجة الأولى، وكاد زوجي يسقط مغشيا عليه عندما شاهدني أمامه، ومن هناك اتجهت إلى منزل أسرتي التي أصرت على الطلاق؛ لأنه كذب وخان العهد وحسمت الأمر بعدم العودة إليه واكتفيت بطفل جميل سأعيش معه حتى يكبر لأعلمه كيف يكون صادقاً ولا يعرف معنى الكذب؛ لأن الكذب هو أشر ما في الإنسان.

علاقة أبدية

وفي تحليله لأسباب المشكلات التي تحيط بالزواج الثاني، يشير د.محمد المهدي أستاذ الطب النفسي إلى أن ذلك أمر طبيعي.. مشيرا إلى أن دخول الزوجة الثانية حياة الرجل يعني بالنسبة للأولى أنها فقدت نصف زوجها أو أكثر، كما أن ذلك يعني أيضا أنها فقدت نصف كل شيء كان بيدها كاملاً من مشاعر ومال وحقوق الأبناء والأمان وغيرها من الحقوق وهذا بالتالي يترك أثراً سلبياً في نفس الأولى.

ويضيف أن المرأة المصرية اعتادت أن تكون علاقتها مع الرجل علاقة أبدية لا يدخلها ثالث مهما كانت الظروف ودخول طرف آخر في حياتهما تصبح وكأنها نهاية الحياة، والأولى في مفهومها أنها صاحبت الحق الأصيل بينما الزوجة الثانية تدافع عن حقوقها التي ترى أنها يفترض أن لا تقل عن الأولى شيئاً.

لحظة الانتقام

ولكن «مدحت» كانت له قصة مختلفة، حيث يقول: زوجتي الأولى في ريعان الشباب 63 عاماً أنجبت منها طفلين خلال زواج استمر 61 عاماً لكنها تريد أن تحافظ على قوامها وجسدها بطريقتها ومفهومها الخاص وقالت «كفاني اثنين من الأبناء»؛ لأن كل همها هو النادي والصديقات والجمعيات واجتماعات نسائية لا حدود لها..

وتابع: إذا كان ابناي قد وجدا البديل في جدتهما التي تحبهما ويحبونها وترعاهما باهتمام شديد، فإنني كنت أشعر بالضياع وشكوت إلى أقرب الناس لي وبينهم صديق عزيز، اقترح عليّ أن أتزوج وحاولت أن أطرد الفكرة ولكن انشغال زوجتي الشديد قرب الفكرة أكثر، حتى جاء نفس الصديق ليعرض عليّ الزواج من ابنة خالته وشكر لي في أخلاقها وقال «إنها أرملة منذ 5 سنوات ولديها ابن واحد»، فتزوجتها وأسكنتها بالقرب من منزل أسرتها، وبالفعل كانت هادئة مهذبة رحيمة مقدرة لظروفي.

وفي يوم من الأيام عدت إلى زوجتي الثانية ووجدت الباب مواربا فدخلت وناديت عليها فلم تجب، ودخلت عرفة النوم ووجدتها مغمي عليها والدماء تسيل منها، حيث يبدو واضحا أنها تعرضت إلى ضرب مبرح في كل أنحاء جسمها ولا تستطيع الحديث، حاولت أن أسالها عما حدث لكنها لم تتمكن من الإجابة، فذهبت إلى البواب الذي أنكر أنه شاهد أحدا يدخل شقتي، لكن صاحبة الكشك المجاور للعمارة قالت إنها شاهدت 4 أشخاص خرجوا من العمارة بسرعة وركبوا سيارة ومضوا.

وفي المستشفى بدأت التحقيقات وتم استكمالها في القسم فتبين أن زوجتي الأولى كانت وراء ما حدث، فرميت عليها يمين الطلاق، ولكني مازالت أبحث عن طريقة لأرى أولادي، حيث استخدمت زوجتي الأولى كل معارفها لمنعي من ذلك.

ضحية دائماً

وتعلق الدكتورة عزة كريم أستاذة علم الاجتماع على تلك القصص المؤلمة، قائلة إن أغلب فئات المجتمع تعتبر الزوجة الأولى ضحية إذا تزوج زوجها عليها مهما كانت الأسباب مقنعة، فالزوجة التي لا تقوم بكامل واجباتها برعاية زوجها وأبنائها والاهتمام ببيتها مصيرها الطلاق أو زوجة ثانية لتعويض الزوج حقوقا لم يجدها عند الأولى، وقالت: طالما نحن نتعامل في كل شيء بالعاطفة والمشاعر لا يمكننا تقييم الأمور بشكل جيد، فليس في الإسلام ولا في المجتمعات العربية الإسلامية زوجة واحدة طوال العمر. وتشير إلى أن الزواج الثاني حق مكفول ولكنه دائماً ما يكوى فيه الزوج بنار الخلاف بين الزوجتين نتيجة الصدام والعنف الذي يصاحب هذه العلاقات.

القاهرة: دار الإعلام العربية