لايزال صوت الفنان الكبير الراحل عبد الحليم حافظ يتردد في آذان جماهيره العريضة في كل مكان، فهو بقدر معاناته في صغره وشبابه من الفقر والعوز والمرض بقدر ما ظل بعدها غنياً بحب الناس، قدم العندليب خلال مسيرة حافلة بالكفاح أعمالاً شكلت وجدان المصريين والعرب وعبرت عن ثقافاتهم واختلافاتهم وتراثهم بما أضفى عليه حباً فوق حب.

ولم تكن الذكرى السنوية لرحيل حبيب الملايين هي الذكرى التي يستعيد فيها الناس فناً راقياً دفن مع صاحبه، ولكن ذكرى عبد الحليم تتجدد كل ساعة وكل لحظة، فعندما يطل نجم غنائي قادر على أن يحرك الوجدان يتذكر الناس عبد الحليم ويتمنون له أن يكون مثل العندليب.وعندما تنحسر موجة الفن الأصيل ويحل محلها الغناء الهابط يتذكر الناس عبد الحليم، وعندما يغني كل على لليلاه تكون في الصدارة أغنيات العندليب ومن هنا ظل عبد الحليم حيا بيننا ولم يفارقنا إلا جسده.وعندما قرر مهرجان الموسيقى العربية في دورته التاسعة عشرة التي جرت أحداثها في مصر أخيراً، إهداء هذه الدورة إلى روح عبد الحليم حافظ، يكون قد أضاف لهذه الدورة زخماً ومعنى لا حدود له.

عبد الحليم الإنسان

ولد عبد الحليم فقيراً ومن أب فقير، إلا أن عبد الحليم رغم شدة فقره فقد كان معتزاً بنفسه مرفوع الرأس، ولكن لم يكن الفقر وحده هو الذي يحاصره ولكن اليتم أيضاً كان أشد حصاراً عليه، حيث ماتت أمه بعد ولادته ثم أعقب ذلك وفاة شقيقته ووالده من بعدهما وهذا الواقع حسب المعاصرين لعبد الحليم قد أضاف إليه مزية مهمة هي الإصرار والعزيمة واستطاع بذلك أن يفلت من حصار الفقر واليتم، وظل وفياً لأهله خاصة خاله الذي كان رحيماً به وارتبط به كثيراً.

يذكر أن خال العندليب عندما أحس بموهبة ابن شقيقته قدم طلباً لفرقة »المطافي« بالزقازيق فانضم لها وأصبح من العازفين فيها ولكن رغم ذلك لم ينس الغناء بل ظل يغني وسط أهله وأصدقائه الذين تنبؤوا له بمستقبل كبير.

عبد الحليم حافظ عازف آلة »الأوبوا« وقتها كان يدرك أنه يتمتع بصوت جميل ورائع وحاول كثيراً تقديم نفسه للقائمين على أمر الغناء في مصر ولم يجن إلا الصد، ويذكر أنه عندما حاول أن يقدم نفسه للمخرج حلمي رفلة للمشاركة في أحد أفلامه زجره بشدة وأبلغه صراحة أن صوته ووجهه لا يصلحان للسينما، وبعدها حاول العثور على فرصة للمشاركة في حفل كبير بالإسكندرية فرفض متعهد الحفل بحجة أن صوته ضعيف .

وعندما قدم نفسه لاختبار الأصوات في الإذاعة المصرية أكدوا له بأن صوته لا يصلح، لكنه لم يحبط ولم يتراجع عن فكرة الغناء وظل يُجري تمارين متواصلة لصوته، ورغم أنه كان قد بدأ يغني في بعض المسارح في حفلات كبيرة إلا أن »حديقة الأندلس« كانت من المحطات المهمة في حياته وذلك عندما غنى عام 1935 في العيد الثاني للثورة قدم أغنية »صافيني مرة« وهتف الجمهور باسمه ودوى المكان بالتصفيق ومن هنا بدأ عصر عبد الحليم حافظ.

ألحان عبد الوهاب

نجاح العندليب في هذا الحفل، والتفاف الجمهور حوله جعل الملحنين يتسابقون لتقديم ألحانهم للوافد الجديد على الساحة ورغم قرب عبد الحليم من الملحنين الشباب الذين وقفوا معه أيام محنته وهو يقاتل من أجل الفرصة، إلا أن موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب دخل السباق .

وأكد عبد الوهاب أكثر من مرة وقتها أن عبد الحليم يتمتع بصوت من معدن نادر، وكان لعبد الوهاب وقفات مهمة في حياة العندليب، حيث قدم له ألحاناً عدة تتناسب مع صوته ولذلك ظل عبد الحليم يذكر عبد الوهاب دائماً، ويقول إنه تعلم منه الكثير®.

كيف يغني وكيف يختار أغانيه، كل هذا بالرغم من أن عبد الحليم كان قد تخرج من المعهد العالي للموسيقى العربية، وكان من زملائه فايدة كامل، كمال الطويل، وعلي إسماعيل وأحمد فؤاد حسن، ولكنه كان يعتقد أن دروس عبد الوهاب هي المحك الحقيقي والتي انطلق منها بفهم.

تغيير اسمه

عندما انطلق عبد الحليم حافظ كان اسمه »عبد الحليم شبانة« ولكن الإذاعي الكبير حافظ عبد الوهاب كان قد أعجب بصوت عبد الحليم في أحد برامج الإذاعة وتأكد من أن مستقبل هذا الشاب سيكون كبيراً ولذلك رأى أن عبد الحليم يحتاج إلى اسم خفيف في النطق فمنحه اسمه ليصبح اسمه بعدها »عبد الحليم حافظ«.

وهذه المرحلة كان فيها العندليب قد وضع قدمه على عتبة الشهرة؛ فقام عدد من الملحنين بجهد كبير معه من خلال تقديم ألحان جميلة له منهم محمد الموجي، كمال الطويل وبعدها قدم عبد الوهاب لعبد الحليم الدرر من الألحان، وكان جيل الشباب من الملحنين يتميزون بالتجديد والإبداع فأطلق عليهم جيل الثورة نسبة لظهورهم في وقت متزامن مع قيام ثورة 23 يوليو عام 1925.

رصيده الفنيرغم الخلاف الكبير حول عدد أغنيات العندليب الأسمر إلا أن الأقرب إلى الصحيح هو أن أغنياته بلغت نحو 450 أغنية منها نحو 105 أغنيات قدمها في أفلام سينمائية غنائية، حيث كان قد قدم خلال مشواره الفني 61 فيلماً.

وكذلك فإن كبار الشخصيات الأدبية والفنية والإعلامية كانت تلتف حول عبد الحليم مثل الكاتب المعروف كامل الشناوي والكاتب الكبير مصطفى أمين، وكان أقرب الناس إليه إحسان عبد القدوس الذي ارتبط به الفنان الكبير كثيراً وظل يزوره يومياً في مجلة »روز اليوسف« ويسهر معه في مبنى المجلة.

وكان لحليم حضور كبير في كل المناسبات الوطنية والدينية، حيث قدم 35 أغنية وطنية، و11 دعاء دينياً بصوته ولم ينس أن يغني للدول العربية، حيث قدم للبلدان العربية 21 أغنية، كما كان له نشاط جيد حيث قدم 5 دويتوهات غنائية مع الفنانات شادية وسعاد محمد ونادية لطفي، ومن أكثر الملحنين الذين تعامل معهم عبد الحليم، الملحن محمد الموجي الذي غنى له 46 أغنيةً.

هذه نبذة قصيرة لا تكاد تعبر عن كفاح طويل لفنان أصيل لم يستسلم لليأس ولم يصل إلى ما حققه من مجد بالواسطة أو بالمعارف؛ ولكنه كافح وثابر رغم ما كان يواجهه من رفض حينما يتقدم كمطرب، فتجده مجدداً المحولة في مكان آخر حتى يصل إلى غايته ويسمع الناس صوته، فكانت الإرادة والعزيمة والإصرار هي الطريق إلى المجد والشهرة.

القاهرة: دار الإعلام العربية