»غرشة مياه« ومجموعة من الكتب مع مصاحف و»جزور ومرافع« حولها يتحلق الصبية في انتباه وترقب لما يصدر من »المطوع«، هكذا كان حال التعليم قديما في الدولة، ويتم بأسلوب عفوي مبسط، حيث تقوم الأسر بتسليم أبنائهم لدى المطوع دون رسوم تسجيل، أو اشتراطات مسبقة.

وفور وصول الطالب تبدأ الدراسة مقابل ما تجود به الأسر عشية الخميس »الخميسية«، وعلى الرغم من بساطة التعليم آنذاك الذي كان يطلق عليه »الكتاتيب«، إلا انه أسهم في تخريج عباقرة في مختلف التخصصات واصلوا تعليمهم إلى ما بعد الجامعة »الحواس الخمس« رصد مسيرة ورحلة المطوع والكتاتيب في السطور التالية®.

نظرا إلى انشغال الآباء في البحث عن لقمة العيش أثناء موسم الغوص، أو الأسفار في البر والبحر سعيا وراء الرزق؛ فقد كانت المرأة هي التي تتولى مهمة تسجيل الابن للدراسة على يد أحد المطوعين في الفريج، وتخطره برغبة الأسرة في تعليم ابنها عنده، وتقول له:

»هذا ولديه ابغيكم اتعلمونه« ويرد المطوع »ان شاء الله«، أو تقول للمطوع »هذا ولدنا يايبينه الكم سلموا عينه وعظامه واللحم الكم« وهذا يعني بأن يتولى المطوع تربية الولد وتهذيبه أو تأديبه، ومن ثم تعليمه.

وإذا اخل الولد بواجباته، أو تأخر في الدراسة، أو بدرت من خطيئة؛ فإن هذا يعرضه للضرب المبرح والحبس على يد المطوع. وكان الأهالي في السابق يؤيدون طريقة المطوع في تأديب الولد، وعدم تركه لأهوائه ونزواته، ويولي المطوع الولد الذي حضر لتوه للتعليم اهتماما خاصا، وعناية فائقة حتى يلحق بباقي زملائه في الدرس، كما يسترعي الولد الجديد انتباه الدارسين فيعملون على مساعدته وتدريبه على حفظ الآيات.

وعند حضور الأولاد إلى المطوع يحمل كل واحد منهم »غرشة« بها ماء للشرب تحتوي على علامات حمراء او صفراء او زرقاء، وذلك لتميزها عن بعضها بعضا، ويدفن كل واحد »غرشته« في الطين حتى يظل الماء باردا، ولا يتعرض لحرارة الشمس.

ونلاحظ من أمام كل ولد أداة تسمى (المرفع)؛ خشبتان على شكل حرف إكس يوضع عليها القرآن الكريم، تستعمل في حمل المصحف او (الجزور)، الجزء الذي يحتوي على سورتين أو سورة من القرآن الكريم. والمرفع نوعان؛ النوع الأول من خشب الساي، وهذا النوع يستعمله أولاد الشيوخ، وأبناء التجار والنوع الثاني عبارة عن (بيب من الصفيح الذي يجلب فيه الكيروسين (الكاز)، وهذا النوع من المرافع كان يستعمله أبناء الأسر المتوسطة والفقيرة.

الخميسية

وفي يوم الأربعاء من كل أسبوع ينادي المطوع على تلاميذه ويذكرهم بإحضار (الخميسية)، وهي الأجرة الأسبوعية التي يتقاضاها المطوع ويقول: »باجر الخميس اللي ما يغيب يخيس«، وفي يوم الخميس يجري المطوع اختبارا للتلاميذ يستمع فيه الى حفظ الدروس السابقة؛ فإذا اجتاز التلميذ هذا الاختبار يقولون »افلان غيب« وهي كلمة تطلق على الابن أو الولد الذي نجح في حفظ القرآن الكريم أو جزء أو جزأين.

فعندما يجتاز التلميذ حفظ الآيات من الحمد إلى الفجر أو جزء عم، يقولون »افلان غيب«، وهذا يعني على هذا الولد »هدة«، وهي سماح المطوع للصبيان بالخروج على أن يدفع هذا الولد أجرة المطوع وهي روبية أو روبيتين. وعند العصر يسمح المطوع للتلاميذ بالذهاب الى منازلهم قبل موعد الدوام العادي الذي عادة لا يكون قبل المغرب.

ويحدد المطوع مواعيد الدراسة عن طريق »ظل الشمس«؛ فإذا وصلت الظلال عند الخط المرسوم في الأرض او عند حدود المنزل يعرف المطوع ان الوقت للانصراف قد حان، فيطرق بعصا على أداة من الصفيح معلنا انتهاء الدرس.

كما استعمل »المنحاز« وهو أداة تستعمل لدق البهارات في الإعلان عن بداية ونهاية الدراسة في الكتاتيب. وعند سماع الأولاد لقرعات المطوع معلنا نهاية فترة الدراسة يندفعون خارج منزل المطوع مسرعين حاملين معهم أدواتهم ومصاحفهم وأثناء خروجهم يرددون بعض الأناشيد أو الكلمات وهي أناشيد جميلة تعبر عن فرحتهم بإنهاء الدرس.

وإذا تغيب احد الأولاد عن الدرس دون عذر معروف يختار المطوع ثلاثة من الأولاد أكبرهم سنا، ويرسلهم في البحث عن الولد لإحضاره إلى منزل المطوع ويذهبون للبحث على البحر أو في أماكن صيد الطيور في البر.

وعندما يشاهدونه ينقضون عليه ويحملونه من يديه ورجليه ويذهبون به إلى المطوع، وأثناء ذلك ترتفع أصوات الأولاد ويقولون »يبناه يبناه«، أي أحضرنا الولد الهارب ثم يدخلون به على المطوع، ويقوم المطوع بضربه بالعصا وربطه بالفلقة وحبسه في السدرة حتى يعلن توبته.

دبي-مريم اسحاق